This publication has been printed/produced/translated with the financial support of the European Union – Council of Europe Joint Programme "Towards Strengthened democratic governance in the southern Mediterranean” (South Programme II, 2015-2017).
The European Commission, neither the Council of Europe cannot be held responsible for any use which may be made of the information contained therein.
Cette publication a été imprimée/produite/traduite avec le soutien financier du Programme conjoint Union européenne – Conseil de l’Europe « Vers une gouvernance renforcée dans les pays du Sud de la Méditerranée» (Programme Sud II, 2015-2017).
Ni la Commission européenne ni le Conseil de l’Europe ne peuvent être tenus responsables de l’usage qui pourrait être fait des informations qui y sont contenues.
تمت طباعة \ إنتاج \ ترجمة هذه الوثيقة بدعم من البرنامج المشترك للاتحاد الاوروبي ومجلس أوروبا "تعزيز الإصلاح الديمقراطي في دول جنوب المتوسط" (برنامج الجنوب, 2017-2015)
المفوضية الاوروبية ومجلس اوروبا غير مسؤولتين عن اي استخدام للمعلومات الواردة بهذا النص.
http://southprogramme2-eu.coe.int
المحكمة (الغرفة)
قضية دي هايس و جيجسل (DE HAES ET GIJSELS) ضد. بلجيكا
(شكوى رقم: 92/19983)
قـــــرار
ستراسبورغ
24 فبراير/شباط 1997
في قضية دي هايس و جيجسل ضد بلجيكا[1]،
تتألف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، طبقا للمادة 43 (المادة 43) من اتفاقية حماية حقوق الانسان والحريات الأساسية ("الاتفاقية")، والأحكام ذات الصلة من نظامها الداخلي B[2]، في الغرفة المؤلفة من القضاة الآتية أسمائهم:
السادة. ر. ريزدال، رئيسا،
ج. مــــــاتشـر،
ج. دي مايـــر،
أ. فواغـل،
ج. م. مورنيلا،
السير. جون فريلاند،
السيد. أ. ب. باكا،
ك. جينجويرت،
ي. لوهمـيس،
وكذلك السـادة ح. بيتـزولد، الكاتـب، و ب.ج. ماهوني، الكاتــب المساعـد،
وبعـد المداولـة فـي غـرفة المشـورة بتواريخ 29 أكتوبـر/تشرين الأول 1997 و27 يناير/كانون الثاني 1997،
أصـدرت الحكم التالي، بالتاريخ المذكور:
الإجـراءات
1. أحيلت القضية على المحكمة من طرف اللجنة الاوروبية لحقوق الانسان ("اللجنة") بتاريخ 25 يناير/كانون الثاني 1996، في أجل الثلاثة (3) أشهر المنصوص عليه طبقا للمواد 32 فقرة 1 والمادة 47 من الاتفاقية (المادة 32-1، المادة 47). تجد القضية أساسها في العريضة (رقم 19983/92) الموجهة ضد مملكة بلجيكا، من طرف مواطنيــن من رعايا هذه الدولة، هما السيدان ليو دي هايس وهيجو جيجسل، واللذين أخطرا اللجنة في 12 مارس/آذار 1992 بموجب المادة 25.
طلب اللجنة يحيل إلى المواد 44 و48 وإلى التصريح الذي قبلت بموجبه بلجيكا بالاختصاص الالزامي للمحكمة (المادة 46). والغرض المتوخى من الطلب هو استصدار قرار حول ما إذا كانت وقائع قضية المعروضة تعد إخلالا من الدولة المدعى عليها بالتزاماتها بموجب المواد 06 و 10 من الاتفاقية.
2. وردا على المبادرة التي تعتمد على المادة 35 فقرة 3 د من النظام الداخلي B أظهر المدعيان رغبتهما في المشاركة في إجراءات الدعوى وقاما باختيار دفاعهما (المادة 31).
3. الغرفة، وبقوة القانون، تتشكل من السادة ج. دي ماير، قاض منتخب من جنسية بلجيكية (المادة 43 من الاتفاقية) والسيد ر. ريزدال رئيس المحكمة (المادة 21 فقرة 4 ب) من النظام الداخلي B. بتاريخ 8 فبراير/شباط 1996، وبحضور الكاتب، أجرى الرئيس القرعة لاختيار الأعضاء السبعة (7) الأعضاء في المحكمة وهم السادة: ج. ماتشـر، أ. فـواغل، ج. م. مورنيلا، السير. جون فريلاند، السيد. أ. ب. باكا، ك. جينجويرت و ي. لوهمـيس. (المادة 43 من الاتفاقية و المادة 21 فقرة 5 من النظام الداخلي B).
4. السيد ريزدال وبصفته رئيسا للغرفة (المادة 21 فقرة 6 من النظام الداخلي B) استعلم من خلال الكاتب، ممثل الحكومة البلجيكية ("الحكومة")، ومحاميي المدعين ومندوب اللجنة بخصوص تنظيم الإجراءات (المادة 39 فقرة 1 و40). وطبقا للأمر الصادر، تلقى الكاتب مذكرات الحكومة والمدعين بتاريخ 26 يونيو/حزيران 1996. وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، قدمت اللجنة للمحكمة وثائق مختلفة، بناء على تعليمات الرئيس.
5. وقرر الرئيس أيضا، بتاريخ 23 أكتوبر/تشرين الأول 1996 الإعلان عن فتح باب المرافعات العلنية في قصر حقوق الانسان بستراسبورغ. وكانت المحكمة قبل ذلك قد عقدت اجتماعا تحضيريا مسبقا.
وقـد مثل أمام المحكمة:
- بالنسبة للحكومة:
السيد ج. لوثاورس، نائب المستشار القانوني، ورئيس قسم بوزارة العدل، ممثلا للدولة،
السيد. أ. بريوايـز، محام لدى نقابة بروكسل، مستشارا،
- بالنسبة للجـنة:
السيد. ج-س. جيوس، مندوبا،
- بالنسبة للمدعين:
السيد. هـ. فاندانبورغ، محام لدى نقابة المحامين ببروكسل، مستشارا،
السيد. فان دير ميسال، محام لدى نقابة المحامين في أنفير (Anvers)، مستشارا،
وقد استمعت المحكمة لتصريحات كل من السادة جيوس، فاندانبورغ، بريوايـز.
الوقائع
أولا: ملابسات القضية وظروفها
6. السيدان دي هايس وجيجسل يقطنان في أنفير. الأول يعمر كمحرر والثاني كصحفي للمجلة الأسبوعية هيمو (Humo).
أ. دعوى التعويض ضد المدعين
7. في 27 يونيو/حزيران، و17 يوليو/تموز، و18 سبتمبر/أيلول وكذلك في 6 و27 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 1986، نشر المدعون خمسة مقالات صحفية (انظر الفقرة 19 وما يليها أدناه) تنتقد بشدة أداء 4 قضاة بمحكمة الاستئناف في أنفير الذين قاموا، في إطار دعوى طلاق، بمنح حضانة أطفال لأبيهم السيد X، الذي يعمل موثقـا (كاتبا عدليا)، وفي سنة 1984، كانت الزوجة قد قدمت ضد هذا الأخير شكوى بزنا المحارم وسوء معاملة الأطفال، وكان مصير هذه الشكوى هو عدم قبولها.
8. ومن جهته، السيد X، قام بتحريك دعوى جزائية ضد محرري الشكوى بتهمة التشهير بشخصه. وبتاريخ 4 أكتوبر/تشرين الأول 1985 و5 يونيو/حزيران 1986، قضت محكمة الجنح بمالينز وبعدها مجلس قضاء أنفير، بتبرئة المتهمين. واعتبرت خصوصا ما يلي:
"حيث أن صدور أوامر بألا وجه للمتابعة الجزائية يعني معاينة قضائية لعدم صحة الوقائع المزعومة؛
كما أنه لم يثبت من جهة أخرى أن المتهمين قد تصرفوا بسوء نية؛ أي بنية الإضرار، ولم تكن لديهم أسباب جدية للشك في صدقية الوقائع؛
كما أنه وفي الواقع، فليس المتهمين لوحدهم هم المقتنعون بصحة هذه الوقائع، ولكن أيضا الأستاذة الدكاترة الذين تم تعيينهم كخبراء، كالأستاذ "م. أ" (...) والدكتور "م. ب" طبيب نفسي للأطفال، وكلاها معين من طرف قاضي التحقيق السيد "ي. أ"؛
وفي جلسة محكمة الجنح بتاريخ 6 سبتمبر/أيلول 1985 (...)، أكـــد الخبير "م. ب"، بعد القسم القانوني، ما جاء في تقريره؛
هذا الخبير، المختص في علم النفس للأطفال، وبعد فحصه لكل عناصر الملف الجنائي، خلص بتاريخ 28 أغسطس/آب 1984 إلى أن تصريحات الأطفال كانت صادقة ودعم موقفه هذا بالعديد من الحجج؛".
بتاريخ 20 يناير/كانون الأول 1987، قضت محكمة النقض برفض الطعن المقدم من طرف السيد X.
1. أمام المحكمة الابتدائية ببروكسل
9. بتاريخ 17 فبراير/شباط 1987، أقام أربعة قضاة لدى مجلس قضاء أنفير، وهم السيدة "ي. أ"، والسيد "ي. ب" و السيد "ي. س" و السيد "ي. د" دعوى قضائية ضد كل من السادة دي هايس وجيجسل، ورئيس التحرير، والناشر، ومسؤول النشر، والطابع، وموزع المجلة، أمام محكمة بروكسل الابتدائية. مؤسسين دعواهم على أحكام المادة 1382 و1383 من القانون المدني (الفقرة 26 أدناه)، وطالبوا بإصلاح الضرر والتعويض عما طالهم من أضرار من جراء التشهير و تعمد الكذب zeer lasterlijk en eerrovend في المقالات المنشورة. وطلبوا من المحكمة إلـزام المدعى عليهم، كل باسمه، بدفع فرنك رمزي كتعويض عن الضرر المعنوي، مع الأمر بنشر الحكم بمجلة هيمو والسماح بنشره كذلك في ستة جرائد يومية على نفقة المدعى عليهم.
10. ولغرض ضمان تساوي الأسلحة وحقوق الدفاع، التمس المدعى عليهم من المحكمة في طلباتهم الإضافية لـــ 20 مايو/أيار 1988، دعوة محامي الملك (ممثل الحق العام) لتقديم الوثائق المشار اليها في المقالات محل النزاع، أو على الأقل بالأخذ بعين الاعتبار لتقارير وآراء كل من البروفيسور "م. أ"، "م. س" و "م. د" حول الحالة الصحية لأطفال السيد X، والمودعة لدى الجهات القضائية. و سببوا طلبهم بـكون:
"المسألة المطروحة تتعلق بمدى كون المدعى عليهم، ونظرا لواقعية المعطيات المتاحة، يمكنهم، في إطار حدود حرية الصحافة، نشر إنتقادات حول سير هيئة قضائية.
(...)
وفي المقالات الصحفية محل النزاع، استند المدعى عليهم خصوصا على مضامين مختلف التقارير الطبية، وتصريحات الأطراف، وبمعاينات محضر قضائي.
(...)
كما لا يمكن تجاهل أن شكوى التصريح الكاذب والتشهير التي أقامها الموثق X ضد زوجته قد تم رفضها.
ويبقى الآن فحص مدى حق المدعى عليهم في نشر مقالات صحفية على أساس ما هو متاح لهم من معطيات. ومن الضروري، لحسن سير الدعوى، أن يقدم السيد ممثل الحق العام للمحكمة، الجالس في تشكيلتها بموجب المادة 764-4 من القانون القضائي، الوثائق المدرجة كمصادر لسلسة المقالات تلك. هذه الوثائق موجودة في حقيقة الأمر ضمن العديد من الملفات القضائية.
إن النقاش حول شرعية النقد الصحفي يفترض، على الأقل، من المحكمة أن تفحص آراء كل من البروفيسور "م. أ"، "م. س" و "م. د" حول علاج أطفال السيد X، والتي تم إرسالها إلى الجهات القضائية.
إن الحكم على آراء هؤلاء الأطباء-الأساتذة هو العامل الحاسم الذي دفع مجلة هيمو لنشر سلسلة المقالات الناقدة.
إن تقدير الآراء المتبناة من طرف المدعى عليهم، وكذا اللغة والتعابير المستخدمة، لا يمكن أن يتم بصفة مجردة، بل يجب أن يكون على ضوء هذه المعطيات التي تشكل جوهر القضية.
وهكذا، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في قضية لينغينس (قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بتاريخ 8 يوليو/تموز 1986، سلسلة أ رقم 103) أن مسألة حدود ممارسة حرية التعبير يجب فحصها في إطار السياق العام:
"فيجب تقديرها على ضوء مجموع معطيات القضية، بما في ذلك المقالات المنتقدة للمدعي و السياق العام الذي كتبت فيه" (الفقرة 40 من القرار).
ولهذه الأسباب، (...) يلتمسان من المحكمة (...) الفصل عند الاقتضاء، ولحسن سير القضية، خاصة على ضوء تساوي الأسلحة وحقوق الدفاع، بدعوة ممثل الحق العام إلى تقديم الوثائق المشار اليها في المقالات محل النزاع المنشورة في مجلة هيمو؛ والأخذ بعين الاعتبار آراء كل من البروفيسور "م. أ"، "م. س" و "م. د" المتعلقة بالحالة الصحية لأطفال السيد X، والتي تم إرسالها إلى الجهات القضائية".
11. بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول 1988، ألزمت المحكمة السادة دي هايس وجيجسل بأن يدفعوا لكل واحد من المدعين فرنكا رمزيا مقابل الضرر المعنوي، ونشر كامل هذا الحكم في مجلة هيمو؛ وبالترخيص للمدعين بنشره، على نفقة المحكوم ضدهم، في ستة جرائد يومية. مع التصريح بعدم قبول الدعوى الموجهة ضد بقية المدعى عليهم. وسببت المحكمة قضائها على وجه الخصوص:
"حيث أنه من الثابت بكل وضوح أن حرية التعبير وحرية الصحافة المكتوبة، المضمونة بموجب المواد 14 و18 من الدستور والمادة 10 فقرة 1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان، لم تكن محل منازعة من طرف المدعين؛ وكذلك لا يمكن للمدعى عليهم الدفع بان هذه الحرية غير مقيدة وبأن بعض هذه القيود لا يمكن تجاوزها؛ لأنه، وكما سبق عرضه (...)، فالمادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية لا تضع عقبة حول إمكانية إقامة دعوى قضائية على أساس المادة 1382 من القانون المدني، هي دعوى مدنية عن تعدي الصحافة؛
حيث أن المادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية تنص صراحة على أن حرية الصحافة "يمكن أن تخضع لعدة (...) قيود (...) ينص عليها القانون، وتشكل تدبيرا ضروريا (...) لحماية سمعة أو حقوق الغير (...) أو لضمان سلطة و حياد السلطة القضائية"؛ وحيث أن الحاجة لحماية الحياة الخاصة للمدعين (المادة 8 فقرة 1 من الاتفاقية)، وبأكثر دقة شرفهم وسمعتهم، يتطلب، في حالة كتابة المقال الصحفي، وجوب: 1o تحري واحترام الحقيقة؛ 2o ألا يكون المقال مبررا للتهجم على الآخرين؛ 3o وأن يحترم الحياة الخاصة للإنسان؛ وهذه هي المعايير الواردة ضمن "إعلان حقوق و واجبات الصحافيين"؛ المعّد من طرف الاتحاد الدولي للصحفيين؛
حيث أن المدعى عليهم أوردوا في المقالات محل النزاع عدة تلميحات لسوء قضاء المدعين في القضية وتحيزهم فيها؛ وقد اعتبر المدعى عليهم تصريحات الزوجة السابقة للسيد X، ومستشارها في الخبرة (البروفيسور "م. أ") بمثابة الحقيقة القاطعة، رغم أنه قد ثبت بوضوح في تسبيب القرارات الأربع الصادرة في هذه القضية، أن هذه التصريحات لم تكن موثوقة وصادقة؛ والأكثر دهاء من ذلك، أن المدعى عليهم أعربوا في المقالات محل النزاع عن رأيهم في أن المدعين يعتبرون قضاة منحازين، مستخلصين رأيهم هذا من تأثير دوائر النفوذ للموثق X ووالده، وأن أحدهم هو ابن جنرال في الدرك الوطني أدين في العام 1948 لتعاونه و انتمائه للوسط اليميني المتطرف، وبأن هناك علاقات صداقة تربطهم ببعضهم البعض؛
حيث أن سلوك المدعين كان عرضة للتهجم الشديد من طرف المدعى عليهم، وبعبارات وتعابير جد عنيفة، وبأن المدعى عليهم كانت لهم نية إظهار المدعين في صورة مخزية وتأنيب الرأي العام ضدهم؛ وبأن المدعى عليهم أرادوا أن يعطوا للقارئ انطباعا بأن المدعين متواطئون مع والد الأطفال وبأن قراراتهم متأثرة بمفاهيم أيديولوجية؛ وتدليلا على ذلك، قام المدعى عليهم بالتذكير، دون داع، بنشاطات والد أحد المدعين خلال الحرب؛
حيث أن المدعين لاحظوا، بحق، أنه لا يمكن وضعهم في نفس الكفة مع أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ كون رجال السياسة هم في الواقع منتخبون ويعود للرأي العام منحهم الثقة؛ وبأن السياسيين يمكنهم الدفاع عن أنفسهم، عبر وسائل الاعلام، ضد مهاجميهم؛ في حين أن القضاة الذين يمارسون مهامهم بكل استقلالية وحياد، ويخضعون لواجب التحفظ، الذي لا يسمح لهم بالدفاع عن أنفسهم بنفس طريقة رجال السياسة؛
حيث أن المدعى عليهم قد ارتكبوا خطأ بمساسهم بشرف وسمعة المدعين عبر اتهامات غير مسؤولة وتلميحات هجومية؛ وأن التدابير المطالب بها من طرف المدعين لإصلاح الأضرار جاءت متناسبة مع الضرر المعنوي الذي تعرضوا له؛
(...)"
2. أمام محكمة الاستئناف ببروكسل
12. قدم المدعيين طعنا ضد هذا الحكم. وفي مذكراتهم بتاريخ 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، أشارا على وجه الخصوص، أن المقالات المتنازع فيها لها هدف وحيد هو انتقاد أداء الجهاز القضائي، عقب الإجراءات المتخذة من طرف القضاة لدى معالجتهم - المحتمل أن تكون سيئة - لقضية زنا المحارم المرتكبة على الأطفال.
ولم يتم في أي نقطة، التعرض للحياة الخاصة للقضاة دون الرجوع إلى دورهم في هذا القرار المنتقد. وأثارا مجددا مبادرتهما لإثبات الوقائع المنوه عنها في المقالات، فطلب السيدان دي هايس وجيجسل من المحكمة دعوة ممثل الحق العام في أنفير لتقديم الوثائق المشار إليها من طرفهما، وعلى الأقل تلك المقدمة من السادة "م. أ"، و "م. س" و "م. د" وتلك الموجودة في ملف الطلاق للسيد X خاصة بعض محاضر السماع ومراسلة البروفيسور "م. أ" الموجهة للنائب العام.
13. من جهتهم، طلب المستأنف ضدهم تأيد الحكم الصادر عن المحكمة. وبحسبهم، فسلوك المدعين كان أكثر من مجرد النقـد والهجوم كما ظهر ذلك في المقال المنشور في مجلة هيمو بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول 1988 (الفقرة 24 ادناه)، ولم يكتفوا باتهامهم للقضاة الأربعة في نزاهتهم و حيادهم ولكن بانتقادهم، وبعبارات مهينة، لأشخاص (ذوات) مصدري حكم 29 سبتمبر/أيلول 1988 (الفقرة 11 أعلاه).
14. بتاريخ 5 فبراير/شباط 1990، قضت محكمة الإستئناف لبروكسل بتأييد الحكم معتبرة على وجه الخصوص:
"حيث أنه (...) - وتماشيا مع رأي النيابة العامة - لا يمكن الاستجابة لطلب المستأنفين المتضمن "دعوة السيد النائب العام لمقاطعة أنفير بتقديم الوثائق المشار إليها في المقالات المنتقدة والمنشورة في مجلة هيمو" وبخاصة - بتطبيق المادة 877 من القانون القضائي - "كل الوثائق الموجودة في ملف السيد X"؛
حيث أنه - وكما سبقت الإشارة لذلك - فليس من مهمة المحكمة ولا من اختصاصها فحص نزاع سبق الفصل فيه من طرف المحكمة الاستئنافية في أنفير، بعد محكمة الأحداث؛ والتي خلصت أن الإمكانية - وليست التزاما (طعن بالنقض، 2 يونيو/حزيران 1977، المجلة القضائية، 1977، الجزء أ، ص1012) - المنصوص عليها في المادة 877 من القانون القضائي، بإضافة الوثائق محل النزاع لملف القضية الحالية ليس له أي فائدة عملية مرجوة؛
فضلا عن هذا، فيتعين على المستأنفين الإقرار بانهم قد قاموا بالتعليق على ملف قضائي وشوهوا سمعة قضاته دون حيازتهم لكل المعطيات الضرورية لهذا الأمر، وهو ما يبين جليا الغياب التام للجدية و يبرز فداحة تهجماتهم؛
وما يعزز من جسامة تصرفهم دعوتهم "لإثبات الوقائع المشار اليها في المقالات المطعون فيها بكل الوسائل القانونية بما في ذلك سماع الشهود، قبل اتخاذ القرار" وهي الدعوة التي لا يتعين رفضها فقط لمجيئها متأخرة، بل وهي تظهر أيضا - وهذا عامل حاسم ومحل اعتبار هنا - حجم غياب الجدية و كون المعلومات المنشورة في المقالات الصحفية المنتقدة قد حررت وصيغت عبرها تلك الاتهامات حتى قبل وجود أدلة كافية و صادقة؛
أنه في النزاع الحالي، فالدعوة التي عرضها المستأنفون للإثبات، لا يمكن أن تعزز موقفهم، بل إنها تبرز بوضوح الأساس الجيد لدعوى المستأنف ضدهم (القضاة)، كما أنه وفضلا عن ذلك فهي تفتقر للدقة المطلوبة؛
أنه لا يكفي - كما فعل ذلك المستأنفون - عرض إثبات أن كل ما سبقت كتابته فيما يتعلق "بالقضية" كان حقيقيا، ولكن يجب تقديم الدليل على ذلك بدقة، ونقطة بنقطة، وبكل وضوح - أي أن يكون ذلك "دقيقا وذا صلة" بتعبير المادة 915 من القانون القضائي - وهذا ما يمكن الطرف الآخر من تقديم الدليل العكسي ويسمح للقاضي بتقدير ملائمة وفائدة الوقائع المزعومة، وهذا هو الالتزام الذي لم يحترمه المستأنفون؛
فضلا عن ذلك، فالمحكمة لديها كل المعطيات الضرورية التي تنيرها لتقرر مدى وجود التشهير وتشويه السمعة؛
(...)
حيث أنه وفيما يتعلق بموضوع القضية، وللأسباب (...) ذات الصلة والتي لم يتم دحضها، فالمحكمة تشاطر رأي قضاة الدرجة الأولى لما صرحوا بكون الطلب الأصلي المقدم إليهم مؤسس قانونا وحملوا المستأنفين أعبائه؛ كونهم وبدون شك قد ارتكبوا خطأ جسيما بمساسهم الخطير بشرف وسمعة المدعين الأصليين، عبر الاتهامات غير المبررة و التلميحات الهجومية؛
حيث أن حرية التعبير وحرية الصحافة المكتوبة، المضمونة بموجب المواد 14 و18 من الدستور والمادة 10 فقرة 1 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان، ليست مطلقة، فبعض القيود لا يمكن تخطيها كما توجد أيضا - كما سبق ذكره - إمكانية رفع دعوى على أساس المواد 1382 و 138 من القانون المدني، وهي دعوى التعويض عن جرائم الصحافة؛
وفيما يخص جنح الصحافة، فالمواد 443 من قانون العقوبات وما يليها تشير إلى الأفعال التي من شأنها أن تحمل مساسا بشرف الأشخاص أو تعريضهم للازدراء العام؛ فيعاقب على التشهير والقذف الموجه للهيئات بنفس العقوبات والأشكال المقررة للأشخاص العاديين، فأفعال القذف و التشهير التي اشتكى منها المدعون الأصليون في هذه القضية تعتبر دون شك "أفعالا" غير شرعية، بموجب أحكام المادة 1382 من القانون المدني، "والتي سببت ضررا للغير"؛
ويبقى دون أساس قانوني دفع المستأنفين بأنه "في المنظومة القانونية البلجيكية، وحدها المادة 443 فقط من قانون العقوبات هي التي تسمح للمحكمة بتقييد حرية الرأي لحماية شرف وسمعة الغير، وليس المادة 764 فقرة 4 من القانون القضائي ولا المادة 1382 من القانون المدني"، ووفقا لهذا الدفع، فالصحافة، فقط، مستثناة من تطبيق القاعدة العامة الواردة في المواد 1382 و 1383 من القانون المدني التي تفرض على "أي كان" التزاما بالتصرف بطريقة مشروعة وتحميله مسؤولية الأضرار التي قد يسببها للغيـر بــ "فعله" أو "إهماله" أو "عدم حذره"؛
حيث أنه وبموجب المادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية، فحرية الصحافة خصوصا يمكن إخضاعها لقيود يحددها القانون، على أن تكون ضرورية، كما في هذا النزاع، لحماية سمعة و حقــوق الغير أو لضمان سلطان و حياد السلطة القضائية؛
حيث أنه و بتطبيق المادة 8 فقرة 1 من الاتفاقية، فضمان احترام الحياة الخاصة يتطلب أن يكون المقال الصحفي مطابقا للحقيقة، وألا يستعمل بشكل مؤذ، وأن يحترم الحياة الخاصة للأفراد، وهي المعايير التي تضمنها "إعلان حقوق وواجبات الصحفيين" الذي وضعه الاتحاد الدولي للصحفيين والمعتمد من طرف صحفيي الجرائد اليومية للعديد من دول المجموعة الأوروبية، في ميونيخ، بتواريخ 24 و25 نوفمبر/تشرين الثاني 1971، والذي مثلت فيه بلجيكا من طرف الاتحاد المهني للصحافة البلجيكية؛
حيث أن المستأنفين لا يمكنهم الدفع بأحكام المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمدته منظمة الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الانسان، لكون الامر لا يتعلق بمسألة حرية تعبير غير مقيدة؛
حيث أنه ومن جهة أخرى، فالمستأنفون لم يقدموا تفسيرا واضحا: لماذا يصبح المفهوم العام للخطأ المطبق والمنصوص عليه صراحة بأحكام المادة 1382 وما يليها من القانون المدني، مناقضا لأحكام المواد 8 فقرة 1 و المادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية - والتي لها أولوية التطبيق هنا - فيما يتعلق بالقيود على الحرية التي ينص عليها القانون و تلك التي تحمي الحياة الخاصة، والمشار اليها هنا، ولا لماذا وحدهم الصحفيون هم من يجب استثنائهم من تطبيقها؛
حيث ان محكمة الاستئناف تتفق تماما مع ما جاء في تسبيب حكم الدرجة الأولى، وتؤيده مطلقا، في هذه النقطة؛
(...)
حيث أنه ولئن كانت المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان قد اعتبرت في قضية برينو كرايسكي، أن الصحفي النمساوي لينغينس المعني بهذه القضية قد هاجم السيد كرايسكي بوصفه رجلا سياسيا، وبالنتيجة، فهو لم يخرق حقه في حياته الخاصة، فانه في هذه القضية، وعلى العكس من ذلك، فهذا الحق قد تم انتهاكه، وبطريقة جسيمة، من قبل المستأنفين؛
فالواقع ان العبارات والاتهامات والتلميحات المستخدمة في المقالات المنتقدة جاءت مسيئة ومهينة لسمعتهم، لأنها اتهمت المدعين، مشارا اليهم بأسمائهم، كقضاة سامين، بأنهم منحازين، و لمحوا لعلاقاتهم باليمين المتطرف ولدائرة أصدقاء والد الأطفال - والذي بحسب رأيهم هو أيضا يميني متطرف -، وكون القرارات التي أصدرها المدعون الاصليون بخصوص حضانة الأطفال لم تكن مفاجئة، كل ذلك في ظل عدم وجود أي مؤشر جدي وموضوعي حول الاتهامات الموجهة لهؤلاء القضاة بأنها تستند على شيء من الحقيقة؛
(...)
حيث أن المستأنفين كان غرضهم من ذلك إعطاء قرائهم انطباعا بأن القضاة المعنيين كانوا متواطئين مع أحد أطراف القضية وبأن قراراتهم جاءت متأثرة ببعض المفاهيم الأيديولوجية؛
فضلا عن ذلك، فقد وظف هؤلاء الصحفيون، ودون مبرر، نشاطات والد المدعي الثاني خلال الحرب، وأعادوا ذكرها لقرائهم، وهو النشاط الذي لا يمت له بصلة، وهذا يتعلق - رغم الرأي المخالف للمستأنفين - بحرمة الحياة الخاصة لهؤلاء؛
حيث أنه وحتى لو كان المستأنفون يعتقدون بأن تلك الأحكام قد تأثرت ببعض المفاهيم الإيديولوجية - مفاهيم بقيت دونما إثبات - فذلك لا يسمح لهم على أي حال بالاستنتاج من وجهات النظر تلك - حتى ولو ثبتت - أن القضاة كانوا منحازين وانتقادهم بذلك علنا؛
حيث أن كل هذه الشكوك والأقوال الموجهة ضد المدعين الأصليين، القضاة، لا تستند على أي أساس من الحقيقة وأن المستأنفين قد كذبوا في مقالهم المؤرخ في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1986 (ص 19) بتأكيدهم أن القضية التي فصل فيها هؤلاء القضاة قد سحبت منهم من طرف المحكمة العليا، حال تواجدها في مرحلة إعداد التقارير الإضافية (ص.6) "وبأن النائب العام لدى محكمة النقض قد رفض طلب منح القضية لجهة قضائية أخرى" (المادة 651 من القانون القضائي)؛
حيث أنه بتاريخ 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1986 جاء في الصحيفة أن: "يوم الخميس من الأسبوع الماضي قد شهد منعطفا قانونيا في قضية ويم وجان. فبطلب من النائب العام (...) محكمة النقض سحبت ملف X من محكمة في أنفير. القضية تم تحويلها على محكمة غاند الابتدائية على أمل أن يسلك قضاتها نهجا أقل تحيزا (...)".
حيث أنه بتاريخ 27 نوفمبر/تشرين الثاني كتبت الصحيفة مجددا حول هذه النقطة "بأن تنبؤاتنا قبل أسبوعين، بخصوص تغيرات في مسار قضية ويم و جان، كانت خائبة. فرغم كل الدلائل، قررت محكمة النقض بانه لا وجود لأي تحيز لدى قضاة مجلس أنفير بخصوص ملف زنا المحارم، وبأن القضية ستستكمل دراستها لدى نفس المجلس (...)"
وحيث أن مثل هذه الإعلانات سببت للمدعين الأصليين أضرارا غير قابلة للإصلاح، كون إتهام قاض في نزاهته هو أسوأ ما يمكن أن يتعرض له؛
حيث أن هذه التشويهات الاستثنائية والانتقادات اللا مسؤولة من طرف المستأنفين تفسر بلا شك - ودون أي عذر في ذلك - التنازعات السياسية - التي لا تخدم العدالة - وهذا باعتراف المستأنفين أنفسهم في العدد رقم 12 من مجلة هيمو بتاريخ 12 فبراير/شباط 1987: "(...) اذا ما كانت هناك حاجة لحد الان إلى دليل في قضية الموثق X فالأكيد أن هناك مؤامرات تحاك خلف الكواليس وعلاقات سياسية تلعب دورا بارزا، وهذه التسريبات الصحفية (المبكرة جدا؟) هي واحدة من أكثر الأدلة إقناعا على ذلك"؛
حيث أنه وبهذا الأسلوب غير المقبول الذي هوجم به المدعون في المقالات المنتقدة، يكونون قد تعرضوا لمساس خطير بسمعتهم وشرفهم، عبر مواضيع مهينة تعتبر دون شك متجاوزة لما يسميه المستأنفون "حقهم في النقـد"؛
حيث أنه وفي الواقع، فهذا النمط العدواني والافتراءات الهجومية للمستأنفين هي مبررة لورودها في مجلة صغيرة كمجلة هيمو وهي التي كيفت ذلك بــ "النقد الخالص والمعادي البرجوازية"؛
ومع ذلك، وبرغم الطابع التشهيري الذي يميز هذه المساهمات المنشورة في المجلة مع موقفها الواضح ضد المجتمع البرجوازي، فلا يمكن استخدام نفس المعايير كتلك التي تستخدم في المقالات التشهيرية في الصحف "العادية"، فحتى في مجلة توصف بالناقدة يتعين احترام معايير محددة. فحال توجيه النقد، لا يجب تجاوز بعض الحدود، ولا يمكن بكل تأكيد نشر معلومات كاذبة أو اتهامات غير ثابتة، بغرض المساس بأشخاص معينين أو اهانتهم، وهو ما يعتبر حتما تعسفا في حرية الصحافة؛
ولما كان من حقهم أن يكون "معادين للبرجوازية" (؟)، فإن ذلك لا يخولهم أن ينشروا للجمهور - مهما كان محدودا - افتراءات محضة كما كتبوا: "أن النائب العام "ي. د" قد تمت تنحيته من هذه القضية لتجاوزه لسلطته" (هيمو بتاريخ 17 يوليو/تموز 1986، ص ص 6 و7)؛
حيث أنه وعلى الرغم من تراجعهم لاحقا عما كتب بكون هذا القاضي السامي قد تمت "تنحيته" كان مجرد "تأويل شخصي" لكون "هذا القاضي، ومنذ مدة كبيرة، لم يجلس للقضاء"، مثل هذا "التأويل" من شأنه أن يدفع بهؤلاء "الصحافيين" - لا سيما حال تأويلهم الشخصي- لأن يمارسوا مهنتهم في المستقبل بطريقة أقل احترافية؛
حيث أنه وفي العدد 14 من مجلة هيمو بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول 1988 (ص.15) - أي خلال الإجراءات الحالية وكانوا قد أعلنوا مضيهم نحو استئناف الحكم - قام المستأنفون بإساءة موقفهم مجددا باتهامهم للمدعين الأصليين بالتحيز، فضلا عن انتقادهم للقضاة الذين أصدروا الحكم محل الإستئناف الحالي، مذكورين بأسمائهم، بعبارات مهينة؛
وقد ذُكر في المقال من بين جملة أمور أخرى: "(...) نائب الرئيس "ي. ف" والقضاة "ي. ج" و "ي. هــ" عالجوا الملف بنوع من اللامبالاة (هكذا) (...) ونحن نتساءل عما إذا كان هؤلاء السادة القضاة قد قرأوا جيدا ما كتبته هيمو (...) فلم تقم المجلة في أي وقت مضى بالتعرض للحياة الخصة للقضاة (هكذا) (...) ويبدو جليا، أن قضاة بروكسل "ي. ف"، "ي. ج" و "ي. هـ" لا يمكن أن يحاكموا زملائهم-القضاة بمجلس أنفير بالاستقلالية و التجرد اللازمين. وهكذا التحقوا بخط القضاء المتحيز..."؛
كل هذا يمكن تفسيره بانها محاولة غير لائقة للتأثير (على قضاة هذا القرار) وتقع تحت طائلة المسؤولية، وهو ما تنبأ به المستأنفون عبر وكيل دفاعهم في مذكرته (ص 27)، بأنه لا توجد أي صحيفة مستعدة لنشر الحكم المرتقب صدوره، وهو الأمر الذي لم تطلبه؛
وفيما يتعلق بالتعامل مع القضية بـ"اللامبالاة" فالمستأنفين لم يستوعبوا - بشكل صحيح -، بأن المحكمة تفضل - كما في هذا النزاع - تقارير الخبراء الذين عينتهم المحكمة نفسها، والذين ليس لهم أدنى علاقة مع المتقاضين، ويتمتعون بالموضوعية التي لا يشكك فيها أي من الأطراف، وليس بالاعتماد على خبراء أي من الأطراف، كما فعل المسـتأنفون بخصوص الخبراء الشخصيين الذين عينتهم إحدى المتقايضات، فأبحاث هؤلاء وتقديراتهم ومعاينتهم وخلاصاتهم كانت العامل الرئيسي، أو الوحيد، الذي أسس عليه المستأنفون تهجماتهم؛
وما يمكن ملاحظته، للأسف، خصوصا في الملفات القضائية - وحتى من طرف المتخصصين الممتازين والأساتذة الدكاترة في الجامعات - ففي النزاع الواحد لا يوجد أقل من ثلاثة آراء - فلا يوجد اتفاق بين الخبراء - خاصة في مواد الطب النفسي والعقلي - فيقدمون آراء متناقضة ومؤكدين صحتها بنسبة مائة بالمائة، وهو ما من شأنه أن يشجع - خاصة الصحفيين - على إتهام القضاة في نزاهتهم، فالقضاة هم من سيفصل نهائيا في مسألة حساسة تتعلق بحضانة الأطفال، عادة ما تكون مختلطة بمشاعر جياشة، وفي الأخير يتعين عليهم بالضرورة تفضيل إحدى الأطروحات المختلفة المثارة من أطراف الدعوى؛
حيث أنه والحال كذلك، فالمستأنفين قد قاموا باتهام هؤلاء القضاة في نزاهتهم وفي شخصياتهم ذاتها، دون أدنى دليل على ذلك، وفي ذلك تدخل في حياتهم الخاصة، وهو ما يعد حتما غير مشروع؛
وفضلا عن ذلك، فهدف هذا النقاش في نهاية المطاف ليس تحديد الحقيقة الموضوعية، في القضية التي فصل فيها المدعون الأصليون نهائيا، آنذاك، ولكن فقط تحديد ما إذا كانت التعليقات المنتقدة تشكل قذفا، دونما أدنى شك؛
حيث أن القضاة - وهو ما يرفض المستأنفون الإقرار به -، لا يمكن تشبيههم دون تحفظ بالسياسيين، فهؤلاء يمكنهم دائما الدفاع عن أنفسهم فورا وبشكل كاف، كتابة أو شفاهه، ضد كل التهجمات الشخصية أو الاهانات الموجهة إليهم فهم أقل عرضة لذلك من القاضي الذي ليست له إمكانية التصرف نفسها؛
وحيث أن النظام الوظيفي للقاضي مختلف جذريا عن غيره من الأشخاص الذين يمارسون الوظائف العامة، أو السياسية، فهو لا يستند مطلقا على أي امتيازات أو تقاليد، ولكن على متطلبات قطاع العدالة، الذي له مهام ومسؤوليات خاصة (انظر، ديمون، النائب العام السابق لدى محكمة النقض، في خطابه خلال الجلسة الافتتاحية لمحكمة النقض في سبتمبر/أيلول 1981، "السلطة القضائية: المجهول والمتنكر له"، ص 64)؛
حيث أن واجب التحفظ الذي يلتزم به القضاة بحكم مناصبهم، يجعلهم لا يتمكنون من الدفاع عن أنفسهم بنفس الطريقة التي يتبعها السياسيون مثلا، في حال التهجم عليهم من طرف بعض الصحف، المتعطشة للربح، عبر التهجم والاصطياد في الوحل؛
حيث أن التوجه الغالب للاجتهاد القضائي والفقه الذي استشهد به المسـتأنفون ليس له علاقة بقضية الحال، لكونه يتعلق بقضايا سياسية محضة، مما يجعله غير قابل للتطبيق هنا؛
حيث أنه وعلى عكس رجال السياسة، فالقاضي لا يمكنه التصريح علنا حول قضية معروضة عليه لتبرير توجهه فيها، وفي ظل غياب إمكانية ممارسة حق الرد لا يمكن للمستأنفين تأنيبهم على ذلك (قانشوف فان دير ميريسك، النائب العام الأول لدى محكمة النقض، "اعتبارات حول فن النطق بالقانون"، لاسيما ص 20)، طبقا لواجب التحفظ والرصانة الذي قد أشارت اليه المحكمة العليا مؤخرا (أنظر: نقض، 14 مايو/أيار 1987، مجلة المحاكم، 1988، ص 58)".
3. أمام محكمة النقـض
15. أقام السيدين دي هايس و جيجسل طعنا بالنقض أمام محكمة النقض، وهذا بتاريخ 13 سبتمبر/أيلو 1991 (Pasicrisie 1992، الجزء1، ص 41).
16. زعم المدعيان في الوجه الأول المثار للنقض، وجود انتهاك للحق في محكمة مستقلة ومحايدة، مستندين على المادة 6 فقرة 1 من الاتفاقية على وجه الخصوص. وبحسبهم، فالعديد من المقاطع الموجودة في قرار محكمة الاستئناف، تثير شكا مشروعا حول حياد مصدري هذا الحكم. فعلى سبيل المثال فعبارة "مجلة صغيرة كــ هيمو"، وإشارة "هكذا" الواردة في النص المقتبس من مقال 14 أكتوبر/تشرين الأول 1988 (الفقرة 24 أدناه) فيما يخص حكم 29 سبتمبر/أيلول 1988 (الفقرة 11 أعلاه)، وكذلك بعض علامات الترقيم، كعلامة الاستفهام بعد عبارة "المعادي للبرجوازية"، واعتبار أن المقال الصادر في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1988 يعــد "محاولة فاشلة للتأثيـر على قضاة الاستئناف، وهو ما يقع تحت طائلة المسؤولية". ودفع المعنيون أيضا بالتنكر بحقهم في الدفاع، لكون قضاة محكمة الإستئناف، حسبهم، قد رجعوا لمقال 14 أكتوبر/تشرين الأول 1988، من تلقاء أنفسهم، وهو ما حال دون تمكين المعنيين من ممارسة حق الدفاع حول هذه النقطة.
رفضت محكمة النقض هذا الوجه، معتبرة أنه "لا يمكن الاستدلال على ذلك من مجرد قيام القضاة في قرارهم بتفضيل أطروحة أحد الأطراف ورفض تبني أطروحة الطرف الآخر، فلا يمكن أن يستخلص من ذلك خرق الأحكام القانونية والمبادئ العامة المثارة في هذا الوجه من هذا القسم". وبخصوص المقال الذي ظهر بتاريخ 14 أكتوبر/ـشرين الأول 1988 بمجلة هيمو، فقضاة الإستئناف لم يرجعوا إليه من تلقاء أنفسهم، كون المدعى عليهم في الطعن بالنقض قد أشاروا إليه في مذكراتهم خلال الاستئناف.
17. في الوجه الثاني للنقض، أثار الطاعنان انتهاك المادتين 8 و10 من الاتفاقية. فالطاعنين قد تم تحميلهما المسؤولية على أساس المفهوم العام للخطأ المنصوص عليه في المادتين 1382 و1383 من القانون المدني، وبذلك فمحكمة الاستئناف قد أخضعت حريتهم في التعبير لشكليات، وشروط ، وقيود وجزاءات ليس منصوصا عليها في "القانون" بمفهوم المادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية (المقطع الأول). والأكثر من ذلك، فقد اعتبرت المحكمة أن المقالات الصحفية يجب أن تعسى لاحترام الحقيقة، ولا يمكنها أن تهاجم الغير دون مسوغات وأن تحترم الحياة الخاصة للأفراد، وبهذا تكون محكمة الاستئناف قد وضعت قيودا تتجاوز ما هو ضروري في مجتمع ديمقراطي؛ فالنقاش العام حول سير القضاء له في الواقع، أهمية أكبر، للمصلحة العليا، من مجرد تحصين القضاة من النقد (المقطع الثاني). وأخيرا، فوضع الملف والأدلة الموجودة فيه لا يسمح لقضاة الإستئناف باستنتاج أن المقالات المنتقدة قد تنكرت للقيود المذكرة آنفا (المقطع الثالث).
رفضت محكمة النقض هذا الوجه، بمقاطعه الثلاثة، معتبرة أنه:
"حول المقطع الأول:
حيث أنه ولتقرير مدى كون المدعيان يتحملان مسؤولية مقالاتهما الصحفية، فالقرار لم يتأسس فقط على الاعتبارات التي استشهد بها الطاعنين، بأن المدعين قد ارتكبا عملا غير مشروع وبأنهما "لم يفسرا لماذا يُعّـد تطبيق المفهوم العام للخطأ المنصوص عليها بأحكام المادتين 1382 وما يليها من القانون المدني متناقضا مع المواد 8 فقرة 1 و10 فقرة 2 من الاتفاقية"، بل وعلى اعتبارات أخرى، غير منازع فيها، أثارها المدعى عليهم، وهم محقين في ذلك، بكون المدعيين مذنبين بالقذف والتشهير على النحو الوارد في أحكام المواد 443 وما يليها من قانون العقوبات؛
حيث أن القرار جاء مسببا بما يكفي فيما يخص هذه النقطة، وبأن المدعين قد ارتكبوا خطأ بمفهوم المادة 1382 من القانون المدني؛
حيث أن هذا المقطع من الوجه الثاني لا يمكن أن يؤدي إلى نقض الحكم، فهو تبعا لما سبق غير مقبول، عكس ما يزعمه الطاعنين؛
حول المقطع الثاني:
حيث أنه بموجب المادة 10 من الاتفاقية، فممارسة حرية التعبير يمكن أن تخضع لقيود أو جزاءات تعتبر ضرورية في مجتمع ديمقراطي لا سيما لحماية سمعة وحقوق الغير أو لضمان سلطة و حياد القضاء؛
حيث أنه ولما يطلب من القاضي تقرير جزاءات حول التعسف في ممارسة حرية التعبير ضد أعضاء السلطة القضائية، فإنه يسعى لإيجاد توازن عادل بين متطلبات حرية التعبير والقيود المطبقة بموجب المادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية.
حيث أنه وفي النزاع الحالي، فقضاة الاستئناف قد أسسوا قراراهم بكون المدعين قد تعسفوا في ممارسة حرية التعبير المضمونة بموجب المادة 10 فقرة 1 من اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، ليس فقط على متطلبات حماية الحياة الخاصة للقضاة، ولكن أيضا على أسباب غير منازع فيها تتعلق بكون الاتهامات الموجهة لأولئك القضاة لم تكن ثابتة، وبأن الانتقادات كانت موجهة للقضاة مذكورين بأسمائهم، كما أنه قد تم إقحام مسائل أجنبية لا تمت بصلة للقرارات الصادرة، وبأن تلك الاتهامات كانت بنية الإضرار بأشخاص القضاة و سمعتهم؛
وقد قرر قضاة الإستئناف، كما جاء في قرارهم، أنه "وتطبيقا لحكم المادة 8 فقرة 1 من اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، فضمان احترام الحياة الخاصة يتطلب أن يكون المقال الصحفي مطابقا للحقيقة، وأن لا يكون مسوغا لتشويه سمعة الغير، وأن يحترم الحياة الخاصة للفرد"، فقرر قضاة الإستئناف أنه لابد من إيجاد توزان بين مصالح حرية الصحافة والمصالح الخاصة، ولكنهم لم يقضوا بأن المصلحة العامة الناتجة عن مناقشة عامة حول سير السلطة القضائية، هي أقل أهمية من المصالح الخاصة؛ كما أنهم لم يضيفوا أي قيود لتلك المنصوص عليها حصرا بالمادة 10 فقرة 2.
وعليه فهذا المقطع من الوجه الثاني غير مقبول؛
حول المقطع الثالث:
حيث أنه وعلى ضوء الاعتبارات السابقة، فالمقطع الثالث يكون منعدم الأساس الواقعي؛"
18. في الوجه الثالث، أثار الطاعنون رفض المحكمة الاستئنافية لبروكسل الأخذ بعين الاعتبار لمجموع الأدلة الموجودة بملف محكمة الاستئناف في أنفير، والسماح لهم وبكل الوسائل بإثبات حقيقة مزاعمهم، وهو ما يشكل خرقا لأحكام المادتين 6 و 1 من الاتفاقية.
أجابت محكمة النقض كما يلي:
"حيث أن قضاة الاستئناف قرروا عدم الاستجابة لطلب المدعين بمنحهم إمكانية اثبات حقيقة مزاعمهم، ورفضوا على وجه الخصوص، الأمر بإحضار الملفات والأدلة التي نتجت عنها القرارات محل النقد في الصحافة؛
حيث أن القضاة لم يؤسسوا قرارهم هذا على الأسباب التي جاءت في هذا الوجه فقط، ولكن أيضا على اعتبارات مستقلة وغير منازع فيها، تتعلق بإقرار المدعين بأنهم شوهوا سمعة القضاة دون أن يكون بحوزتهم أدلة ومعطيات كافية، وهو ما يشكل بحد ذاته خطأ، فضلا عن أن العرض بإثبات هذه المزاعم جاء متأخرا وغير فعال، فمحكمة الاستئناف كانت لديها كل المعطيات الضرورية لتقرر على بصيرة وجود قذف وتشهير في حق القضاة؛
ولما كان هذا الوجه لا يؤدي للنقض، فإنه يتعين عدم قبوله."
ب. المقالات محل النـزاع
19. الأحكام الصادرة ضد السيدين دي هايس وجيجسل، تتعلق بخمسة مقالات صحفية نشرت في مجلة هيمو (الفقرة 7 أعلاه). الأول نشر في 26 يونيو/حزيران 1986، وأبرز ما جاء فيه:
"(...)
اليوم الخميس، 26 يونيو/حزيران، فصلت محكمة أنفير في قضية موثق عقود من أنفير الذي قام بممارسات جنسية ضد ولديه الصغيرين. الموثق ينحدر من عائلة فلمنكية معروفة بعلاقاتها المالية النافذة والمتميزة في البلاد. كل المؤشرات تظهر أن الكفة مالت لصالح سمعة الأب والجد على حساب الصحة العقلية والبدنية للأطفال. وحتى الآن، رفضت المحكمة دون أن يتحرك لها جفن، كل الشهادات الطبية وتقارير الخبرة العقلية التي جاءت في غير صالح الموثق.
كيف يمكن أن يحدث هذا؟ لويس دي لونتنديكر سبق وأن كتب حول هذا الموضوع في دي ستوندارد، ولو بعبارات محتشمة. ورغم ذلك اقتيد الصحفي فورا للمثول أمام الوكيل العام فيأنفير بحجة أن التقرير الذي أعده كان "خطيرا جدا" على والد الأطفال. كل ذلك رغم أن دي لونتنديكر لم يشر في تقريره لأي اسم. ومن جهتنا نحن كذلك، سوف نمتنع أيضا عن ذكر اسم الأب وأسماء الطفلين القاصرين (وتسهيلا على القارئ، سوف نطلق اسم ويــم على الطفل ذو الثلاث سنوات، وجان على ذلك الذي يبلغ 6 سنوات، وX على اللقب العائلي). وبالنسبة للبقية، فسنشير صراحة إلى أسمائهم. لأنها ليست المرة الأولى التي يصدر فيها قضاء أنفير أحكاما غريبة تنم عن عدم الاستقلالية.
إن هذا الملف غير منصوح به لذوي الأنفس الضعيفة. لقد عرضنا هذه الحقائق أمام طبيب نفسي لدى مركز للعلاج الطبي والنفسي والاجتماعي، أمام قاض، وأمام طبيب أطفال ومحاميين، وكل هؤلاء لا تربطهم علاقة بالقضية. كل منهم مستقل عن الآخر، وقد نصحونا بنشر القضية لمصلحة الأطفال.
(...)
منذ ميلاد جان، بدت الأمور على غير ما يرام داخل الأسرة. الزوج كانت له علاقات خارج إطار الزواج، وله منزل آخر. في أكتوبر/تشرين الأول 1983، تمت مباشرة إجراءات الطلاق. ومنحت حضانة الأطفال مؤقتا للأم، ومنح حق الزيارة للاب كل 15 يوما. في نهاية 1983، عاد الأطفال لمنزلهم بعد قضائهم لعطلة عيد الميلاد عند والدهم؛ وقد وجدتهم والدتهم في حالة إرهاق تام. طبيب الأطفال الدكتور "م. أ" وبعد فحص الطفل شخص حالة الإرهاق. وروى الطفل للطبيب قضية اغتصابه من طرف والده. ونصح الدكتور "م. أ" والدة الطفل باستشارة طبيب شرعي.
تكررت الوقائع في 8 يناير/كانون الثاني 1984.
زكما نصحها طبيب الأطفال، راجعت الوالدة الطبيب الشرعي، الذي طلب منها استشارة طبيب عام. ولما لم يجبها الدكتور "م. أ"، اتصلت الأم بـ "طبيب مناوب" هو السيد "م. ف". هذا الأخير عاين وجود "تهيج في فتحة الشرج" لدى الصبي الأكبر، وأحال الأم إلى طبيب أطفال في مالان هو الدكتور "م. غ". هذا الأخير لاحظ بدوره وجود الإصابات التالية عند الطفل الأكبر: "تشقق طفيف في فتحة الشرج، احمرار حول فتحة الشرج، وجود حيوانات منوية ملطخة". في المساء، وبناء على طلبه، أعاد طبيب الأطفال "م. أ" فحص الأطفال مجددا ونظرا لخطورة وضعهم، أحالهم على الدكتور "م. هـ"، لدى مركز الصحة العقلية.
بناء على هذه التقارير الطبية، خصوصا، أمر قاضي الأمور المستعجلة "ي. أ" بتاريخ 29 يناير/كانون الثاني 1984، لدى المحكمة الابتدائية في أنفير، بتعليق حق الزيارة التي كانت مقررة للأب.
مع ذلك، وبتاريخ 31 يناير/كانون الثاني، قررت الغرفة الثالثة لدى محكمة الاستئناف في أنفير تمكين الأب (الموثق) من حق الزيارة مجددا، دون أن يقضي الأطفال الليل مع والدهم وبأن حق الزيارة هذا يجب أن يمارس في حضور الجدين.
هنا يبدأ الكابوس، ليس بالنسبة للأطفال فقط، ولكن أيضا بالنسبة للأم.
(...)
بتاريخ 4 فبراير/شباط 1984، وللمرة الأولى منذ أربعة أسابيع، الموثق يعود مجددا لممارسة حقه في زيارة ولديه. عند العاشرة صباحا أخذ الأطفال إلى مالان على أن يعيدهم لوالدتهم على الساعة السادسة والنصف مساء. الأم صدمت لهول ما شاهدته: "الأطفال: مذهولين. ويم (ذو الثلاث سنوات) يتنهد ويسقط أرضا من البكاء. جان (6 سنوات) يجلس في حالة خمول على كرسي، بادية عليه آثار إصابات سريرية، ألم شديد في فمه الذي لا يستطيع إغلاقه، وتورمات في الشفة السفلى، وزغللة في عينيه، 4 أسنان في الفك العلوي بارزة في الوقت نفسه، تورم في الرقبة أسفل الأذن اليسرى، تهيج و احمرار في الخد الأيسر". محامي الأم، طلب منها إبلاغ الشرطة أيا كان الثمن، فقدمت الشكوى، ولكنها اعتبرت ان ذلك لم يعد له معنى. وفي شهادتها، كتبت، يائسة: "لم أكن أود فعل ذلك، رجال الدرك الوطني تعاطفوا مع العائلة، وقد سبق وان مررت بتجربة حين أخذ الدركيون قضية أطفالي باستهزاء".
(...)
احتجاجات الأم اليائسة لم تثمر شيئا. وفي 18 فبراير/شباط، 26 فبراير/شباط ومارس/آذار 1984، الأب يغتصب طفليه مجددا.
بتاريخ 6 مارس/آذار 1984، وبناء على تعليمات النائب العام لدى مالان، قام المفتش لوك ر. بسماع الطفل جان. ثم قام بإيداع تسجيلات المقابلة لدى أمانة ضبط محكمة الجنح في مالان. وقد تحصلنا على نسخة من هذه المقابلة. فبلغة طفولية، ولكنها متماسكة وغير متناقضة، وصف جان الأفعال الجنسية التي ارتكبها والده عليه وعلى أخيه الأصغر منه سنا. إن محتوى هذه المقابلة حساس جدا فلا يمكننا إعادة نشره هنا.
(...)
بالنسبة للأم، ليس له بديل آخر. حيث أن طلبها بتعيين خبير قد تم رفضه لمرتين على التوالي، فقامت بالاتصال تلقائيا بطبيب نفسي للأطفال، وهو "م. أ" البروفيسور بالجامعة الكاثوليكية في لوفان. وفي 6 و 11 أبريل/نيسان، فحص الأطفال، وعاين أنه وفي عطلة نهاية الأسبوع بتاريخ 8 و9 أبريل/نيسان، قام الأب مجددا بالإساءة لأطفاله واغتصابهم. ووفقا للنتائج التي توصل إليها البروفيسور "م. أ"، فرواية الأطفال جاءت مطابقة للخطوط العريضة التي جاءت في شكوى والدتهم. والأكثر من ذلك، فقد روى الأطفال بعض التفاصيل التي لم تشر إليها والدتهم نفسها، والتي لا يمكن أن يكون أطفال في سنهم قد ابتكروها. وجاءت خلاصات البروفيسور "م. أ" كما يلي: "نحن مقتنعون بأن زيارات الأطفال لوالدهم من شأنها التأثير بشكل سلبي على نموهم في المستقبل. ويبدو جليا بأن هذه الزيارات كان الأثر الفوري في الاستياء والتشتت الذي كان يبدو على الأطفال، فبعد أن أمضوا يومين لدى والدهم، أصبحوا قلقين وعدوانيين. إذا ما استمرت هذه الزيارات، فيخشى أن يؤدي ذلك إلى تغيرات سيئة لكلا الطفلين، ستكون من طبيعة نفسانية - عقلية بالنسبة للطفل الأكبر، وبالنسبة للطفل الأصغر سنا، فستكون نحو تراجع ارتدادي مع تقطع في نموه. ولذلك، يتعين إخضاع هؤلاء الأطفال لفحوص نفسية معمقة، ويجب سماع كل الأطراف (بما في ذلك الأب)، وفي انتظار هذا الفحص، يجب أن يمنع الأب مؤقتا من حق زيارة الأطفال".
بتاريخ 28 مايو/أيار 1984، أرسل البروفيسور "م. أ" تقريرا مفصلا حول القضية إلى النائب العام "ي. ج" والمحامي العام "ي. د". ويتناول التقرير بطريقة مثيرة للإعجاب، تسجيلا لنتائج العديد من الفحوصات النفسية للأطفال بناء على المقابلات التي أجريت معهم (بحضور الأم وبدونها). وقد تم فحص الأطفال كذلك مباشرة عقب زيارتهم لوالدهم، وفي الأوقات الأكثر هدوءا خلال الأسبوع. وخلص البروفيسور "م. أ" إلى أن: "الطفلين أكدا، كل منهما على انفراد، مختلف أشكال التعديات الجنسية التي تعرضا لها. هل يمكن أن تكون الأم هي من غرست في أذهانهم هذه القصة؟ يجيب البروفيسور "م. أ": "سرد الأحداث من طرف جان يتقاطع دائما مع ما روته والدته. وقد عاينا الكثير من المؤشرات الدالة على أن جان قد مر بخبرات حقيقية. فالواقع، أن طفلا في السادسة من عمره، ليست لديه بعد القدرات الذهنية ليقوم، في إطار مقابلة موجهة، بنقل ما تم تلقينه إياه بأمانة، أو فرض عليه. بل والأكثر من ذلك، فقد أجاب جان على أسئلة جد دقيقة وكانت أجوبته كذلك جد دقيقة وواقعية، ولم يكن ذلك مما أشارت إليه والدته مطلقا. وهكذا، ولما سئل عما "إذا كان يعض القضيب عندما يكون في فمه" فأجاب الطفل بشكل واقعي ملموس بأنه "لا يستطيع لأن والده كان يضع أصابعه بين أسنانه". ونحن نعتقد أن طفلا في السادسة من عمره ليست له القدرة على اختراع جواب دقيق كهذا، كما أننا لا نعتقد أن أجوبة دقيقة كهذه كانت معدة مسبقا من طرف والدته.
بتاريخ 22 يونيو/حزيران، البروفيسور "م. أ" أرسل تقريرا تكميليا إلى النائب العام "ي. ج" والمحامي العام "ي. د". وأكد الطبيب النفسي المختص بالأطفال، سابق خلاصاته، معززا إياها بحجج أكثر إقناعا، ودعا مجددا، وبإلحاح كبير، إلى تحقيق قضائي وخبرة نفسية تكميلية. لكن لم يتغير في الأمر شيء. يحدث ما لا يتصوره إنسان: بعدها بثلاثة أيام، الغرفة الثالثة لمحكمة الاستئناف في أنفير تمنح الموثق العدلي X حق الحضانة على الأطفال.
وقد اعتبر هذا القرار على وجه الخصوص أن: "رأي الخبراء غير ملزم، بل وليس مرغوبا فيه في الإجراء لأن الخبير سيكون حتما في مواجهة مسألة الخطأ، مما يتعين معه ترك السلطة التقديرية للقاضي". إن المسؤولين عن هذا الحكم الغريب جدا هم "ي. أ" (الرئيس)، "ي. س" و"ي. ب" (مستشارين) و"ي. د" (المحامي العام).
(...)
في شهر يوليو/تموز، وبعد أن عهد إليه بحضانة الأولاد؛ قام الموثق العدلي باغتصابهم مجددا. وعبر مقابلة مسجلة في شريط ممغنط، أكد جان أمام البروفيسور "م. أ" بأن أباه قد فعل معه "نفس الشيء" وبأن والده "حاصره" وضربه على بطنه، وفعل ما لا يستطيع قوله لأي شخص. وعن عدد المرات التي اغتصب فيها جان من طرف والده، قال جان أنه لا يعرف، لكن "ذلك كان في أكثر من مرة وبأنه لا يمكنه إحصائها".
البروفيسور "م. أ" يراسل للمرة الألف النائب العام "ي. ج"، وأكد له بكل صراحة ودون دوران أن الأمر "جد مستعجل ويتطلب تدخلا فوريا طبقا للمادة 36 فقرة 2 من قانون حماية القصر (...) فليس من المعقول ولا من المقبول بقاء الطفلين في هذا الوضع الخطير بفعل قرار المحكمة".
كل هذه المعاينات للبروفيسور "م. أ" تأكدت لاحقا "بتقرير خبرة" أعده الدكتور "م. ب"، طبيب نفسي مختص بالأطفال، الذي عينه قاضي التحقيق "ي. أ" لدى محكمة الدرجة الأولى في مالان. وهذه بعض المقتطفات من تقرير الدكتور "م. ب": "1) بعد القليل من الإحراج، عاد جان ليسرد تجربته التي عايشها مع أبيه. فروى ما حدث له من وقائع في يوليو/تموز 1984. فقال أن والده كان يجلس فوقه، وكان يولج عضوه الجنسي في فتحته الشرجية، وأحيانا في فمه. وكيف كان والده يهدده: بأن سيعرضه لمكروه إن هو ذكر لجده أو جدته أي شيء مما حدث أو أنه ذكر لهما كيف يركله؛ 2) جان روى بكل سهولة هذه التجارب، وتصريحاته كانت خالية من التناقضات. وقد كان مصدوما ومحرجا عند سرده لبعض الوقائع. فقد احمر وجهه، وشعر بالإحراج، واحتج بشدة أحيانا: كون والده قد مارس عليه السوء. ولم يبدو عليه أي انطباع بأنه يخترع أو يرغب بجعل الأمر مثيرا للاهتمام".
ويبرز لنا التحليل النفسي للحياة العاطفية لجان، أن الصبي قلق باستمرار ومصدوم. وكانت النتائج بالنسبة للطفل الأصغر مشابهة. وحسب الدكتور "م. ب": "فأوهام (ويم) تعطي انطباعا قويا بتعرضه لتعد جنسي من طرف والده، وبأن عقله اللاوعي يحاول استيعاب تلك الانطباعات المزعجة".
في شهر أكتوبر/تشرين الأول، الصغير ويم يستجوب من جديد من طرف مفتشين من الشرطة القضائية رفقة معلمته في المدرسة. المقابلة تمت في القسم الذي يزاول فيه ويم دراسته وفي المكان الذي يجلس فيه عادة، وهذا بحضور مديرة المدرسة. الطفل يؤكد مرارا وتكرارا ما حدث له. المقابلة تمت كتابتها كلمة بكلمة وتم إيداع الشريط، كدليل إثبات، لدى أمانة ضبط المحكمة الابتدائية بمالان.
(...)
كيف يمكن لأب أن يرتكب مثل هذه الأعمال الوحشية على أولاده؟ في تقرير للبروفيسور "م. أ" جاء فيه أن:" الصعوبات التي عاشها الزوجان أخذت طابعا جد خطير منذ ولادة الطفل جان. وقد قام X، للمرة الأولى، بإعلان تعاطفه جهارا مع هتلر:
- العائلة أصحبت تعيش بمبادئ هتلرية. المرأة لا اعتبار لها، وعلى الأكثر فهي ليست سوى وسيلة للإنجاب. ومن لا يصبح سوبرمان فليس له إلا أن يموت: ولأجل هذا الإنسان المثالي السامي "سوبرمان" فالكذب والخيانة يصبحن شرعيين. إنهم يأملون مجيء هتلر جديد. لكل نمط حياته الذي يهيمن عليه.
- ترعرع الأطفال على هذا المذهب الهتلري. وكانوا يؤدون التحية الهتلرية، لم يكونوا يلعبون، ولكن يتقاتلون ويحاربون. كان الطفلين يبجلان أباهما كما كان الشعب الألماني يبجل هتلر آنذاك: ولم تكن الأم بالنسبة إليهم سوى متسلل إلى العائلة X.
- تجدر الإشارة كذلك إلى أن السيد X قد أعلن في أكثر مناسبة أن لديه قوى خارقة للطبيعة، وبإمكانه سحق كل من يعارضه. فكان يقول: "نحن نعصر الشخص كما الليمون، ثم نتركه يسقط أرضا". إنه يشعر بأنه قوي جدا. وقد تحدث لأولاده في أكثر من مناسبة عن "قواه الخارقة للطبيعة"، التي بإمكانها أن تحول جان إلى خروف بني تائه في الحقول، وتحول الصغير ويم إلى بومة. وكان يتحدث مع أطفاله كثيرا عن الجماجم وعن الهياكل العظمية للموتى. الصغير ويم طلب من والدته ذات يوم "عدم وضعه داخل علبة تحت التراب".
- و يختم البروفيسور "م. أ" ملاحظاته عن الأب بالقول أن:
"تعاطفه مع هتلر ونظامه، وأوهامه المتعلقة بقواه الخارقة للطبيعة، تكشف لنا على الأقل، عن شخصية مرضية. ونعتبر أن فتح تحقيق قضائي وإجراء خبرة نفسية جد معمقة، أصبح يفرض نفسه في هذه المسالة".
(...)
إن العلاقات اليومية لأسرة X مع جهاز القضاء ليس كافيا ليفسر لنا شبه الحصانة التي يتمتع بها الموثق X. فدائرة العلاقات الواسعة للأسرة X التي نسجتها على مر السنين، تعتبر دليل إثبات، ولا سيما الاتصالات داخل جماعات اليمين المتطرف و/أو أحزاب القوميين الفلمنكيين. وعلى سبيل المثال، فالعديد من أعضاء الأسرة X ينشطون في ستراك نودفوندس، مارنيكسرينغ، لورد فان الأميري، فلامس كيلتيرال برودوكتيس (المقرب من دي كانت)، ناتيوناليش جونغ ستيودنتان فيربوند، وفلامس بلوك. ومن المعروف لدى الجميع أن عائلة X هي من ممولي حزب V.M.O. في سنة 1971، مدت يد المساعدة لإنشاء حزب جديد V.M.P.O. برت إريكسون. وأطلقت آنذاك حملة من خلال أعضاء نودفوندس ستراك لتقديم مساهمات مالية دعما "للعشرات من الشباب الفلمنكي الذي يواجه عقوبات وغرامات سخيفة".
وقد أكد شهود عيان أن قبـو فيلا العائلة X مزين بالعلم النازي ذو الصليب المعقوف، كما يوجد به ديكور مثالي لحفلات "بنية" صغيرة تحن لزمن النازية. وجدير بالذكر، الجهود الحثيثة التي تبذلها عائلة X دعما للفصل العنصري. وأحد أعضاء هذه العائلة هو من بين مؤسسي نادي بروتيا الجنوب إفريقي. لماذا تعتبر دائرة العلاقات هذه، مهمة في قضية زنا المحارم المتعلقة بالموثق العدلي؟
ينتمي معظم قضاة الغرفة الثالثة لمحكمة الاستئناف، الذين منحوا حق الحضانة للموثق العدلي، الى الحزب اليميني المتطرف. المستشار "ي. ب" هو ابن أحد كبار القادة في الدرك الوطني، والذي أدين في العام 1948، لدعمه وتعاونه الوثيق مع "فيلدجوندارموري" التي أعادت هيكلة جهاز الدرك البلجيكي على خطى المبادئ النازية. "ي. ب" ليس أقل إثارة للجدل بكونه قاضيا. فخلال التحقيق القضائي، حول المعسكر التدريبي لحزب V.M.O، في أردن، وبرغم جميع الأدلة، نجح هذا القاضي في الدفاع عن الأطروحة القائلة بان صور المعسكر التدريبي لا علاقة لها بحزب V.M.O ولكنها تتعلق بالنازيين الألمان الجدد.
وهناك أيضا "ي. أ"، رئيس محكمة الاستئناف في أنفر في قضية زنا المحارم. فخلال قضية V.M.O، التي كانت تحت رئاسته، قام بإخلاء سبيل المتهم بتشكيل ميليشيا خاصة، وهو الحكم الذي تم إبطاله لاحقا من طرف محكمة الاستئناف.
وبالنسبة للنائب العام "ي. ج"، الذي راسله البروفيسور "م. أ" بوابل من التقارير المنددة بالتعدي الجنسي على الطفلين، فهو من المؤيدين السياسيين للعائلة X. آنذاك، كان "ي. ج" من بين مؤسسي البروتيا، لكنه استقال بعد استجوابه في البرلمان. "ي.ج" لا يزال عضوا في مارنيكسرينغ و أورد فان الأميري في مالان، وتجمعه مع عائلة X علاقات جد خاصة.
ومنذ بداية التحقيق، لعب الدرك الوطني، أيضا، دورا مثيرا للشك. فالمعاملة السيئة و الممنهجة التي لقيها الأطفال ووالدتهم حيث تمت معاملتهم كحثالة، في حين أن الموثق العدلي المتهم بزنا المحارم تمت معاملته كرجل عظيم. فهل من قبيل الصدفة أن تكون لعائلة X العديد من العلاقات مع كبار الشخصيات (الحالية والسابقة) في الدرك الوطني: الجنرال السابق "ز. س" (بروتيا و أورد فان الأميري)، والجنرال "ز. د" (مارنيكسرينغ)، الجنرال "ز.أ " (مارنيكسرينغ و أورد فان الأميري)؟
(...)
الأطفال ليسوا على ما يرام. وحسب مصادر مطلعة، فهم لا يزالون في "حالة خطر". هناك حلين ممكنين فقط: أن يكون للنيابة العامة الشجاعة، على ضوء الأحداث الأخيرة، و المعاينات التي تم التوصل إليها، في تقديم الموثق العدلي إلى المحاكمة أمام محكمة الجنح، أو أن تتخذ محكمة الأحداث إجراء جديدا وتمنح حضانة الأطفال لوالدتهم مجددا. وهذا الحل الأخير ليس أقل أهمية كون أنه بتاريخ 26 يونيو/حزيران، استدعيت السيدة X للمثول أمام محكمة الاستئناف في أنفير لأنها، وفي مناسبتين اثنتين، قد خرقت حق الزيارة المقرر لها، بإبقائها للطفلين لديها.
وفي الوقت نفسه، تمت تبرئة الأم وأبويها امام محكمة الاستئناف في الدعوى التي رفعا ضدهم الموثق العدلي بشأن تهمة التشهير. وقد سبقت تبرئتهم كذلك أمام المحكمة الابتدائية. هذا يعني أحد الأمرين: أن شكوى الام كانت كاذبة وتشهيرية أو أنها ليست كذلك، وفي هذه الحالة فالموثق العدلي مذنب بزنا المحارم. لا وجود لاحتمال آخر".
20. المقال الثاني للسيدين دي هايس وجيجسل نشر في 17 تموز/يوليو 1986. وأبرز ما ورد فيه أنه:
"(...)
بتاريخ 24 حزيران/يونيو، الموافق ليوم الثلاثاء نشرت هيمو في عددها 2390 مقالا مثيرا للجدل "سفاح المحارم مباح في فلاندرز". جاء في هذا المقال، أن الموثق العدلي X المنحدر من العائلة الفلمنكية الشهيرة والمعروفة بعلاقاتها المتميزة مع كبرى الدوائر المالية في البلاد، كان قد اتهم باغتصاب ولديه ويم وجان وتعنيفهما في الكثير من المرات. هذه المزاعم مؤكدة عبر تقارير طبية كثيرة وفحوصات طبية ونفسية معمقة. ورغم كل هذه الأدلة، حضانة الأطفال تمنح لهذا الموثق.
عند نشرنا لهذا الملف، لفتنا الانتباه للدور المشبوه الذي لعبته مصالح الدرك الوطني وشبكة العلاقات مع اليمين المتطرف لعائلة X، و خالبها التي تمكنت من الوصول لقصر العدالة في أنفير. هذه الشبكة من العلاقات تدور أساسا حول التنظيمات القوية كالــ V.M.O، بروتيا، ستراك نودفوندس ومارنكسرينغ. في هذه الأوساط المشبوهة وحولها يوجد القضاة "ي. ج"، "ي. أ"، و "ي. ب" الذين منحوا الحضانة للموثق العدلي.
عشرات الرسائل التي وصلتنا، تظهر حجم الصدمة في المجتمع الفلاندرزي من هذه العدالة المشوهة. ونفس السؤال يتكرر أكثر من مرة: في أي دولة نحن نعيش؟ في غضون ذلك، تحصلنا على معلومات حول بعض الدوائر رفيعة المستوى، التي سمحت بالإفلات من العقاب بالتعاون مع أذنابهم في العدالة و الشرطة.
(...)
وعندما كانت المجلة قيد الطباعة، قام الموثق X المتهم بهذه الوقائع بالاتصال شخصيا بأحد كتاب المقال الصحفي مهددا إياه بالقول: "أنا لست مثليا. ولست شاذا جنسيا. وسيأتي الوقت الذي سوف تعتذر فيه مني!!!" ثم أغلق الموثق العدلي السماعة.
وخلال سير إجراءات الدعوى، شدد الموثق X من محاولات الترهيب بشكل مكثف. فقد اعتدى في وضح النهار على رئيس بلدية في أنفير، وعلى أحد أقارب أبنائه. وداخل قصر العدالة في أنفير، وبحضور بعض الناس، قام بإهانة محامي والدة أبنائه بعد أن تمت تبرئة هذه الأخيرة من شكوى القذف والتشهير، قبل أن يتدخل محاميه الخاص لتهدئته. أحد الأطباء الذين عاينوا أثار التعدي الجنسي على الأطفال، تلقى رسالة مضمونة الوصول تتضمن تهديدا برفع شكوى بالقذف إذا لم يسحب التقرير الذي يتضمن معايناته. وقد أرسل لطبيب آخر عدة رسائل وتهديدات أكثر ابتدالا. الصحفي الذي قام يوم 26 يونيو/حزيران بتغطية المحاكمة التي تمت بمحكمة الاستئناف في أنفير، لاحقه الموثق حين هم بالخروج لاستنشاق بعض الهواء، فلم يكن للمراسل من خيار آخر سوى الهرب.
إدارة مجلة هيمو وكذا الناشر كانوا أيضا تحت ضغط قوي. فقد سربت معلومة لعائلة X بأن المجلة على وشك نشر مقال جديد حول قضية زنا المحارم. النتيجة: ورغم ساعات عديدة من التأخير في الطباعة، إلا أن المقال نشر في النهاية.
(...)
يبدو أن وسائل الضغط هذه قد "اشتغلت" بشكل جيد داخل المنظومة القضائية. فبعد نشر المقال، وردتنا معلومات جديدة من جهات عديدة. فملف زنا المحارم هذا ومنذ زمن بعيد فريد من نوعه، ليس فقط على مستوى الأوساط الاكاديمية والمهنية من أطباء الأطفال والأطباء النفسيين، ولكن أيضا على مستوى النيابة، ومحاكم الأحداث، ومراكز استقبال الأطفال الموجودون في حالة خطر معنوي. وبهذه المعطيات الجديدة، لدينا صورة أكثر وضوحا عن المناورات الغادرة في العدالة. مناورات هدفها الوحيد لحد الآن ليس تفضيل مصلحة الأطفال ولكن خدمة مصالح الموثق العدلي.
(...)
- وما يمكننا تقبله أيضا، هو الاستجواب الذي قام به مفتشي الشرطة "ز. ف" و"ز. ق" والذي استمر ساعة من الزمن، أكره خلالها جان مرة أخرى على سحبه اتهاماته. وقد كان لويس دي لونتدكر حاضرا في عين المكان عندما خرج جان لتوه من مكتب الشرطة، فكتب الصحفي في جريدة دي ستاندارد: "بدأ في البكاء، والنحيب. كان في حالة من الذهول التام. صرح وهو يبكي بحرقة بأن رجلين قاما باستجوابه مجددا، فقال لهم بأنه لا شيء صحيح لأنه كان خائفا وبأنه لا يرغب بالذهاب إلى والده ويريد البقاء لدى أمه. ثم قفز نحو جدته (من جهة الأم) باكيا في حضنها". أي مصداقية لمثل هذا الاستجواب؟ فالتصريحات التي تنتزع تحت الاكراه لا يعتد بها. وحسب محضر السماع رقم 2873، يؤكد جان بأنه لم ير والده عاريا أبدا. لكن الموثق نفسه صرح للصحفي لويس دي لونتدكر: "يقولون بأنهم شاهدوني عاريا أمامهم. في ذلك المساء، وعندما كنت آخذ حماما، اندفع الطفلين نحو الحمام. وقد طردتهما على الفور". ولدى مواجهة الطبيب النفسي "م. ن" كان الموثق العدلي حريصا على الدفاع عن نفسه، وكان أكثر قوة مؤكدا أنه: "قبل الطلاق، حدث، أحيانا، وأن شاهده الأطفال عاريا في الحمام. فمن المفهوم أن الأطفال قد اجتذب انتباههم، بشكل خاص، أعضائه التناسلية".
فهل من الصدفة مجددا، أن مفتش الشرطة "ز. ج"، شارك، رفقة زوجته، في عشاء عيد الفصح، عند الموثق العدلي؟
- في منتصف عام 1984، وعقب اجتماع خاص، جمع البروفيسور الشهير "م. أ" الطبيب النفسي للأطفال، بالنائب العام "ي. ج" والمحامي العام "ي. د"، عهــد، وبشكل غير رسمي، للبروفيسور بإعداد دراسة معمقة للملف الجنائي. ولهذا الغرض، حولت إليه النيابة العامة مختلف الوثائق المكتوبة وأشرطة التحقيقات. البروفيسور "م. أ" كتب النتائج في تقارير مختلفة أرسلها للنائب العام ولمحكمة الاستئناف في أنفير. وقد وضع النتائج المؤقتة التي توصل اليها في تقريره بتاريخ 22 يونيو/حزيران، في الوقت الذي كان من المقرر فيه صدور الحكم في 27 يوميو/حزيران. المحامي العام "ي. ج" على علم بأن التقرير التكميلي هو قيد الاعداد، فما الذي يحدث؟ بشكل غير متوقع بتاتا، الغرفة الثالثة لمحكمة الاستئناف تجتمع قبل يومين وتمنح حق الحضانة للموثق العدلي" و دونما اعتبار للوثائق التي أودعها البروفيسور "م. أ"، بعد قفل باب المناقشات". محكمة الاستئناف تم إعلامها بأن تقرير البروفيسور "م. أ" جاء في غير صالح الموثق مطلقا، وبإمكانية تقديمه قبل قفل باب المناقشة، ألهذا السبب اجتمعت الغرفة الثالثة قبل يومين من موعدها؟ والأكثر من هذا، لم تكن كل تقارير البروفيسور مودعة بعد قفل باب المرافعات. كانت لدى الغرفة الثالثة ثلاثة تقارير أخرى على الأقل للبروفيسور "م. أ"، وتصب كلها في نفس المعنى. القضاة كذبوا إذا في قرارهم. بتاريخ 06 نوفمبر/تشرين الثاني 1984، القضية تجدول من جديد أمام المحكمة، وهذه المرة، تقوم الغرفة بإثارة حجة أخرى لأجل تصفية تقارير البروفيسور "م. أ" بالقول أن: " البروفيسور "م. أ" لم يكن محل تكليف رسمي من طرف النائب العام لدى هذه المحكمة لأجل القيام بمهمة في هذه المادة". هنا يوجد احتمالين: إما أن البروفيسور "م. أ" قد عهد إليه من طرف النيابة العامة بوثائق الملف لدراستها أو أنه قد سرقها منهم ويجب أن يدان على ذلك. وفي غياب وجود تكليف قضائي فالبروفسور "م. أ" ليس مخولا قانونا بحيازة وثائق الملف القضائي. المحكمة تلجأ مجددا لاستخدام حيل قذرة لتعطي المصداقية لحكم لا يغتفـر.
- بتاريخ 26 يونيو/حزيران 1984، ووسط دهشة الجميع، قامت رئيسة الغرفة الثالثة لمحكمة الاستئناف في أنفير، السيدة "ي. أ"، ومستشاريها "ي. ب" و "ي. س"، بمنح الحق في الحضانة للموثق العدلي المتهم بزنا المحارم. ومع ذلك، فلا يمكن ممارسة هذا الحق في الحضانة، إلا تحت رقابة والديه. وهكذا نجد أنفسنا أمام منعرج منطقي متناقض: فإما أن نضع مطلق الثقة في الموثق العدلي فيما يتعلق بولديه ونمنحه الحق في الحضانة؛ وإما أنه ليس محل ثقة ولا يمكن مطلقا أن يعهد إليه بالحضانة، كون الأطفال سيكونون محل خطر وهم عنده. الرئيسة "ي. أ" قررت حلا لا يخلو من النفاق. كون الموثق سيكون تحت مراقبة والديه، وهذا دليل على أنه ليس مؤهلا لممارسة الحق في الحضانة. ورغم ذلك، عهد إليه بذلك. تصوروا ما بدا لكم. الغرفة الثالثة كانت موجهة نحو هذا الحل. وبجلسة 6 يونيو/حزيران، طلب من والدي الموثق العدلي تحديد موقفهما من تحمل هذه المسؤولية الشاقة. وقد كان جوابهما بالإيجاب. صدفة كانت أم لا، كانت هذه هي المرة الوحيدة التي يحضر فيها والدي الموثق جلسات القضية. يبدو الأمر كما لو كان مدبرا، فهل تم إخبارهم مسبقا بأنه سيطرح عليهم هذا السؤال؟
- الجدان لم يكونا وحدها من أعلما مسبقا بذلك. ففي 25 يونيو/حزيران، أي قبل يومين من الإعلان الرسمي للحكم، كان الموثق العدلي ينتظر ليأخذ ولديه إلى المدرسة. كان يعلم مسبقا، في تلك اللحظة، أن محكمة الاستئناف ستمنحه الحق في الحضانة. كيف حدث هذا؟
- في المقال السابق، ناقشنا شكوى الام التي مفادها أن المفتشين قد شوها كليا تصريحاتها، أو أنهما لم يشيرا إليها مطلقا. هذا ليس كل شيء. تصريحات شهود العيان تم تزويرها أيضا
(...)
- في هذه الأثناء، قام قاضي التحقيق السيد "ي. أ"، والمستشار السابق في المجلس البلدي لويلبروك، بتعيين الدكتور "م. ب" (طبيب) كخبير قضائي. هذا الأخير توصل لنفس النتائج الواردة في تقارير البروفيسور "م. أ": جان وويم تعرضا لتعديات جنسية. وقد قام الدكتور "م. ب" بتحذير قاضي التحقيق صراحة: "بأنه ينبغي السهر على عدم تفاقم الصعوبات النفسية للأب وعلى عدم جعله شاذا جنسيا أو مثليا مزمنا". ورغم هذا، قررت الرئيسة "ي. أ" ومستشاريها "ي. ب" و "ي. س"، بتاريخ 26 نوفمبر/تشرين الثاني، تأكيد الحق في الحضانة. إنه الحكم الأكثر جبنا. والدة الأطفال تلام لأنها لم تودع نسخة من تقرير الخبير القضائي "م. ب"، "مما يتعذر معه دراسة مضمونه". لكن كيف للأم أن تودع هذا التقرير؟ وهي التي لم يكون مسموحا لها حتى بالاطلاع عليه. وللإشارة، فالقانون البلجيكي يحظر على أي كان الحصول على معلومات طوال فترة التحقيق الجنائي، كون هذا الأخير يتسم بالسرية. وقد أقرت محكمة الاستئناف بكل صراحة في قرارها، بأن التحقيق لا يزال جاريا، ورغم ذلك تنتقد الرئيسة "ي. أ" الوالدة لعدم إيداعها "التقرير"! في حين أنه كان يتعين على النيابة العامة هي نفسها أن تقدم تقرير الخبير القضائي! فضلا على أن قاضي التحقيق كان يحوز على تقرير الدكتور "م. ب" منذ نهاية شهر أغسطس/آب، غير أننا نقرأ في قرار الغرفة الثالثة بأن "النيابة العام ليست ملزمة بإعلام المحكمة بهذا الخصوص". لماذا رفضت النيابة العامة تحويل تقرير الخبرة القضائية الحاسم لمحكمة الاستئناف؟ ألانه جاء سلبيا جدا في مواجهة الموثق العدلي X؟ مهما يكن من أمر، فالرئيسة "ي.أ" قد وقعت مجموعة من الهراء القانوني.
- بتاريخ 5 سبتمبر/أيلول 1984، نشر لويس دي لونتنديكر أولى مقالاته حول قضية زنا المحارم هذه بعنوان: "السيدة العدالة تنحرف. امرأة شابة تقاتل لأجل أطفالها". وبعد ذلك ليس ببعيد، المحامي العام "ي. د" يستدعي الصحفي دي لونتنديكر عبر الهاتف. علق الصحفي دي لونتنديكر في مقاله الثاني بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول: "من النادر أن يستدعى صحفي من طرف قاض عبر الهاتف لأجل مقابلة في إطار إجراء قضائي".
هذا المقتطف هو من مقال للصحفي دي لونتنديكر يقول: "بخصوص سؤالي حول عدم تعيين العدالة لثلاثة خبراء لدراسة القضية برمتها على المستوى النفسي والعقلي والتقني، أجاب المحامي العام حرفيا بالقول: "هؤلاء الأطفال (ويم وجان) أنزلا سرواليهما أكثر من اللازم خلال كل مجريات التحقيق. الأفضل لهما تركهما في هدوء." وعندما أجبته بأن العدالة قد عينت خبيرا (الصحفي دي لونتنديكر يتحدث عن الدكتور "م. ب")، والذي لم يكن محل مناقشة، لأن تقرير هذا الأخير يتضمن على الغالب نتائج ومعاينات دامغة ضد الأب، يجيب المحامي العام: "ليس صحيحا أن تقرير الخبير القضائي جاء ساحقا للأب. في كل الحالات، أنا لا أعرف. فضلا عن ذلك، فمعاينات هذا الشخص ليس صحيحة: لقد أعد تقرير الخبرة خلال خمسة أيام." يا له من تحيز مبتذل للمحامي العام "ي. د" لتصفية هذه الإحالات. ولماذا يقوم بتذكير الصحفي بالتنظيم؟ هذا ليس من اختصاصاته. هذا ما أدى بحق إلى تنحية المحامي العام "ي. د"، من هذه القضية لتجاوزه لسلطته، واستبداله بالمحامي العام الأول "ي. ك".
(...)
هنا أيضا بعض التطورات الإيجابية. فبتاريخ 26 يونيو/حزيران، قامت الغرفة التاسعة لمحكمة الاستئناف في أنفير بتأييد حكم محكمة الجنح لمالان الذي قضى، في 5 أكتوبر/تشرين الأول 1985، ببراءة الأم من تهمة الاستيلاء على حضانة الأولاد الموجودين لدى الموثق العدلي. والأهم في هذه القضية، أنه، وفضلا عن تبرئة الأم، أخذت بعين الاعتبار، تصريحات البروفيسور "م. أ" والخبير القضائي "م. ب" والذين أكدا بعد تأديتهما للقسم بالجلسة، على تعرض الأطفال لاعتداءات جنسية. هذه المحكمة كانت مشكلة من قضاة آخرين غير "ي. أ"، "ي. ب" و "ي. س" والنائب العام لم يكن "ي.ج".
21. نشر المدعون مقالهم الثالث بتاريخ 18 سبتمبر/أيلول 1986. وجاء مضمونه كما يلي:
" (...)
في هذا المقال، سنعيد نشر الصور والرسومات والاقتباسات التي كنا نفضل عدم فضحها. معظم هذه الوثائق كانت بحوزتنا منذ البداية، ولكننا لم نكن نرغب بأن نتهم بإثارة الفتنة. المحاكم أيضا كانت لديها هذه الأدلة الدامغة، فمحكمة الاستئناف ومحكمة الأحداث في أنفير رفضتا أخذها بعين الاعتبار، وهذا بالضبط ما يجعلنا ملزمين بنشرها.
المثير للشك والدهشة والغضب الذي تولد لدينا نشاطره إياكم. دهشة لكون حدوث مثل هذا الشيء كان ممكنا؛ الغضب لأن هذا سمح به؛ التشكيك لأن الضمانة الأخيرة لديمقراطيتنا وهي العدالة المستقلة، قد انتهكت في أسسها. لهذا السبب، فبالنسبة للطفلين ويم وجان، سننشر بعض ما كنا نفضل تركه متعفنا و محفوظا في خزائن أرشيفنا.
جاي مورتيي
رئيس التحرير
يوم الأربعاء 2 سبتمبر/أيلول، قاضي الأحداث السيدة "م. ل"، اتخذت إجراء مؤقتا في قضية زنا المحارم المثيرة للجدل والمتعلقة بالموثق العدلي في أنفير. وكما يعرف الجميع فأعلى لوبيات المال في هذا البلد لعبت دورا في هذه المأساة، على غرار اليمين المتطرف الفلامنكي. الموثق العدلي الأونفواري اتهم من طرف زوجة بالتعدي جنسيا على طفليهما، والذين سميناهما ويم وجان، وقد تعرضا لسوء المعاملة ولا يزالان كذلك. قررت محكمة الأحداث منح الأب الحق في الحضانة على الأطفال، أو بالأحرى الإحتفاظ بهم، كون الحق في الحضانة قد سبق وأن منحت له، في تحد خطير للعدالة من طرف محكمة الاستئناف في أنفير. الأم، التي لا توجد عليها أي لائمة، والتي تمت تبرئتها في مناسبتين من جرم القذف ضد الموثق العدلي، على العكس، لا تستطيع رؤية أبنائها سوى مرة كل شهر.
(...)
هذا الحكم غير المفسر يعكس مرة أخرى معنى الأشياء. الملف، غني بالأدلة، فهو يحتوي على الكثير من الشهادات الطبية؛ ورسومات مرعبة لأطفال اغتصبوا من طرف والدهم، وصورا لتهيج في الشرج، وجروح عند الاطفال ناتجة عن الضرب بالعصا، فضلا عن تقارير مفصلة للفحوصات النفسية للأطفال: أحدها من طرف الخبير القضائي "م. ب"، وخمسة أخرى من طرف البروفيسور "م. أ"، وهو طبيب أطفال مشهور من لوفين، وكذلك تقريرين حديثين، للبروفيسور "م. س" الذي درس حالة الطفلين بسرية عالية. وفي كل مرة، يظهر بجلاء بأن الطفلين قد تعرضا لتعديات جنسية ولسوء المعاملة. فلماذا رفض قاضي الأحداث "ي. ل" أن يأخذ بعين الاعتبار أدلة الإقناع القوية هذه في حكمه، لا سيما في ظل عدم وجود أي تقرير طبي يشكك في الممارسات المسيئة للأطفال؟ إن تأثير عائلة الموثق العدلي X كان كبيرا، ونفوذه المالي جد معتبر، فهل هذا ما جعل جهاز القضاء في أنفير لا ينطق بالقانون بشكل مستقل؟
لا يعود للصحافة ممارسة مهنة القاضي، لكن في هذه الحالة المبكية، ليس من الممكن ولا من المسموح به أن نبقى صامتين. لحد الآن، تناولنا قضية زنا المحارم هذه بكل حساسية ممكنة. الآن، وقد أخذت العدالة المجرى الخطأ، نجد أنفسنا ملزمين، لمصلحة الأطفال، بالكشف عن مزيد من التفاصيل، لكنها قد تكون رهيبة ومقيتة بالنسبة للقارئ.
(...)
على أي أساس استند قاضي الأحداث "ي. ل" لاتخاذ قراره المؤقت؟ حسب المقال الأول الذي نشر في هيت فولك، والذي يبدو مستنبطا من وحي الموثق العدلي "ي. ل"، فقاضي الأحداث قرر هذا الإجراء على أساس تقرير مودع لديه من طرف ثلاثة خبراء عينهم لهذا الغرض. وحسب هيت فولك، فيستخلص من هذا التقرير "عدم وجود أي مسألة مطروحة تتعلق بالتعدي الجنسي". أقل ما يمكن قوله، بأن المعلومات التي بحوزة هيت فولك كانت سيئة (علاوة على أنها في اول مقال لها). فما الذي حدث بالضبط في هذه القضية؟
الخبراء القضائيون، الدكتور "م. إ"، الدكتور "م. ج" والدكتور "م. ك"، أخضعا ويم وجان للملاحظة، خلال أشهر العطلة والأعياد، وتم ذلك في عيادة للأطفال. لم يكن التقرير جاهزا بعد، فلم يتم إيداعه. لا قاضي الأحداث ولا أي من الأطراف كان له نسخة مكتوبة من هذا التقرير. قاضي الأحداث "ي. ل" أسرع لاتخاذ القرار حتى قبل أن يتمم الخبراء إعداد تقريرهم. وهذا الاجراء بحد ذاته محل مناورة مشبوهة. ولكن الأسوأ من هذا الواقع، هو بقاء الأم بدون دفاع. لم يدرج شيء رسمي على الورق، وليس من الممكن رفع طعن بالاستئناف ضد قرار قاضي الأحداث.
ثانيا، وعلى عكس ما نسمعه، الأطباء الثلاثة المعينون ليسوا خبراء مستقلين. فكل من الدكتور "م. ج" و "م. ك" هم مرؤوسي الدكتور "م. أ" في AKA. ومن الصعب جدا أن يتنصلوا من عمل رئيسهم. فضلا عن ذلك، فهؤلاء الأطباء ليسوا معروفين بأنهم من النوع الذي من الممكن أن يعرقل عجلة رئيسهم.
ثالثا، مسألة ما إذا كان من الملائم وضع الدكتور "م. أ" على رأس فريق الخبراء. نحن لا نرغب في الحكم على تقرير الخبرة قبل معرفة محتواه، ولكن أليس من المؤسف جدا في هذه القضية المسيسة أصلا، تعيين شخص ينتمي لنفس المعسكر الأيديولوجي (اليمين المتطرف) الذي ينتمي إليه الموثق العدلي؟ الدكتور "م. أ" تزوج من ابنة "ز. هـ"، الذي كان قائدا خلال الحرب. ولعلكم تتذكرون كيف أن عائلة الموثق العدلي X تحتفظ بعلاقات جد متينة مع الأوساط "السوداء". الدكتور "م. أ" يفتخر أمام موظفي المستشفى بأنه من مؤيدي نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. تماما كما هو الأمر في عائلة X. ومنذ وقت قريب، نفس هذا الدكتور "م. أ" تمكن من إلحاق أحد الأطفال المنحرفين، بعد علاجه، بحزب اليمين المتطرف. كل شخص حر في آرائه السياسية، لكن وفي مثل هذه القضية الحساسة، ومن باب الطمأنينة كان يجب تعيين خبير مشحون سياسيا بشكل أقل.
وما لا يمكن تفسيره كذلك، أن قاضي الأحداث "ي. ل" احتفظ بالسيدة "ز. أ" كمندوبة دائمة لحماية الطفولة. ولجمع هذه المعلومات، وتقديرا لمعطيات القضية، كان يتعين على القاضي "ي. ل" أي يحتاط علما حول المندوبة الدائمة لا سيما بعد أن نشرنا بأن الموثق X يعرف جيدا هذه الأخيرة. وهذا الامر مشار إليه أيضا في محضر السماع المؤرخ في 6 أكتوبر/تشرين أيلول 1984. ففي هذا المحضر، ألح الموثق العدلي مرارا على أن السيدة "ز. أ" هي أحد الأشخاص الذين يمكن للعدالة الاستعانة بهم لفحص حسن نيته. فهل من المستحيل حقا تنحية كل الأشخاص الذي تربطهم علاقات ايدلوجية و/أو حميمية مع عائلة X ، في هذه القضية؟
(...)
كيف بمكن للموثق العدلي أن يدافع عن نفسه ضد إتهام اطفاله أنه ضرب ويم في شهر مايو/أيار بواسطة "عصا شائكة"؟ جد متشابكة. وبعد إعادة تركيب رواية الأطفال ومحضر سماع الموثق العدلي بأنه ضرب ويم في 14 مايو/أيار. في هذا اليوم، الموثق العدلي وطفليه الصغيرين كانا في زيارة للدكتور "م. ج". ويم صرح للطبيب، في حضور والده، تصريحات جد خطيرة حول هذا الأخير. وبمجرد عودتهم للمنزل ضرب الأب ولده ويم. في اليوم التالي، عاد الموثق العدلي، من تلقاء نفسه إلى الدكتور "م. أ"، والغريب أنه لم يقل أي شيء عن جروح ولده. وما هي إلا أيام بعدها، حتى تم تحويل الصور إلى السلطات المختصة، فاخترع قصة سقوط ويم في السلالم. لماذا لم يقل هذا منذ البداية؟ وقد أكد الأطفال للبروفيسور "م. س" أن ويم قد ضُرب وأنه لم يسقط من السلالم. ولذلك غير الموثق العدلي أقواله. بتاريخ 2 يونيو/حزيران، قام أحد المحضرين القضائيين، من أصدقاء الموثق، بتحرير محضر أنكر فيه الأطفال كل شيء. ومن الغريب، أن المحضر القضائي ليس هو من كان يطرح الأسئلة على الأطفال، ولكن الأب نفسه هو من كان يستجوب أطفاله الصغار. هذا المحضر المحرر ليست له أي قيمة.
في 5 يونيو/حزيران، وجد الموثق العدلي شيئا آخر. الدكتور "م. ل" يحرر شهادة يثبت فيها عدم معاينته لأي إصابات. هذا ممكن جدا، لأنه في هذه الأثناء قد مرت ثلاث أسابيع كاملة. فلماذا يقوم الموثق العدلي، وبعد مرور ثلاث أسابيع كاملة، بمعاينة غياب آثار للإصابات، بعد أن صرح في البداية بأن هذه الإصابات كانت بفعل السقوط من السلالم؟
النسخة الأخيرة: جان ضرب ويم. هذا ضرب من الخيال، ومصدره قاضي الاحداث نفسه. وهنا يكمن التحيـز.
(...)
المعاملات السيئة لشهر مايو/أيار (والتي كتبنا عنها في عدة مناسبات) لم تكن الوحيدة. فـفي 10 يناير/كانون الثاني 1984، أحال الدكتور "م. ج" نتائج فحوصاته للعينات الأربع إلى الطبيب الشرعي "م. م": "فضلا عن المواد الغير متبلورة، والخلايا الظهارية المخاطية، لاحظت، في ثلاثة من أربع عينات، في هيكل مثلثي على طول السلسة المستمرة ما يطابق وصف الحيوانات المنوية. في 2 من 3 عينات، لاحظت وجود هيكل من هذا النوع، وفي العينة الثالثة رأيت إثنين". أطباء آخرين قاموا بنفس المعاينات. وبعد ذلك، البروفيسور "م. أ" والخبير القضائي "م. ب" توصلا، كل منهما مستقلا عن الآخر، لإثبات تعرض ويم وجان لتعديات جنسية ولسوء المعاملة الجسماني. التقرير الأخير كان للبروفيسور "م. س" وكان تكميليا لتقرير سابق. فحص هذا الخبير الطفلين في اثني عشر مرة، خلال الفترة الممتدة بين 1 أغسطس/آب 1985 و 31 مايو/أيار 1986؛ الطفل الأكبر في غياب الأم. أما بالنسبة لـ ويم، فعموما، في حضور والدته لأن بداية الفحص غير ممكنة عمليا دون حضورها. البروفيسور "م. س" وبصفته رئيسا للمستشفى الجامعي "الطفل والأسر المحتاجة" في لوفان، يعد أحد أعمدة ورواد هذه المادة. وتجنبا لأي تأثير في عمله، قرر الإعلان صراحة عن رفضه لأي شكل من أشكال المساومات. ويمكننا أن نقرأ في تقريره الكثير من الأشياء المروعة. ففي عدة مناسبات، وليس لمرة واحدة، يتعرض هؤلاء الأطفال للضرب بواسطة عصا مرصعة بالمسامير. هذه المعاملات السيئة سلطت عليهم في شكل طقوس: شموع مشتعلة؛ يرتدي خلالها الأب زيا بنيا، وعصا تحمل "علامة الشيطان". ومن خلال الأطفال، اكتشف البروفيسور "م. س" أيضا أن الوالد يتتبع الهاماته. فقد وجد علامة الشيطان في المجلد الأول من مصنف "الفارس الأحمر" (!) تحت عنوان "التشقق في الطاولة المستديرة". العلامة يتبعها النص التالي: "هذا رمز لأمير الظلام، ساحر مجهول ومن كبار سادة السحر الأسود! حتى قبل إنشاء المائدة المستديرة، توارى عن الأنظار ولا يعرف أي شخص له مكانا اليوم! إنه يكرس معارفه وقدراته الاستثنائية لكل ما هو سيء وسلبي! هدفه الوحيد: زرع البلبلة والحرب والدمار. إنه رمز العنف الذي، هو في هذه الأوقات، يسود الإنسانية والعدالة!".
البروفيسور "م. س" عبر في تقريره بكل صراحة قائلا: "في الختام، يمكننا القول كخلاصة نهائية أن الطفل ويم هو ضحية تعديات جنسية وجسمانية متكررة وبأن شقيقه جان تعرض لنفس الممارسات لكن بدرجة أقل، تحت ضغوط نفسية شديدة، أصبحت تزداد شيئا فشيئا مسببة له إزعاجا وبالتالي انخفاضا في علاماته الدراسية، وتضارب أقواله أحيانا في المقابلات المتعاقبة. ولمصلحة كلا الطفلين، ينبغي أن يتخذ قرار قضائي فوري بعزلهما عن وسط والدهما. كل تأخر في ذلك في ذلك غير مبرر طبيا".
كلا التقريرين للبروفيسور مرفقين بتوصيفات جد دقيقة للجروح، وتصريحات الأطفال، ورسومات فضيعة لويم وجان تتعلق بالمشاهد الجنسية التي جمعتهما بوالدهما (الذي تم تمثيله بقرنين)، وصور فوتوغرافية. التقريرين موجودين لدى فريق الخبراء "م. إ" و "م. ج" و "م. ك". القاضي "ي. ل" لديها نسخة منها كذلك. كما تحصل على التقارير الخمسة للبروفيسور "م. أ" و تقرير الخبير القضائي "م. ب". فكيف للسيدة القاضي "ي. ل"، أن تصرح بعدم وجود أدلة؟ فهل يجب أن تشاهد الأطفال يضربون ويعتدى عليهم جنسيا أمام عينيها حتى تتأكد من ذلك؟
(...)
اتهامات مشابهة وجهها الأطفال لوالدهم تم تسجيلها لاحقا من طرف البروفيسور "م. أ"، ومن طرف الخبير القضائي "م. ب"، ومن طرف مفتشي التحقيق "ز. ف" و"ز. ج" بحضور أستاذة المدرسة التي يدرس فيها ويم، وأخيرا من طرف البروفيسور "م. س". من جانب آخر، هناك تراجع في التصريحات خلال الاستجواب الذي قام به مفتش التحقيق "ز. ج"، ولم يبق في الشريط المسجل سوى دقيقة واحدة مشوشة، وقد أرهب جان بواسطة سلاح، خلال تلك المقابلة من طرف المفتشين "ز. ف" و "ز. ج"، والذي بعد انتهائه عاش جان لحظات انهيار تام (شهد عليها صدفة لويس دي لونتدكر)، وتراجع من طرف جان، عند البروفيسور "م. س"، بحضور والده.
ويبقى السؤال الحاسم هو: هل يمكن للأم أن تخترع كل هذا؟ والأكثر من هذا، كيف يمكن لطفلين صغيرين - سيبلغان 6 و 9 سنوات في هذا الشهر- أن يحتفظا بتلك الاتهامات خلال أكثر من عامين و نصف إذا كانت هذه الاتهامات قد اخترعت وأمليت عليهما من طرف والدتهما؟ ثم، متى قامت الأم بتدريب ولديها على هذا النوع من الاتهامات؟
لا يجب أن ننسى بأنه، ومنذ 25 يونيو/حزيران 1984، فالموثق عهد إليه بحق الحضانة على الأطفال من طرف الغرفة الثالثة لمحكمة الاستئناف في أنفير. ومنذ أكثر من عامين، مارس الأب الكثير من التأثير على أطفاله أكثر من والدتهم التي منحت حق الزيارة من وقت لآخر، وهو الحق الذي لم يمتثل له الموثق في كثير من الأحيان.
هناك ما هو أكثر: إذا كان ضمير الموثق العدلي مرتاحا، فلماذا يعلن الحرب على كل من يعترض طريقه على المستوى القانوني أو غيره؟ لماذا هدد الكثير من الأشخاص في إطار هذه القضية؟ في هذا المقال سنذكر لكم التهديدات والترهيبات التي تعرضنا لها مؤخرا فقط.
(...)
يتضمن الملف أيضا، تقريرا حول المقابلة التي أجراها البروفيسور "م. أ" في 23 مايو/أيار 1984 مع النائب العام "ي. ج" والمحامي العام "ي. د". نحن ندرك مدى حساسية نشر رسائل لم تكن معدة لذلك، ولكن الضرورات تعتبر قانونا للإباحة. البروفيسور "م. أ" تتبع مسار المقابلة كما يلي: "وبعد صياغتي للإشكال ولطلبي، المتعلق بتعيين ثلاثة خبراء، أدركت بسرعة أن النائب العام يفضل المضي قدما في القضية دون حكم مسبق وبكل نزاهة، ولكن، السيد "ي. د" كانت لديه نظرة واضحة عما يجب القيام به: "قصة الأطفال كانت مخترعة، وربما غرست فيهم من طرف الأم، ويجب أن يعهد بالأولاد لأجدادهم، ويشمل ذلك الأب أيضا". السيد "ي. د" رفض بكل خشونة طلبي للخبرة. واعتبر أن خبرة القضاة هي أكثر من خبرة الأطباء في هذا المجال، وإخضاع الأطفال لخبراء آخرين وتحقيقات جديدة لا يمكن إلا أن يعود عليهم بالضرر. النائب العام كان دقيقا كثيرا في إجابته، وحاكم الخبرة بواقعية. والأكثر من ذلك، النائب العام كانت لديه تحفظات جدية حول اقتراح السيد "ي. د". وقال بالحرف الواحد أن الجد X الذي عهد إليه بالأطفال كان "مجنونا". وفي كل حفلات الاستقبال التي التقى فيها السيد X، رأى بان الجد X شرح بشكل واضح وصريح بأن هتلر سيعود هنا إلى هذا البلد. وصرح بأن هذا الانطباع، ناتج عن "جنون" الجد، وكان هذا محل توافق من كل المدعوين لتلك الحفلات. وقال بكل صراحة للسيد "ي. د" بأن الحكم كان غير مبرر مطلقا لما عهد بالأطفال لجدهم X".
وعلى الرغم من أن هذه المعلومات الأولية كانت بحوزته، إلا أن القضاء الأونفواري عهد بالأطفال، في المقام الأول، للموثق العدلي، تحت رقابة والده "المجنون". وخلال المقابلة مع البروفيسور "م. أ"، فالنائب العام "ي. ج" شكك أيضا في استقامة الموثق العدلي. وفي معرض دفاعه أمام مجلس نقابات الأطباء صرح البروفيسور "م. أ" قائلا: "روى (النائب العام) أن الأب X قد عين موثقا عدليا رغم الرأي المعارض للهيئات القضائية، وهذا خلال اليوم الأخير من تولي الوزير "ز. ك" مهام وزارة العدل، فضلا على أنه نجح في وقت وجيز (بضع سنوات) في تحويل ممارسة توثيقية شبه منعدمة إلى ممارسة تدر ربحا رسميا يقدر بـ 32 مليون فرنك سنويا. وشكك بشكل واضح، بالنظر إلى الأزمة التي عرفها سوق العقار آنذاك، أنه من المستحيل على موثق عدلي تحقيق هذا الربح السنوي بطرق نزيهة وشرعية، ويعتقد أنه في تلك الأثناء، فالسيد X كان موضوع إجراء قضائي يتعلق بنشاطاته التوثيقية".
هذا هو الصحيح. فخلال 1984، تم توقيف الموثق العدلي نفسه من طرفه الغرفة التأديبية. النيابة العامة تجاهلت هذه العقوبة (من جديد!). في غضون ذلك، سجلت شكوى جديدة خلال هذه السنة ضد الموثق العدلي بالتزوير في محررات كتابية.
والأسوأ من كل هذا، هو ان الموثق العدلي قد صرح علانية بتعاطفه مع النازية. وجاء في محضر للشرطة القضائية لمالان أن هذا الشخص يصف إبادة ستة (6) ملايين يهودي بـ"الكذبة الأمريكية". وفي حفل زواجه، قام الموثق العدلي ووالده بأداء التحية الهتلرية، وقاما بالغناء بصوت عال للنازية.
ولكن الموثق العدلي يريد الذهاب لأبعد من هذا: يريد تربية أولاده وفقا للمبادئ الهتلرية. وهذا هو السبب الذي جعله يغرس فيهم تحمل المعاناة والصمود أمام الصعاب والمخاوف. هتلر نفسه كتب عما يعتبره تعليما هتلريا:
"فلسفتي التعليمية صعبة. والضعيف يجب ضربه وطرده. في مدارسي النخبوية يتخرج شباب يخشاهم العالم. أريد شبابا عنيفا، جامدا، متجبرا، قاسيا. وهذا ما يحتاجه الشباب. يجبوا أن يتدربوا على تحمل المعاناة. لا يمكنهم أن يشهدوا أي ضعف أو حنان. يجب أن تلمع عيونهم بنظرات حرة ومتوهجة كوحوش جارحة تنظر لفريستها. أريد أن يكون شبابنا ممتلئون بالقوة و الجمال... ومن ذلك أستطيع إبداع شيء جديد".
لم تبق أشياء كثيرة لإضافتها. إلا أن نقول أنه ولمصلحة الأطفال، فالشهادات الطبية، والتقارير وأدلة الاثبات والخبرة القضائية، ومعاينات المحضر القضائي وخلاصات الأطباء النفسيين المختصين في الأطفال، قد آن الأوان لتؤخذ على محمل الجد وأن يتأسس القرار في هذه القضية على الوقائع و ليس على المنصب الحساس والمؤثر الذي يشغله الأطراف المعنيين. ثقة الرأي العام في القضاء على المحك.
وأظهر المقال ما يعتبره المدعيان أنها صورا توضح ما تعرض له "ويم" من إصابات في شهر مايو/أيار، واثنين من الرسومات عن الوقائع التي تعرض لها "جان" و "ويم". ويحتوي كذلك على نص جزئي لاستجواب "جان" من طرف المفتش "ز. ب" في 6 مارس/آذار 1984.
22. بتاريخ 6 نوفمبر/تشرين الثاني 1984 ظهر المقال الرابع للسيدين دي هايس وجيجسل وجاء فيه:
"(...)
يوم الخميس من الأسبوع الماضي، شهدت قضية ويم وجان منعطفا قانونيا. فبطلب من النائب العام "ي. م" سحبت المحكمة العليا الملف X من القضاء الأنفواري. وأحيلت القضية لمحكمة غنت Gand، على أمل أن تتبنى هذه الأخيرة سلوكا أقل انحيازا. ولن يحدث ذلك في وقت قريب. في قضية ويم وجان، الحرب القانونية - الطبية بلغت ذروتها. وفي محاولة أخيرة لجعل القضاء الأونفواري يتبنى موقفا أفضل، راسل أربعة من رواد - الخبراء النائب العام "ي. ج" وصرحوا بشرفهم بانهم مقتنعون بنسبة 100% أن أطفال الموثق العدلي X كانوا ضحايا تعديات جنسية وجسمانية. الكفاءة المهنية لهؤلاء الخبراء لا يمكن التشكيك بها حتى من طرف القضاء الأنفواري: البروفيسور "م. د" (بروفيسور طب الأطفال بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية في أنفير) ورئيس أطباء ومدير مركز حماية الأطفال المعتدى عليهم، والبروفيسور "م. س" (بروفيسور طب الأطفال في لوفان ورئيس عيادة طب الأطفال في المستشفى الجامعي في لوفان ورئيس المجلس الأعلى للأطفال المتعرضين لسوء المعاملة)، البروفيسور "م. أ" (بروفيسور الطب النفسي للأطفال والشباب، بمستشفى لوفان والمعين من طرف النائب العام "ي. ج" لدراسة الملف)، والدكتور "م. ب" (طبيب نفسي للأطفال ونفساني، المعين خبيرا من طرف المحكمة)".
وأرفقوا برسالتهم مذكرة تتضمن تعدادا لعشرة أدلة إقناع، كانت أي واحدة منها كافية بحد ذاتها لمباشرة المتابعات لو كنا بصدد أي قضية أخرى، بل وحتى توقيف المعنيين. هدف هؤلاء العلماء واضح. إنهم يبحثون عن نيل "إجراء تحفظي" لإدخال الأطفال لأحد المراكز الطبية المتخصصة في استقبال الأطفال الذي تعرضوا لمعاملات سيئة، في انتظار حكم قضائي حاسم لوضعيتهم. المبادرة بقيت دون استجابة. ولا رد فعل من طرف القضاة المعنيين. نقابة الأطباء تتدخل. وفرضت على الأطباء "م. أ" و "م. س" حظرا عن التصريح بآرائهم. ومرة أخرى، نطلق النار على المرسل دون ان نستمع لرسالته.
عالم السياسية كان له رد فعل أيضا. وزير العدل جون غول طلب الملف، وتتبع القضية عن كثب، ولكنه طبقا لمبدأ فصل السلطات، المكرس دستوريا، لا يمكنه التدخل. ومن جهتهم، نواب البرلمان الأوروبي جيف البيرغ و آن-ماري لوزان (...) وباول ستايس (...) بادروا بمشروع لائحة أمام البرلمان الأوروبي مطالبين بفتح تحقيق جديد واتخاذ إجراءات عاجلة لوضع حد للوضعية الخطيرة التي يتواجد فيها الطفلين.
الرأي العام شعر شيئا فشئيا بصعوبة "هضم" القضية. وغرق ديوان الوزير غول بالعشرات من الرسائل الساخطة. استمرت المظاهرات الأسبوعية الصامتة انطلاقا من قصر العدالة في أنفير، وفي الأسبوع الأخير، من ليلة الاثنين إلى الثلاثاء، تم إلصاق معلقات في وسط المدينة تكشف عن اسم ولقب الموثق العدلي X. هذا الفعل خلق مشاعر وردود فعل متباينة في الأوساط الصحفية والقانونية، وأعطى بعدا جديدا للجدل الدائر حول قضية X.
(...)"
23. بتاريخ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1986 ظهر المقال الخامس للمدعين وجاء فيه ما يلي:
"(...)
وكما تنبئنا قبل أسبوعين بأن السبيل القانوني لقضية ويم وجان من المرجح أن ينقطع أمام القضاء الأونفواري، هذا ما حدث بالضبط. فرغم كل الأدلة، قضت محكمة النقض بعدم وجود أي تحيز من طرف قضاة مجلس أنفير في هذا الملف المتعلق بزنا المحارم، وبأن القضية برمتها ستستمر أمام القضاء الأونفواري.
على هامش قرار محكمة النقض، توجد عدة ظواهر جديرة بالملاحظة. الموثق العدلي X الذي سعى لعدم كشف هوية ويم وجان، يظهر علنا في مقابلات متلفزة وأحيانا مع أولاده. وظهور اسمه في الصحافة (وأسماء أولاده أيضا) لا يشعره بالقلق بتاتا.
نتيجة أخرى: كل وسائل الاعلام التي التزمت الصمت لعدة أشهر، وبعض صحفيها انقلبوا على أعقابهم.
فعلى سبيل المثال، من المقلق أن بعض الجرائد والأسبوعيات حاولت التقليل من قضية الموثق العدلي X وصورتها على أنها قضية طلاق أدت إلى تقاذف اتهامات مثيرة للاشمئزاز بين طرفيها. في هذه القضية، يعتبر عامل "الطلاق" مجرد تفصيل ضئيل، لكون الأمر يتعلق بمسألة أكبر. ونحن لم ننشر أي كلمة بخصوص هذا الموضوع بالذات، ولا نرغب بفعل ذلك، لتعلق الأمر بمسألة خصوصية بحتة.
ما يشغلنا حقا في هذه القضية هي الاتهامات الخطيرة بممارسة زنا المحارم والمعاملة المسيئة للأطفال والثابتة بشهادات وفحوصات طبية، والطريقة المنتقدة للغاية التي تعاملت بها العدالة في هذه القضية. الوضعية الحالية للأمر لا تتعلق بعلاقة خاصة بين شخصين، ولكنها تعنينا جميعا. قضية الموثق العدلي X ليست سوى غيض من فيض لقضايا أخرى تتعلق بزنا المحارم. لأجل هذا السبب، وله وحده، نحن نكتب حول هذا الموضوع.
في غضون ذلك، بعض الصحف اليومية والأسبوعية دخلت في الاثارة البغيضة، دون معرفة حقيقية الملف، وسمحت للموثق العدلي بطرح روايته للوقائع في صفحات كاملة. وبالتأكيد فحرية التعبير مقدسة. لكن ومع ذلك، هل سبق لنا وان وضعنا والدة ويم وجان في الصورة؟ هل سبق لنا نشر رأيها في القضية؟ لا. فلحد الآن، ملف ويم وجان المنشور في هيمو قد كتب على أساس تحقيقنا الخاص والمدعم بعدد لا يحصى من الوثائق الأصيلة.
نحن لم نكتب أي كلمة لا تستند على تقارير الأطباء والمختصين في الطب النفسي للأطفال والخبراء القضائيين ومحضري القضاء. ومنذ مقالنا الأول "زنا المحارم مباح في فلاندرز" المنشور في 26 يونيو/حزيران، حاولت عائلة الموثق العدلي X دفع إدارة هيمو للجلوس على مائدة مستديرة "لمناقشة" القضية. رئيس التحرير بقي متمسكا بنفس التوجه: لا مجال للنقاش، افيدونا بوثائق تثبت أننا على خطأ وسنقوم بنشرها. وقد أعلنا عن هذه الدعوة في برنامج تلفزيوني (يسمى الرقيب)، ولكن لحد الآن، لم يقدم لنا الموثق X "كل تقارير الخبرات المضادة العديدة". والتي أعاد تأكيد وجودها في برنامج "Knack et De Nieuwe Gazet" التلفزيوني، فمن الغريب أن الصحفيين وجرائدهم لم يتلقوا هذه الأدلة المضادة. وكل ما حاول الموثق العدلي X فعله لحد الآن هو إغراق السمك، بجعل القضية تبدو كما لو كانت مسالة نقاش وتقاذف كلمات بينه و بين زوجته "أوه لا لم أفعل!" و "نعم لقد فعلت !".
(...)
في برنامج الموهبة لـ 5 نوفمبر/تشرين الثاني، الموثق العدلي يعرض مرة أخرى لاكتشاف جديد. الصور لم تلتقط من طرف المحضر القضائي ولكن من طرف زوجته السابقة، وقد تم فبركتها باستخدام "مرهم أحمر". نكررها مرة أخرى: إذا كانت الكدمات ناتجة عن سقوط من السلالم، فلماذا تفبرك الصور باستعمال مرهم أحمر؟ صحيح أن الزوجة هي من التقطت الصور ولكن ذلك كان بحضور المأمور القضائي. وضمنها بصفة صريحة في ملحق المحضر الذي أعده في هذا الشأن.
وبصرف النظر عن هذا، فالمأمور القضائي نفسه التقط صورا.
(...)
لا شيء سوى المرهم الأحمر؟ لترتيب كل شيء، ليبدو الأمر أفضل؟
إلى جانب هذا، لم تكن تلك الصور الملتقطة للإصابات هي الوحيدة. فالدكتور "م. س" التقط العديد من الصور للإصابات و لــ"التهيج غير المعتاد في القضيب وفي منطقة ما حول الشرج"، وأرفقها بتقريره. الموثق العدلي يؤكد عدم وجود أي دليل. فهل من الضروري أن ننشر صورة للشرج المتهيج للطفلين الصغيرين؟
العدالة التي تحوز على التقرير والصور لم تشكك في صحتها وادرجتها في الملف القضائي دونما تعليق، منذ أربعة أشهر. العدالة لا تنقصها أسباب لذلك. المحضر القضائي "ز. م" التقط الصور بحضور شهود وبكاميرا من نوع بولارويد Polaroïd، هذا النوع من الكاميرات لا يستغرق سوى ثوان لإنتاج الصورة. وليس من الممكن فبركتها. الموثق العدلي X يعرف جيدا لماذا لم يقدم شكوى ضد المأمور القضائي ولماذا لا ينشر تلميحاته تلك سوى في بعض الجرائد بذاتها.
ليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها الموثق العدلي المخادعة. وهذا مقتطف من البرنامج التلفزيوني الموهبة يتحدث فيه الموثق العدلي: "معترفا بكل سهولة بأنه ضغط على العديد من الأطباء، بعد ضربه لصهره، وأنه بعد تلقيه لمعلومات سرية من فريق التحرير، قام بإرسال تهديدات لأسبوعية هيمو موجهة ضد "ألبير فرار"، لأجل حذف اسمه من المقالات، لكنه لا يرى في ذلك أي ترهيب، واعتبر أنه لو كان الغير في مثل وضعه السيء هذا، لكان فعل أكثر من ذلك بكثير".
رغبة الموثق العدلي X بحذف اسمه من هيمو، هي واحدة من أكاذيبه العديدة. فآنذاك، لا توجد سوى رقابة كاملة: فالمقال لم يكن لينشر! ومن جهتنا، نحن لم نقم في أي وقت بالإشارة لاسم الموثق العدلي أو لاسم عائلته. ولذلك لم يظهر هذا الاسم في أي وثيقة تحضيرية ولا حتى في المسودات الأولية. بالنسبة لهيمو، لم يكن الامر يتعلق أبدا بمسألة مهاجمة فرد (وفي هذا الصدد فإننا ننأى بأنفسنا كليا عن تلك الملصقات التي تضمنت اسم الموثق العدلي في أنفير) ولكن بالطريقة المريبة التي عولجت بها هذه القضية.
(...)
الموثق العدلي X سعيد لكون العدالة و الخبراء الذين عينتهم يقفون إلى جانبه. "فقد صرح لنا أن تقارير الخبراء الثلاثة (الذين عينهم قاضي الأحداث "ي. ل") سوف تصدر علنيا يوم الأربعاء، لكن كيف يمكنه القول قبل ذلك بأن هذا التقرير يثبت براءته التامة فعلا؟" (ألجيمين داجبلد 1/11/86).
"نأمل أن تنشر هذا الأسبوع، تقارير الأطباء الثلاثة "م. أ"، "م. ك" و"م. ج" المعينين منذ عام (!) كخبراء من طرف محكمة الاحداث: لقد كانت وبالإجماع في صالحي أنا..." (5/11/86).
يبدو الموثق العدلي X واثقا لهذا الحد باننا سنقع في الفخ (انظر المقال السابق) والاعتقاد بأن الموثق العدلي بريء تماما في تلك التقارير من كل شبهة. ونظرا أنه في ذلك الوقت لم تكن التقارير قد نشرت بعد، نطرح السؤال التالي: "هل الموثق X لديه قدرات استبصار غير مألوفة أم أنه توصل بالخبرات حتى قبل تحويلها لمحكمة الأحداث؟".
نحن لا نعرف. ما نعرفه على العكس من ذلك، بأن الموثق العدلي في مقابلاته الصحفية، كان يسخر من الحقيقة. التقارير الثلاثة لم تكن في صالحه كلية. خلاصات تقرير الطبيب النفسي "م. ك" ورغم الخلط الذي وقعت فيه فإنها تشير صراحة أنه ومن قراءة الملف توجد قرائن قوية على حدوث تعديات جنسية وجسمانية، ولكن لا توجد أدلة قاطعة ومطلقة. ويضيف "م. ك" بأن روايات ويم وجان يمكن أن تكون نتاج "تلقين"، حتى لا نقول أن الأم هي من فعلت ذلك. وبعبارة أخرى، صرح "م. ك" بأنه، في الواقع، لا يعرف الحقيقة. وفي كل الحالات، فمن الصعب أن نقول في هذا التقرير أنه إيجابي تماما لصالح الموثق العدلي X. هذا الأخير كذب على الصحافة في عدة مواضع أخرى. فحسبه، فالأطفال يخافون من مالان، أين تقطن الأم، في حين أن تقرير "م. ك" جاء فيه أن أحد الطفلين أظهر إيجابية كبيرة مع أمه وسلبية شديدة تجاه والده. والطفل الآخر يفضل أحيانا البقاء في أنفير وأحيانا أخرى في مالان. "م. ك" يرى أنه يتعين وضع الأطفال لدى عائلة لرعايتهم، مع حق الزيارة لكلا الوالدين.
في الأسبوع الماضي، ظهر تقرير الخبرة للدكتور "م. ج" بدوره. الدكتور "م. ج" الشاهد الرئيسي في قضية المعاملة المسيئة لــ 16 مايو/أيار، كتب في تقريره أن الوقائع لم تحدث أبدا. وجاء في مقطع آخر من الخبرة: من جهة صرح في خبرته أن الأطفال يرغبون بالبقاء مع والدتهم ومن جهة أخرى ينصح بمنح الحق في الحضانة للأب بعد الطلاق مع حق الزيارة للأم. وأوصى بشكل فوري، كما فعل "م. ك"، بوضع الأطفال في وسط محايد، مع حق زيارة موسع لكلا الوالدين. دون شك يتعين عليك ان تكون خبيرا لتستوعب كل هذه التناقضات.
(...)
وعلى نقيض هذه التقارير المتناقضة والمتضاربة لهؤلاء الأطباء، توجد أدلة دامغة وتقارير لا لبس فيها للبروفيسور "م. أ":
"نظرا لكون الطفلين هما من جديد ضحايا التعديات الجنسية من جانب والدهما، نحن نعتبر بأن أي اتصال لاحق بين الأب والأطفال، سيكون مضرا للغاية بنموهم اللاحق، فوضعهم جد خطير، ذلك أن تطورهم العقلي ونمو شخصياتهم، مهددة بشكل خطير. وبناء على ذلك، نعتبر أنه من الضروري التدخل على سبيل الاستعجال على أساس المادة 2.36 (الأطفال في حالة خطر معنوي) من قانون حماية الشباب" (أغسطس/آب 1984).
الخبير القضائي "م. ب" المعين من طرف قاضي التحقيق "ي. أ":
"كل الاختبارات على ويم وجان تؤدي إلى نفس النتيجة: الطفلين شرحا كيف تمت الاتصالات الجنسية مع والدهما. ويم هو في خضم استيعاب الصدمة النفسية في عقله اللاوعي. وبالنسبة لجان، عملية الاستيعاب هي أكثر صعوبة. تصريحات الأطفال تبدو صادقة و سأعرض العديد من الحجج في هذه النقطة." (أغسطس/آب 1984).
الدكتور "م. س"، الذي فحص الأطفال في إثنين وعشرين مناسبة (وليس في اثني عشر مرة كما ذهب الى ذلك الموثق العدلي كاذبا مرة أخرى في برنامج تلفزيوني) وقد عاين سبعة عشر إصابة غير عرضية:
"لمصلحة كلا الطفلين، يجب صدور قرار قضائي فوري بسحب الطفلين وبشكل دائم من والدهم. والمزيد من التأخر لن يكون مبررا طبيا" (ماو/أيار 1986).
وتبقى وصمة عار، أن ترفض الجهات القضائية الأنفوارية أن تأخذ هذه الأدلة بعين الاعتبار في هذا الملف".
وظهر مع هذا المقال رسمين آخرين لما حدث للأطفال؛ ويتضمن أيضا ما عرضه المدعون على أنه مقتطف من محضر سماع المحضر القضائي "ز. م"، واصفا الكدمات على ساقي الطفل الصغير.
24. بعد صدور حكم 29 سبتمبر/أيلول 1988 (الفقرة 11 أعلاه)، السيدان دي هايس و جيجسل نشرا بتاريخ 14 أكتوبر/تشرين الأول 1988 مقالا هذا مضمونه:
"(...)
بتاريخ 29 سبتمبر/أيلول، محكمة الدرجة الأولى ببروكسل أصدرت حكمها في القضية المرفوعة من طرف قضاة محكمة الاستئناف في أنفير ضد هيمو عقب نشرها لسلسلة مقالات حول الموثق العدلي X. هيمو أدينت على طول الخط. هذا الحكم لم يكن مخيبا وضعيفا من حيث حججه فقط، بل وكان غير مرض تماما. فنائب الرئيس "ي. ف" والقضاة "ي. ج" و "ي. هـ" عالجوا القضية بلامبالاة. لم يكونوا يرغبون بسماع حجج هيمو التي كانت جد قوية، في حين أن النقاش المهم الذي يهم الصحافة ككل، حول علاقة الاعلام بالقضاء، قد تمت تنحيته جانبا بكل بساطة. ونحن نتساءل عما إذا كان السادة القضاة قد قرأوا جيدا تقارير هيمو.
محكمة الدرجة الأولى ببروكسل اختارت الطريق الأسهل: لوم الصحيفة على "التعريضات الهجومية و الاتهامات" ضد القضاة، "التي لا تستند على أي أساس، كونها مجرد ثرثارات و تشويهات مسيئة". ما تعرفه فلاندرز كلها، باستثناء السادة "ي. ف" و"ي. ج" و "ي. هـ"، هو أن شكوكنا في نزاهة قضاة محكمة الاستئناف في أنفير كانت مؤسسة (ولا تزال لليوم كذلك) على تقارير طبية مختلفة، والتي نقلنا مقتطفات منها حرفيا، لذلك فلا وجود لأي تشويه بنية الإضرار. فهل كان الصحفيون مخطئون بنقلهم حرفيا لما ورد في التقارير الطبية المثبتة للحقائق؟
لقد قمنا أيضا بتلطيخ الحياة الخاصة لقضاة في أنفير. لكن هيمو لم تعرض، في أي وقت مضى، خصوصيات القضاة. نحن كنا متقيدين بصرامة وبإرادتنا بالعناصر المرتبطة مباشرة بالقضية، والتي من الممكن التحقق منها في كتب التاريخ والمقالات الصحفية. كيف يمكن لـوقائع تتعلق بشكل واضح وغير مجادل فيه بالرأي العام أن تعتبر فجاه بانها تتعلق بالحياة الخاصة للقضاة؟
والأكثر من ذلك ففي حيثيات تسبيب حكمهم، كتب القضاة "ي. ف" و"ي. ج" و"ي. هــ" بصراحة بأننا: "(لا نسعى)، سوى، لأثبات صحة ادعاء الزوجة السابقة للموثق العدلي ومستشارها الفني (البروفيسور "م. أ")". لقد راعينا تأكيدات الزوجة السابقة للموثق العدلي X. ومع ذلك نحن لم نركز سوى على المعاينات والتقارير الطبية لعدد كبير من الأطباء.
ومع ذلك، فمحكمة الدرجة الاولى أخفت جذريا وببساطة هذه الحقائق.
والأكثر من ذلك، أحد أكثر العوامل المهمة في قضية الموثق X تم التهرب منها بذكاء: النزاع بين مهنة الطب و سلطة القضاء. حسب المحكمة، فانه يجب أن يسعى الصحفي "لاحترام الحقيقة"، ونحن نشاطر ذلك عن طيب خاطر، لكن نفس الالتزام يتعين أن يخضع له القضاة.
حكم محكمة الدرجة الأولى كان دراميا حقا، عندما هاجم التقارير الطبية بمجرد إحالة بسيطة لقرارات قضاة محكمة الاستئناف، التي لم تأخذ تلك التقارير على محمل الجدية. وهذا بالضبط ما تندد به هيمو. لأجل هذا كانت لنا أسبابنا. ماذا فعلت محكمة الدرجة الأولى لبروكسل؟ قرارات زملائهم القضاة استعملت كدليل ضد هيمو. وبعبارة أخرى، وحدها قرارات قضاة أنفير هي الحقيقة. وإذا كان هذا هو الحال، فكل شخص يشكك في حكم قضائي، بما في ذلك الصحفيون، يخاطر بتحمل المسؤولية، لان القاضي دائما على حق. هذه ليست الحقيقة، ولكنها "الحقيقة الرسمية ولا شيء غير الحقيقة الرسمية" سينشر في صحافتنا مستقبلا. أهذا ما يريده الناس؟
بشكل واضح، قضاة بروكسل "ي. ف"، "ي. ج" و "ي. هـ" لا يمكن أن يحاكموا زملائهم القضاة في محكمة الاستئناف في أنفير مع مسافة الاستقلالية المطلوبة. وقد دخلوا في خط القضاء المتحيز الذي نددنا به في محاكمة الموثق العدلي X. هيمو بدورها ستستأنف هذا الحكم.
ثانيا: القوانين المحلية ذات الصلة
25. المادة 18 السابقة (المادة 25 حاليا)، في فقرتها الأولى، من الدستور البلجيكي تنص على أن:
"الصحافة حرة؛ ولا يمكن أن تكون محل رقابة مطلقا؛ ولا يمكن مطالبة الكتاب أو الناشرين أو المطابع، بدفع كفالات".
26. الأحكام ذات الصلة من القانون المدني هي كما يلي:
المادة 1382
"كل فعل أيا كان، يرتكبه الشخص، ويسبب ضررا للغير، يلزم من كان سببا في حدوثه، بالتعويض".
المادة 1383
"كل شخص مسؤول عما يسببه من أضرار، ليس فقط من فعله، ولكن أيضا من امتناعه أو إهماله".
أما بالنسبة للفقه والاجتهاد القضائي، فخرق أحكام قانون العقوبات، يشكل بحد ذاته، خطأ بمفهوم المادة 1382 من القانون المدني (أنظر: L. Cornelis, Beginselen van het Belgische buitencontractuele aansprakelijkheidsrecht ص. 62، رقم 41؛ قرارات محكمة النقض في 31 يناير/كانون الثاني 1980. Pasicrisie 1980، مجلد 1، ص.622) و13 يناير/كانون الثاني 1988 (Rechtskundig Weekblad. 1988-89. سلسة رقم: 159). وتعتبر المواد 1382 و1383 من القانون المدني الأساس القانوني للدعاوى المدنية المتعلقة بالتعسف في حرية الصحافة (قرار محكمة النقض بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 1952. Pasicrisie. 1953. الجزء الاول. ص.215). فيعتبر المنشور متعسفا إذا ما خرق أي نص من قانون العقوبات - دون الحاجة لاجتماع كل العناصر المشكلة للجريمة -، نشر اتهامات طائشة دون أدلة كافية، توظيف عبارات جارحة أو تعابير مبالغ فيها، وكذلك انتهاك احترام الحياة الخاصة أو خصوصية الأفراد.
27. المواد 443 إلى 449 وكذا المادة 561 فقرة 7 من قانون العقوبات، تجرم وتعاقب على القذف والتشهير والسب والشتم. وطبقا للمادة 450، فالجنح، التي ترتكب ضد الأفراد، لا يمكن ملاحقة مرتكبيها إلا بناء على شكوى من الشخص المتضرر أو، في حالة وفاته، من طرف زوجه أو فروعه، أو ورثته الشرعيون إلى غاية الدرجة الثالثة. من جهتها، تعاقب المواد 275 و276 من نفس القانون على الإهانة الموجهة ضد أعضاء الهيئة القضائية.
الإجراءات أمام اللجنة
28. السيدان دي هايس وجيجسل، أخطرا اللجنة بتاريخ 12 مارس/آذار 1992، يرافعان بأن إدانتهما تخرق الحق في حرية التعبير المضمون بموجب المادة 10 من الاتفاقية، كما الإدانة كانت مؤسسة على تفسير خاطئ للمادة 8 من نفس الاتفاقية. ودفعا كذلك بأنهما لم يتمتعا بمحاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ومحايدة بمفهوم المادة 6 من الاتفاقية.
29. قبلت اللجنة الشكوى (رقم 19983/92) بتاريخ 24 فبراير/شباط 1995. وفي تقريرها بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1995 (المادة 31)، خلصت في رأيها إلى وجود انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية (6 أصوات مقابل ثلاثة) وللمادة 6 من الاتفاقية (بالإجماع)، ولا وجود لانتهاك للمادة 8 من الاتفاقية. ويرد النص الكامل لرأي اللجنة والآراء المخالفة كمرفقين بهذا الحكم[3].
المذكرات النهائية المقدمة للمحكمة
30. في مذكرتها طلبت الحكومة من المحكمة "القول بأنه لا يوجد أي انتهاك للمواد 6 و10 من الاتفاقية".
31. ألتمس المدعيان في مذكرتهما من المحكمة "التصريح بوجود انتهاك للمادة 10 والمادة 6 من الاتفاقية".
من حيث القانون
أولا: حول الانتهاك المزعوم للمادة 10 من الاتفاقية
32. يزعم المدعيان أن إدانتهما من طرف محكمة أول درجة ثم من طرف محكمة الاستئناف ببروكسل يعد انتهاكا للمادة 10 من الاتفاقية التي تنص على أنه:
"1- لكل شـخص الحـق في حرية التعبير. ويشـمل هذا الحـق حـرية الرأي، وحـرية تلقي المعلـومات أو الأفكـار وإذاعتهـا من دون تدخل السـلطات العامـة ومن دون التقيـد بالحـدود الجغـرافية. لا تمنـع هذه المـادة الدول من إخضاع نشـاط مؤسـسـات الإذاعة أو السـينما أو التلفزة لطلبـات الترخيـص.
2- يجـوز إخضـاع ممارسـة هذه الحريات التي تتطلـب واجبـات ومسـؤوليات لبعـض الشـكليات أو الشـروط أو القيود أو المخالفـات التي يحـددها القانون، والتي تعّد في مجتمـع ديمقراطـي تدابير ضـرورية لحفـظ سـلامة الوطن وأراضـيه، والأمن العام وحمـاية النظـام، ومنع الجريمـة، وحمـاية الصـحة والأخلاق، وحمـاية حقـوق الآخرين وسـمعتهم، وذلك لمنع إفشـاء المعلومات السـرية، أو ضمان سـلطة الهيئة القضـائية ونزاهتها".
33. الإدانة المطعون فيها، تحلل دون شك، على أنها "تدخل" في ممارسة المدعيين لحريتهما في التعبير. ويعتبر هذا التدخل "منصوصا عليه في القانون" ويرمي على الأقل الى إحدى الأهداف المشروعة المنصوص عليها في المادة 10 فقرة 2: حماية سمعة وحقوق الغير، وهم في تلك القضية؛ القضاة المدعون.
المحكمة تشاطر هذا الرأي. ومن ثم يتعين عليها البحث، فيما إذا كان هذا التدخل "ضروريا في مجتمع ديمقراطي"، لتحقيق هذا الهدف.
34. السيدان دي هايس وجيجسل يؤكدان على كون مقالاتهما تندرج ضمن سياق النقاش العام الذي تناولته صحف أخرى، بخصوص قضية زنا المحارم في فلاندرز وحول الطريقة التي عالج بها القضاء هذه الإشكالية. وقبل كتابتهم لهذه المقالات، اجتهدوا في إجراء أبحاث كافية للحصول على آراء العديد من الخبراء، وهو ما مكنهم من تأسيس قاعدة موضوعية تتضمن العديد من الأدلة. والسبب الوحيد في أنهم لم يقدموا تلك الأدلة للمحكمة هو الحفاظ على سرية مصادر معلوماتهم. ورفض المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف ببروكسل إدراج الوثائق المشار اليها من قبلهم، في ملفهم القضائي، يعتبر، بحد ذاته، خرقا للمادة 10 من الاتفاقية.
وحول انتقادهم للقضاة المعنيين، فلا يوجد مبرر لعقابهم لمجرد أن انتقاداتهم تلك كانت مخالفة لما جاء في قرارات محكمة الاستئناف في أنفير. فالواقع، أن "الحقيقة القضائية" التي جاءت في قرار قضائي لا تعني أن كل رأي آخر مخالف سيعتبر خاطئا خلال مراقبة ممارسة حرية الصحافة. العكس هو الذي حدث بالضبط في هذه القضية رغم أن المقالات المنتقدة استندت الى معلومات موضوعية وكافية. وباختصار، فالتدخل المنازع فيه لا يعتبر ضروريا في مجتمع ديمقراطي.
35. اللجنة قبلت، من حيث الموضوع، بهذا الطرح.
36. دفعت الحكومة بأنه، وبعيدا عن مناقشة سير النظام القضائي في بلجيكا، فالمقالات الصحفية المنتقدة لا تتضمن سوى إهانات شخصية موجهة للقضاة الأونفواريين ولا تستحق إذا أي حماية كتلك التي تمنح لمختلف أطراف التوجهات السياسية. الآراء المعبر عنها من طرف الصحفيين لا يمكنها الاستفادة من حصانة بسبب عدم إمكانية التحقق من مصداقيتها. وفي هذا النزاع، فالمقالات المعنية قد تجاوزت حدود النقـــد المقبول لذا كانت عرضة للعقوبة. وكان من الممكن أيضا انتقاد طريقة معالجة العدالة لقضايا السيد X دون مهاجمة أشخاص القضاة المعنيين ولا اتهامهم بالتحيز و بالسلوك غير المستقل وفي هذا الصدد، ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أيضا أن واجب التحفظ الواقع على القضاة يمنعهم من القيام بردود فعل للدفاع عن أنفسهم كما هو الحال بالنسبة لرجال السياسة.
37. تذكر المحكمة بأن الصحافة تلعب دورا أساسيا في مجتمع ديمقراطي: ما لم تتجاوز حدودا معينة، خاصة ما تعلق منها بسمعة وحقوق الغير، فيقع عليها على الأقل حال ممارستها للإعلام بنقل المعلومات والأفكار وكل المسائل ذات المصلحة العامة، بما في ذلك ما يتعلق بسير السلطة القضائية، أن تحترم واجباتها ومسؤولياتها.
عمل ألمحاكم التي تعتبر الضامن للعدالة، والتي يعتبر دورها أساسيا في دولة القانون، تحتاج لثقة الجمهور. ولذلـك، يتعين حمايتها من التهجمات الغير مؤسسة، لا سيما في ظل واجب التحفظ الذي يحظر على القضاة القيام بردود الفعل.
في هذه المسألة كما في غيرها، يعود للسلطات الوطنية، في المقام الأول، أن تقرر الحاجة للتدخل في ممارسة حرية التعبير. وما يمكن أن تفعله في هذا الصدد يبقى دائما تحت رقابة أوروبية، سواء على مستوى التشريع أو على مستوى القرارات المطبقة له، ولو كانت هذه القرارات صادرة عن جهات قضائية مستقلة (أنظر: مع ما يلزم من تعديل، قرارا براجر وأوبرشليك ضد النمسا بتاريخ 26 أبريل/نيسان 1995، سلسلة أ، رقم 313، ص. ص. 17-18 فقرات 34-35).
38. تلاحظ المحكمة أن المدعيان أدينا عن مجموع المقالات التي قاما بنشرها، من تاريخ 26 جوان إلى 27 نوفمبر 1986، بخصوص قضية الموثق العدلي X.
يجب أن يؤخذ هذا بعين الاعتبار لتقدير حجم وضرورة التدخل المنازع فيه.
39. تحتوي هذه المقالات على معلومات وفيرة ومفصلة حول ظروف القضية التي اتخذت فيها القرارات المتعلقة بحضانة أطفال السيد X. هذه المعلومات تستند على بحث شامل عن الوقائع المزعومة حول هذا الأخير، وعلى رأي الكثير من الخبراء الذين أوصوا المدعيان بضرورة كشفها لمصلحة الطفلين.
وحتى محكمة الاستئناف في أنفير اعتبرت أن زوجة السيد X ووالديها اللذين كانا محل متابعة جنائية بتهمة التشهير "لم تكن لديهم أسباب جدية للتشكيك بصدقية هذه الوقائع" (أنظر الفقرة 8 أعلاه).
في ظل هذه الظروف، لا يمكن النعي على المدعيين بإخلالهم بالوفاء بالتزاماتهم المهنية بنشرهم ما توفر لديهم من معلومات حول هذه القضية. يقع على عاتق الصحافة، في واقع الأمر، أن تنقل المعلومات والأفكار ذات المصلحة العامة؛ بموجب التزامها بنشرها، فضلا عن حق الجمهور في الحصول عليها انظر من مجمل قرارات أخرى، قرارات جيرسيلد ضد الدنمارك بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول 1994، سلسلة أ، رقم 298، ص 23، فقرة 31. وغودوين ضد. المملكة المتحدة بتاريخ 27 مارس/آذار 1996، مجلة الأحكام والقرارات 1996-2، ص 500، فقرة 39). كل ذلك كان صحيحا، وعلى وجـه الخصوص في هذه الحالة، نظرا لخطورة الوقائع المنتقدة، والمتعلقة بمصير أطفال صغار وفي الوقت نفسه بسير جهاز القضاء الأونفواري. فضلا عن ذلك، فقد أوضح المدعيان، في هذا الصدد، وبشكل جلي، في مقالهما بتاريخ 18 سبتمبر/أيلول 1986 بأن: "الصحافة لا يمكنها أن تمارس مهمة القضاء، ولكن في مثل هذه الحالة المشينة، فليس مسموحا ولا ممكنا أن نبقى صامتين" (انظر الفقرة 21 أعلاه).
41. وتجدر الإشارة أن القضاة في دعواهم التي رفعوها ضد الصحفيين، لم يشككوا في مذكراتهم سواء أمام المحكمة أو محكمة الاستئناف في المعلومات المنشورة بخصوص مصير الأطفال X، وركزوا على البند القائل بأن القضية قد سحبت من القضاء الأونفوراي (الفقرتين 22 و 23 أعلاه). ومع ذلك، فوزن هذا البند الأخير مقارنة بالمقالات المطعون فيها ككل، فضلا عن قيام المدعين بتصحيح ذلك من تلقاء أنفسهم، لا يمكن أن ينال من جدية العمل الصحفي المنجز.
في الحقيقة، تتعلق مظالم القضاة أساسا بـ: التهجمات الشخصية التي شعروا أنهم كانوا عرضة لها في تعليقات الصحفيين على حادثة إسناد حضانة الأطفال X. وبأنهم قد اتهموا من قبل المدعيين في مقالهما بالتحيز الملحوظ وبالنذالة. وهو ما يشكل قذفا لهم ومساسا بشرفهم. كما أن قيام المدعيين باتهام إثنين من القضاة بالتعاطف الواضح مع اليمين المتطرف، يعد انتهاكا خطيرا للحق في الحياة الخاصة لهؤلاء.
من حيث الموضوع، قبلت الجهات القضائية ببروكسل بهذا الطرح (الفقرات 11 و14 أعلاه): والجدير بالذكر هو أن قرار محكمة الاستئناف خلص إلى ارتكاب المدعيين لذنب لنشرهما تصريحات غير مؤكدة تتعلق بالحياة الخاصة للقضاة المدعين وخلصت إلى وجود استنتاجات كاذبة وتشهيرية للمعنيين لما نسبوا للقضاة عدم حيادهم حال معالجتهم لقضية الأطفال X. ومما جاء في قرارها ما يلي:
"في هذه القضية، تجرأ المستأنفان على الذهاب بعيدا، ودون أي دليل مبدئي، بأن استخلصوا وجود التحيز المزعوم من شخصيات القضاة ذاتها، وهو ما يعد مساسا بحياتهم الخاصة، وهو ما يعتبر، دون أدنى شك، غير شرعي؛
فضلا عن ذلك، فالهدف من هذه المناقشة، في نهاية المطاف، ليس إعادة تقرير ماهي الحقيقة الموضوعية في القضية التي فصل فيها المدعون الأصليون بشكل نهائي آنذاك، ولكن فقط، فحص مسألة مدى كون التعليقات الصحفية المطعون فيها، تشكل قذفا، دون أي شك في ذلك؛"
42. تذكر المحكمة بأنه يتعين في هذا المقام التمييز بدقة بين الوقائع والأحكام القيمية. فإذا كانت مادية الوقائع يجب أن يتم إثباتها، فإن الأحكام القيمية لا تخضع لإثبات صحتها (قرار لينغينس ضد النمسا بتاريخ 8 يوليو/تموز 1986، سلسة أ، رقم 103، ص.28، فقرة 46).
43. فيما يتعلق بالبيانات حول التعاطف السياسي لبعض القضاة، تجدر الاشارة أن محكمة الاستئناف ببروكسل قد قضت بأنه:
"حتى ولو كان المستأنفون يعتقدون أن أحكام القضاة قد تأثرت ببعض المفاهيم الإيديولوجية - وهي المفاهيم التي بقيت دونما إثبات - فذلك لا يسمح لهم على أي حال بأن يستخلصوا من وجهات النظر تلك - حتى ولو ثبت - أن القضاة كانوا منحازين وأن ينتقدوهم بذلك علنا؛" (الفقرة 11 أعلاه).
من الواضح هنا، أنه حتى ولو كانت تلك المزاعم صحيحة، فذلك لم يكن ليمنع الإدانة عن المدعيين، كون أن هذه الإدانة لا تتعلق بالوقائع المعروضة، بل بالتعليقات التي استلهمها الصحفيون.
44. ويضاف إلى عناصر ألمعلومات تلك التي تمكن المدعين من جمعها حول سلوك السيد X تجاه أولاده، والتي كانت بحد ذاتها مبررة لنقدهم للقرارات المتخذة من طرف أو بمساعدة القضاة المعنيين، فهم أعربوا عن اعتقادهم بكون التعاطف السياسي لهؤلاء القضاة من شأنه أن يدعم فكرة أن هذه التعاطفات ليس غريبة عن تلك القرارات المتخذة.
45. ومن مصادر معلوماتهم حول هذه التعاطفات السياسية، والتي زعم أنها غير مقبولة: ما تعلق بماضي والد أحد القضاة المنتقدين من طرف الصحفيين (الفقرة 19 اعلاه). في الواقع، لا يمكن القبول بتعرض شخص ما للازدراء بسبب مسائل خاصة بأحد أفراد عائلته. هذا الاستشهاد بحد ذاته، يمكن أن يكون مبررا لعقوبة معيـنة.
مع ذلك، فهذا لا يشكل سوى أحد عناصر هذه القضية. ففي السياق العام لها، فإن المدعين قد أدينوا بسبب مجموع انتقاداتهم بالتحيز التي وجهوها للقضاة الأربعة في هذا النزاع.
46. في هذا الصدد، تذكر المحكمة بأن حرية التعبير لا تنطبق فقط على "المعلومات" و "الأفكار" المتقبلة بشكل إيجابي أو المعتبرة بأنها غير مؤذية أو غير مختلفة، ولكن أيضا، على تلك التي تعتبر مسيئة أو صادمة أو معكرة لصفو الدولة أو أي فئة من المجتمع. فضلا عن هذا، فالحرية الصحافية، تتضمن إمكانية اللجوء إلى جرعة معينة من المبالغة، بل وحتى الاستفزاز (انظر، مع ما يلزم من تعديل، قرار براجر وأوبرشيليك، مرجع سابق، ص.19، فقرة 38).
47. ونظرا لسياق قضية الحال، فالانتقادات التي تشكل رأيا هي، وبحكم تعريفها، لا تخضع لموجب إثبات صحتها. مثل هذا الرأي، يمكن أن يعتبر متجاوزا، خاصة في حالة غياب أي أساس واقعي، وهو الأمر لم يعاين وجوده هنا، وهكذا فقضية الحال متميزة عن قضية براجر وأوبرشيليك (قرار سبقت الإشارة إليه ص 18، فقرة 37).
48. فإذا كانت تعليقات السيدين دي هايس وجيجسل تتضمن، بكل تأكـيد، انتقادات جد قاسية، إلا أنها كانت متناسبة مع الضجة والسخط الناجمين عن الوقائع المزعومة في المقالات المطعون فيها. وبخصوص جدلية وعدوانية لهجة الصحفيين - والتي لا تقرها المحكمة - فإنه يجب التذكير بأن المادة 10 من الاتفاقية لا تحمي فقط جوهر ومضمون الأفكار المعلومات المعبر عنها، بل تحمي كذلك طريقة نقلها وشكل التعبير عنها (انظر، قرار جيرسيلد، سبقت الإشارة إليه، ص 23، فقرة 31).
49. وخلاصة ذلك، ترى المحكمة أنه ونظرا لخطورة ملابسات القضية والمسائل التي تثيرها، فضرورة التدخل في ممارسة حرية التعبير للمدعيين غير ثابتة، إلا ما تعلق بالإشارة لماضي والد أحد القضاة المعنيين (الفقرة 45 أعلاه).
يوجد، إذن انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية.
ثانيا: حول الانتهاك المزعوم للمادة 10 من الاتفاقية
50. المدعيان يثيران كذلك انتهاك المادة 6 فقرة 1 من الاتفاقية، والتي تنص على أنه:
«لكل شخص الحق في محاكمة عادلة (...) من طرف محكمة (...) محايدة (...) تفصل (...) في المنازعات حول حقوقه والتزاماته ذات الطابع المدني (...)».
ينعي المدعيان، بداية، على المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف ببروكسل رفضهما إدراج الوثائق المشار اليها في المقالات المطعون فيها، ضمن الملف القضائي أو، على الأقل، سماع بعض الشهود الذين اختاروهم (الفقرة 10 و12 أعلاه). وهو ما نتج عنه عدم المساواة في الأسلحة بين القضاة، الذي يعرفون ما بالملف، وبين الصحفيين، الذين، وبمواردهم المحدودة، يحاولون بناء الحقيقة.
علاوة على ذلك، أثارت محكمة الاستئناف ببروكسل حجة ضد السيدين دي هايس و جيجسل مستمدة من مقالهما المنشور في 14 أكتوبر/تشرين الثاني 1988 (الفقرة 24 أعلاه)، فقضت محكمة الاستئناف بما لم يطلب منها؛ لأنه ومن جهة أولى، فالقضاة المنتقدين في هذا المقال ليسوا أطرافا في الموضوع أمام محكمة الاستئناف و، من جهة أخرى، فقرارهم لم تتم إثارته في العريضة الاصلية للدعوى. وهكذا، فمحكمة الاستئناف تكون قد استندت على عناصر لم تخضع لمناقشة وجاهية، وهو ما يعتبر خرقا لحقوق الدفاع.
أخيرا، فالمصطلحات المهينة المستخدمة في قرار محكمة الاستئناف ببروكسل تشهد على انتفاء الحياد الذاتي من جانبها.
51. من حيث الموضوع تشاطر اللجنة رأي المدعين حول آثار الانتهاكات المزعومة فيما يتعلق بالمساواة في الأسلحة وحقوق الدفاع. ولا تجد أنه من الضروري الفصل بخصوص حياد محكمة الاستئناف ببروكسل.
52. بالنسبة للحكومة مبادرات الإثبات المقدمة من طرف الصحفيين تهدف للتشكيك في القرارات المتخذة فصلا في النزاع بين السيد X وزوجته والتي كانت قد حازت قوة الشيء المقضي به. لذلك رفضت الجهات القضائية ببروكسل، وهي محقة في ذلك، مبادرات الاثبات تلك، لأنها تعتبر أن "الحقيقة القضائية" تنبع فقط من الأحكام والقرارات الصادرة في قضايا السيد X. وباختصار، فتقديم الوثائق المنازع فيها ليس له أي دور حاسم في هذه القضية. وهذا ما أكدته المحكمة العليا.
وبخصوص إشارة محكمة الاستئناف للمقال الصحفي المؤرخ في 14 أكتوبر/تشرين الأول 1988، فهو ليس سوى سبب إضافي زائد، فإدانة المدعيين استندت، أساسا، على أسباب أخرى. إن الإشارة للمقال المعني في عرائض القضاة المدعين، لا يهدف إلى تعديل طلبهم ولكن لمجرد تسليط الضوء على عدائية السيدين دي هايس وجيجسل.
53. تذكر المحكمة بأن مبدأ المساواة في الأسلحة - أحد العناصر المشكلة لمفهوم أوسع هو المحاكمة العادلة - يستلزم أن كل طرف يجب أن تتاح له فرصة معقولة لعرض قضيته في ظل ظروف لا يكون فيها موضع حرمان مقارنة بخصمه (انطر، من بين قرارات أخرى، قرار أنكيرل ضد سويسرا بتاريخ 23 أكتوبر/تشرين الأول 1996، مجلة 1996-V، ص ص 1565-1566، فقرة 38).
54. تلاحظ المحكمة أن القضاة المعنيين في مذكراتهم التي قدموها أمام المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف ببروكسل، قد أثاروا من حيث الموضوع، بأن الانتقادات الموجهة إليهم في هيمو لا تجد لها أي سند في وقائع القضية وبالتأكيد ليس في الأحكام الأربعة الصادرة عنهم أو بمساعدتهم، في هذه القضية، والتي لا يمكن أن تدحض بأي دليل آخر. وأشار القضاة المعنيون، وبغية نفي أي أساس عن أطروحة الصحفيين، إلى مضمون الملف الذي عالجوه والأحكام ذات الصلة.
مثل هذا التأكيد، يتمتع بنوع من المصداقية لكونه صادرا عن المستشارين والمحامي العام، الذين هم أطرف في معالجة هذه القضية، وهذا من شانه أن يقلل من جدية الطعن أمام العدالة إذا كان المتهمون لا يمكنهم على الأقل تقديم بعض الأدلة أو الشهادات ذات الصلة بهذا الغرض.
55. وفي هذا الصدد، فإن المحكمة لا تشاطر رأي محكمة الاستئناف ببروكسل بكون طلب استحضار الأدلة يظهر عدم جدية السيدين دي هايس وجيجسل في تحرير مقالهما. وتعتبره مشروعا هاجس الصحفيين بعدم الكشف عن مصادر معلوماتهم بأن يقدموا هم أنفسهم تلك الوثائق. (انظر، مع إجراء التعديلات اللازمة، قرار غودوين، سبقت الإشارة إليه، ص 502، فقرة 45). وعلاوة على ذلك فقد كانت تلك المقالات غنية بالتفاصيل حول مصير أطفال X ونتائج الفحوصات الطبية المنجزة عليهم، مما يتعين معه القول بأنه من غير المعقول أن نفترض، في ظل عدم وجود فحوصات أخرى، بان كتاب تلك المقالات لم يكن لديهم بعض المعلومات ذات الصلة بهذه المادة.
56. وتجدر الإشارة الى أن أطروحة الصحفيين لا يمكن أن توصف بأنها مفتقرة لأي أساس، فحتى قبل مرافعة المدعين من طرف القضاة، كانت كل من المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف في أنفير حال فصلها في قضية التشهير المرفوعة من السيد X ضد زوجته و والديها، قد اعتبرت بأن المتهمين لم تكن لديهم أسباب جدية للتشكيك في صحة الوقائع المزعومة من طرفهم (انظر الفقرة 8 أعلاه).
57. وفي جميع الأحوال فالإجراءات المتخذة ضد المدعين من طرف القضاة لا تتعلق بالتأسيس الجيد للقرارات الصادرة في قضية الموثق X، ولكن فقط بفحص مسألة ما إذا كان بإمكان المدعين، في ظل ظروف النزاع، التعبير بتلك الطريقة التي فعلوها. والإجابة عن ذلك، لا تحتاج لتقديم كامل ملف الإجراءات المتعلقة بالسيد X، ولكن فقط تلك الأدلة التي من شانها إثبات أو نفي مزاعم المدعين.
58. ومن الجيد أن السيدين دي هايس وجيجسل قد قدما طلبهما أمام المحكمة الابتدائية ثم أمام محكمة الاستئناف ببروكسل المتعلق بضرورة أن تتم على الأقل دراسة آراء الخبراء الثلاثة الذين قاموا بالفحوصات التي دفعتهما لكتابة مقالاتهم (الفقرة 10 أعلاه). وبرفضها البسيط والصريح، تكون المحاكم قد وضعت الصحفيين في مركز غير مناسب تماما مقارنة بالقضاة المدعين. فهنالك إذا خرق لمبدأ المساواة في الأسلحة.
59. هذه المعاينة، ولوحدها، تشكل خرقا للمادة 6 فقرة 1 من الاتفاقية. وبالنتيجة، فالمحكمة لا تعتبر أنه من الضروري فحص بقية الأوجه الأخرى المثارة من طرف المدعين في نطاق حكم المادة 6 فقرة 1.
ثالثا: حول تطبيق المادة 50 من الاتفاقية.
60. بموجب المادة 50 من الاتفاقية فإنه:
«إذا تبين للمحكمة أن قرارا صدر، أو تدبيرا اتخذ، من جانب سلطة قضائية أو أي سلطة أخرى لأحد الأطراف السامية المتعاقدة، مخالفا كليا أو جزئيا للالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة، وكان القانون الداخلي للطرف المذكور يسمح فقط بتعويض جزئي عن الآثار الضارة لهذا القرار أو التدبير، فللمحكمة حسبما تراه ضروريا، أن تقضي بترضية عادلة للطرف المضرور».
أ. الضرر المادي
61. طالب المدعيان بتعويض قدره 113101 فرنك بلجيكي. تتعلق هذه التعويضات بتكاليف نشر قرار محكمة الاستئناف ببروكسل في 05 فبراير/شباط 1990 في أسبوعية هيمو. فضلا عن "فرنك كفالة" لنشر القرارات في ستة جرائد يومية، والذي لم يتم لحد الآن.
62. مندوب اللجنة والحكومة لم يقدما أي ملاحظة.
63. المحكمة تعتبر أن نشر هذا الحكم كان نتيجة مباشرة للإدانة المصرح بها خطأ ضد السيدين دي هايس وجيجسل، وبذلك فالطلب يعتبر مبررا.
ب. الضرر المعنوي
64. الصحفيان يطالبان كذلك بمبلغ 500000 فرنك بلجيكي، كتعويض عن الضرر المعنوي الناجم عن الدعاية السلبية والمتاعب النفسية التي أعقبت الحكم بإدانتهم.
65. الحكومة اعتبرت أن حكم المحكمة كاف لتعويض هذا الضرر.
مندوب اللجنة لم يبد وجهـة نظره.
66. حسب رأي المحكمة، فالقرارات الصادرة من طرف الجهات القضائية البلجيكية ضد المدعيين قد سببت لهم بعض الاضطرابات. ومع ذلك، فمعاينة خرق الاتفاقية تتيح لهم ترضية عادلة وكافية، في هذا الإطار.
ج. التكاليف والنفقات
67. فيما يتعلق بتكاليف ونفقات تمثيلهم أمام العدالة، طالب السيدين دي هايس وجيجسل بمبلغ إجمالي قدره851697 فرنك بلجيكي: 332031 فرنك بلجيكي من أجل الإجراءات أمام المحاكم الداخلية و 519666 فرنك بلجيكي من أجل المصاريف أمام هيئات المعاهدة، بما في ذلك مبلغ 179666 فرنك بلجيكي عن تكاليف للترجمة.
68. مندوب اللجنة والحكومة لم يبديا أي ملاحظات.
69. وهكذا، فالمحكمة تقبل الطلب.
د. فوائد التأخير
70. حسب المعلومات المتوفرة لدى المحكمة فان المعدل القانوني للفائدة المطبق في بلجيكا، بتاريخ اعتمادا هذا القرار هو 7 % عن كل سنة.
لهذه الأسباب، فالمحكمة
1. تصرح، حسب سبعة أصوات مقابل إثنين، أن هناك خرقا للمادة 10 من الاتفاقية؛
2. تصرح، بالإجماع، بوجود انتهاك للمادة 6 فقرة 1 من الاتفاقية؛
3. تصرح، بالإجماع، بأن الدولة المدعى عليها ملزمة بأن تدفع للمدعيين، خلال أجل ثلاثة أشهر، مبلغ 113101 (مائة وثلاثة عشر ألف ومائة وواحد) فرنك بلجيكي (ف. ب) لأجل الأضرار المادية و 851697 (ثمانمائة وواحد وخمسون ألفا وستمائة وسبعة وتسعون) فرنك بلجيكي كتعويض عن النفقات والتكاليف، وهي المبالغ التي ترفع بنسبة فائدة تقدر بــ 7 % سنويا من تاريخ انتهاء أجل الثلاثة أشهر المشار اليه أعلاه ولغاية تسوية العارض بالدفع؛
4. تصرح، وبالإجماع، بان هذا القرار يشكل بحد ذاته ترضية عادلة وكافية عن الضرر المعنوي.
حرر بالفرنسية والانجليزية، ونطق به في جلسة علنية بقصر حقوق الانسان، في ستراسبورغ، بتاريخ 24 فبراير/شباط 1997.
رولف ريزدال هربرب بيتزولد
الرئيس الكاتب
وفقا للمادة 51 فقرة 2 (51-2) من الاتفاقية والمادة 55 فقرة 2 من النظام الداخلي B، يتضمن هذا القرار، مرفقا بالآراء الفردية التالية:
- رأي مخالف جزئي للسيد ماتشر؛
- رأي مخالف جزئي للسيد مورينيلا.
رأي مخالف جزئيا للسيد القاضي ماتشر
لا أستطيع أن أتفق مع غالبية أعضاء الغرفة في تأكيدهم لوجود انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية.
وعلى الرغم من تأييدي كليا لما جاءت به الغرفة حول موضوع حرية التعبير، ولا سيما أهمية حرية الصحافة في مجتمع ديمقراطي، فأعتقد أنها تجاهلت حدود تلك الحرية ومدى أهميتها أيضا في مجتمع ديمقراطي متحضر. وعلاوة على ذلك، فالمادة 10 في فقرتها الثانية تتحدث صراحة عن "الواجبات والمسؤوليات" التي تتضمنها حرية الصحافة، والتي يبدو أن وزنها ضئيل في الاجتهاد القضائي للمحكمة.
وبتطبيق هذه المبادئ على قضية الحال، يمكنني أن أقول ما يلي:
للمدعين الحق في مهاجمة قـرار محكمة الاستئناف في أنفير الذي يعهد للسيد X بحضانة الأطفال، والمعلومات الموضوعية التي كانت متاحة لهم تبرر لهم انتقادات أكثر شدة لهذا القرار. ومع مراعاة ظروف هذه القضية، يكون من المشروع التساؤل كيف للقضاة أن يتخذوا مثل ها القرار.
ومع ذلك، ما أعتبره خطأ في المقالات الصحفية التي أدت إلى إدانة المدعين بعقوبة - ولو أنها رمزية -، هو التلميح بأن القضاة الذي أصدروا الحكم في هذه القضية قد تصرفوا بسوء نية بسبب تعاطفهم السياسي أو الإيديولوجي، منتهكين بذلك واجباتهم بالاستقلالية والحياد، كل هذا حماية للأشخاص الذين لديهم أفكار سياسية مشابهة لتلك التي يتبناها هؤلاء القضاة. لا شيء يبرر مثل تلك التلميحات، حتى ولو كانت الآراء السياسية للقضاة معروفة.
في مثل هذه الظروف، فالتدخل الذي من أجله تمت الإدانة كان "ضروريا"، بمفهوم الفقرة الثانية من المادة 10، ولم يكن غير متناسب.
رأي مخالف جزئيا للسيد القاضي. مورينيلا.
1. للأسف، أنا أختلف مع الأغلبية فيما يتعلق بالنتيجة التي توصلوا إليها من وجود انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية في هذه القضية. في رأيي، إدانة المدعيين بتهمة التشهير من طرف الجهات القضائية البلجيكية، الفاصلة في المسائل المدنية، كان ضروريا في مجتمع ديمقراطي ومتناسبا بمفهوم الفقرة 2 من المادة 10.
في الأحكام المنتقدة الصادرة عن محكمة الدرجة الأولى ببروكسل وقرارات محكمة الاستئناف ببروكسل ومحكمة النقض، فالمتهمين السيدين دي هايس وجيجسل، الصحفيين المحترفين، قد أدينا بسبب عمل غير شرعي. وحكم عليهما بأن يدفعا لكل واحد من المدعين (القضاة الأربعة بمحكمة الاستئناف في أنفير) فرنكا رمزيا كتعويض عن الضرر المعنوي اللاحق بهم، وأن ينشروا القرار كاملا في أسبوعية هيمو التي سبق وأن نشرت خمسة مقالات، بين يوليو/تموز ونوفمبر/تشرين الثاني 1986، تنتقـد القرارات الصادرة عن الغرفة الثالثة لمحكمة الاستئناف في أنفير، بعبارات اعتبرها قضاة هذه الغرفة بأنها تشكل قذفا وتشهيرا ضدهم؛ القضاة المدعين يمكنهم فضلا عن ذلك نشر الحكم، على نفقة المحكوم عليهم، في ستة جرائد.
القرارات المنتقدة صدرت في إطار إجراءات الطلاق التي منحت بموجبها المحكمة للأب حضانة الأطفال رغم الاتهامات الموجهة له من طرف زوجته بزنا المحارم على أطفاله والتعدي عليهم.
2. وكما ذهبت إلى ذلك الأغلبية، أعتبر أن الأحكام والقرارات المنتقدة تشكل تدخلا في ممارسة حق المدعين في حرية التعبير، الذي يتضمن حرية الرأي وحرية نقل المعلومات، المكرس بموجب الفقرة 1 من المادة 10 من الاتفاقية. هذا التدخل كان منصوصا عليها في المواد 1382 وما يليها من القانون المدني البلجيكي و كان يهدف لحماية سمعة الغير، وهي في هذا النزاع سمعة قضاة غرفة محكمة الاستئناف التي أصدرت القرار، وكذا لحماية سلطان وحياد السلطة القضائية، وهي أهداف مشروعة طبقا للمادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية.
3. مدى كون إدانة المدعيين "ضرورية" في مجتمع ديمقراطي، يبقى الشرط الأخير الواجب استكماله للقول بأن التدخل كان مبررا بموجب الفقرة 2 من المادة 10 من الاتفاقية. وهو السبب الوحيد لمخالفتي لرأي الأغلبية التي تعتبر أن الإجراء لم يكن ضروريا ولا متناسبا، اعتبارا للدور المتميز للصحافة في دولة القانون وارتباطها الوثيق، من حيث المبدأ، بالانتقادات المتعلقة بسير جهاز القضاء.
4. مع ذلك وحسب رأيي، فالمقالات المنتقدة تتضمن فضلا عن نقد القرارات القضائية المتعلقة بمنح حضانة الأطفال في إطار إجراءات الطلاق، تقييما للعدالة البلجيكية بصفة عامة، وللآراء السياسية لقضاة محكمة الاستئناف في أنفير، فهي أعطت أسماء ومعلومات حول ماضي والد أحد القضاة؛ ونسبت للقضاة أفكارا سياسية تقترب من تلك التي يتبناها الخصم الذي حكم لصالحه بالحضانة. أنا أعتبر أن هذه التعليقات كانت جد مسيئة للعدالة البلجيكية وتشهر بقضاة محكمة الاستئناف، الذين نسب إليهم المدعون، صراحة، إصدار قرارات ظالمة بسبب صداقاتهم أو توجهاتهم السياسية مع أحد أطراف الدعوى، وهو ما يعد بمثابة إتهام بسوء استخدام السلطة.
5. في المقالات المطعون فيها، نجد بعض التعابير مثل: "طفلين يسحقان بين فكي العدالة العمياء". "زنا المحارم مباح في فلاندرز". "قضاة الغرفة الثالثة لمحكمة الاستئناف الذين منحوا الحضانة للموثق العدلي ينتمي معظمهم إلى اليمين المتطرف". "المستشار "ي. ب" هو ابن جنرال في الدرك الوطني، أدين سنة 1948 من أجل التعاون (...)". "النائب العام "ي. ج" (...) ينتمي لنفس التيار السياسي لعائلة X" (المقال الأول، 26 حزيران/يونيو 1986). "نصف فلاندرز تحت الصدمة بسبب هذه العدالة الملتوية". "وسائل الضغوط الوحشية هذه "تشتغل" بشكل جيد في جهاز العدالة". "بسبب هذه المعطيات الجديدة، لدينا الآن نظرة أفضل عن التلاعبات الغادرة بالعدالة" (المقال الثاني، بتاريخ 17 يوليو/تموز 1986)؛ "الضمانة الأخيرة لديمقراطيتنا، العدالة المستقلة، اجتثت من جذورها" (المقال الثالث، بتاريخ 18 سبتمبر/أيلول 1986)، أو "وصمة عار أن ترفض المحاكم الأونفوراية الأخذ بعين الاعتبار لهذه الأدلة" (المقال الخامس، بتاريخ 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1986).
6. المحكمة، وفي قضية أخرى أدين فيها صحفي وناشر من أجل تهمة التشهير بقاض، في حالة مشابهة كثيرا لهذه الحالة وإن كانت في المادة الجزائية، قضية براجر وأوبرشيليك ضد النمسا (قرار 26 أبريل/نيسان 1995، سلسلة أ، رقم 313)، شددت المحكمة على ضرورة تحقيق التوزان الصحيح بين دور الصحافة في نقل المعلومات بشأن المواضيع ذات المصلحة العامة، وبين سير العمل القضائي، مع حماية سمعة الغير و"المهمة الخاصة للسلطة القضائية في المجتمع كـ "ضامنة للعدالة"، التي تعتبر قيمة أساسية في دولة القانون، ويحتاج نشاطها لثقة المواطنين لتزدهر" (الفقرة 34).
7. هذه الميزات لحرية الصحافة، ليست فقط متوافقة مع حرية التعبير ولكنها تضفي عليها الموضوعية التي تطلبها صحة وجدية المعلومات المتعلقة بسير جهاز العدالة. كما ذهبت إلى ذلك المحكمة في قضية براجر وأوبرشيليك المشار إليها أعلاه، بقولها "من الضروري حماية العدالة من الهجومات غير البناءة و التي لا أساس لها من الصحة، لا سيما وأن واجب التحفظ يحظر على القضاة المعنيين القيام بحق الرد" (نفس المرجع).
8. في نفس القرار، صرحت المحكمة بأن "تقدير هذه العناصر يرجع بالدرجة الأولى للسلطات الوطنية، التي تتمتع بهامش معين لتحديد وجود ومدى ضرورة التدخل في حرية التعبير". مع ذلك، هذا الهامش التقديري، يخضع لرقابة أوروبية (الفقرة 35 أعلاه). وحال فحصها لمدى توافقه مع أحكام الاتفاقية، يجب أن تأخذ المحكمة بعين الاعتبار "بأن الصحافة تشكل في الواقع إحدى الأدوات التي يمكن بها للمسؤولين السياسيين والرأي العام التحقق من أن القضاة يضطلعون بمسؤولياتهم الثقيلة بما يتوافق مع الهدف الذي يشكل أساس المهمة الموكلة إليهم" (الفقرة 34).
9. في رأيي، فسلطة تكييف المقتطفات المشار إليها في الأحكام المطعون فيها بشأن تحيز قضاة محكمة الاستئناف في أنفير والبيانات المتعلقة بسير العدالة البلجيكية تندرج ضمن سياق الهامش التقديري للمحاكم الوطنية. البيانات التي ادلى بها المدعون تعتبر أحكاما قيمية حول الأفكار السياسية للقضاة المعنيين أو حول تأثير تلك الأفكار والأصول العائلية على الحكم المنازع فيه. هذه الأحكام القيمية لا يمكنها أن تكون محل إثبات بطبيعتها ولا يمكن أن تبرر لا إتهام القضاة بالتحيز ولا الحجم المفرط للاتهامات الموجه لهم ولا عدوانية وقلة احترام العبارات المستعملة ضدهم.
10. الأحكام القضائية المطعون فيها لم تستند لا على نقد "الحقيقة المادية" للوقائع الثابتة في دعوى الطلاق، ولا على قانونية القرارات المتخذة من طرف القضاة، ولكن على بيانات شائنة المضمون في المقالات المنتقدة. ومع ذلك، أثار الصحفيون المتهمون مسائل مهمة تتعلق بنقد سير جهاز العدالة وكان يتعين على المحاكم مناقشتها علنا والفصل بخصوصها في أحكامهم. ولكن هذا العيب في الأحكام المنتقدة لا يؤدي، في رأيي، لإبطال إدانة المدعين لأجل التشهير لأن هذه الإدانة كانت مؤسسة في النهاية على الأساليب الهجومية المستخدمة في المقالات. هذا العيب يتعلق بالخرق المزعوم للمادة 6 من الاتفاقية والذي أقرته المحكمة بالإجماع.
11. في ظل هذا الإطار الصارم للقرارات المهاجمة، أجد أن تكييف المحاكم المدنية البلجيكية للعبارات والمقالات المنتقدة بكونها تتعارض مع سمعة وحياد القضاة الذين أصدروا قرار الاستئناف ومع سلطان واستقلالية السلطة القضائية، فضلا عن التدابير التعويضية المتخذة، كل ذلك جاء مطابقا للمادة 10 فقرة 2 من الاتفاقية.
[1] القضية تحمل الرقم 7/1996/626/809. الرقمان الاوليان يشيران إلى حقل السنة التي سجلت فيها القضية، والرقمين الأخيرين إلى ترتيبها في لائحة إخطارات المحكمة منذ البداية وعلى أساس الشكاوى الأصلية المقدمة للجنة.
[2] النظام الداخلي B، دخل حيز النفاذ بتاريخ 2 أكتوبر/تشرين الأول 1994، ويطبق على كل القضايا المتعلقة بالدول الملزمة بالبروتوكول رقم 9 (ب 9).
[3] ملاحظة كاتب المحكمة: لأسباب تنسيقية وعملية فلن يتم إدراجها في غير النسخة المطبوعة (مجلة الأحكام والقرارات 1997-1)، غير أنه يمكن الحصول عليها من لدن كتابة المحكمة.
Full & Egal Universal Law Academy