This publication has been printed/produced/translated with the financial support of the European Union – Council of Europe Joint Programme "Towards Strengthened democratic governance in the southern Mediterranean” (South Programme II, 2015-2017).
The European Commission, neither the Council of Europe cannot be held responsible for any use which may be made of the information contained therein.
Cette publication a été imprimée/produite/traduite avec le soutien financier du Programme conjoint Union européenne – Conseil de l’Europe « Vers une gouvernance renforcée dans les pays du Sud de la Méditerranée» (Programme Sud II, 2015-2017).
Ni la Commission européenne ni le Conseil de l’Europe ne peuvent être tenus responsables de l’usage qui pourrait être fait des informations qui y sont contenues.
تمت طباعة إنتاج هذه الوثيقة بدعم من البرنامج المشترك للاتحاد الاوروبي ومجلس أوروبا "تعزيز الإصلاح الديمقراطي في دول جنوب المتوسط" (برنامج الجنوب, 2017-2015)
المفوضية الاوروبية ومجلس اوروبا غير مسؤولتين عن اي استخدام للمعلومات الواردة بهذا النص.
مجلس أوروبا
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
الغرفة الكبرى
قضية كيبريانو ضد قبرص
(التماس رقم73797/01)
حـــكم
ستراسبورغ
15 ديسمبر/كانون الثاني 2005
في قضية كيبريانو ضد قبرص
حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، المنعقدة في غرفة كبرى مؤلفة من
السادة ل. ويلدابر، رئيس
س.ل. روزاكيس
ج.- ب. كوستا،
السيرنيكولا براتزا،
السادةب. زوبانشيش،
ج. بونيلو،
ل. لوكايديس،
ر. تورمن،
السيدة ف. تولكمنس
السادةج. كازاديفال،
م. بيلونبا،
ر. ماروستي،
ف. زاغريبيلسكي،
ل. غارليسكي،
السيداتإ. فورا- ساندستروم،
أ. غيولوميان،
ك. هاجييف، قضاة
والسيد ت.ل. إيرلي، كاتب مساعد في الغرفة الكبرى،
بعد المداولات في غرفة المجلس في 2 فبراير/شباط 2005 وَ15 يونيو/حزيران 2005 وَ2 نوفمبر/تشرين الثاني،
أصدرت الحكم التالي، والذي اعتُمِد في التاريخ الأخير
الإجــراءات
1. تتعلق القضية بالتماس (رقم 73797/01) موجه ضد جمهورية قبرص حيث أن أحد مواطني هذه الدولة، السيد ميكالاكسي كيبريانولجأ إلى المحكمة في التاسع من أغسطس/آب 2001، عملا بالمادة 34 من اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية ("الاتفاقية").
2. يُمثّل المدعي كلاً من السادة س. كلريدس وَ ل. كلريدس وَالأستاذ م. تريانتافيليدس وَ إ. إفستاثيو وَ أ. أنجليدس وَ إ. ڤـراهيمي وهم محامون في نيقوسيا وَ ب. إيمرسون مستشار ملكي وَ م. مولر وهم محامون في بريطانيا. ويُمثّل الحكومة القبرصية ("الحكومة") مندوبها السيد ب. كلريدس وهو نائب عام مساعد في جمهورية قبرص.
3. يزعم المدعي، أن محاكمته وإدانته وحبسه بدعوى إهانة المحكمة تشكل انتهاكاً للفقرات 3 وَ 4 وَ 5 من المادة الخامسة والفقرات 1 وَ 2 وَ 3 (البنود أ وَ ب وَ د) من المادة السادسة، وكذلك المواد 7 و 10 و 13 من الاتفاقية.
4. أُسنِد هذا الالتماس إلى القسم الثالث من المحكمة (الفقرة الاولى من المادة 52 من النظام الداخلي للمحكمة). والذي شكَّل بدوره (وفقاً للفقرة الاولى من المادة 26 من النظام الداخلي) الغرفة المكَّلفة بالنظر في القضية (للفقرة الاولى من المادة 27 من الاتفاقية) .
5. في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2001،
6. في السابع من مايو/أيار 2002 أُعلن الالتماس غير مقبول جزئياً من قبل غرفة من القسم المعني مكوَّنة من السيد جان بول كوستا، رئيساً، والسيد أ.ب باكا والسيد جوكور جوروندسون والسيد ل. لوكايدس والسيد س. بيرسان والسيد م. أوجريخليدز والسيدة أ. مولاروني قضاةً، والسيدة أ. مولاروني س. دوله، كاتبة في القسم.
7.6 (الفقرات 1 وَ 2 والبند أ من الفقرة 3) والمادة 10، بواسطة غرفة من القسم المعني مكوَّنة من السيد جان بول كوستا، رئيساً، والسيد أ.ب باكا وَ جوكور جوروندسون والسيد ل. لوكايدس والسيد س. بيرسان والسيد ك. جونجـڤـيرت والسيد ڤ. بوتكيفتش والسيدة مولاروني قضاةً، وَ السيدة س. دوله، كاتبة في القسم.
8. في 27 يناير/كانون الثاني 2004، أصدرت ذات الغرفة حكماً يقضي بالإجماع بانتهاك المادة 6 من الاتفاقية في كل من الفقرة الأولى (محكمة محايدة)، والفقرة الثانية (افتراض البراءة) والبند (أ) من الفقرة الثالثة (وجوب إعلام المتهم بشكل مفصل بطبيعة وسبب الاتهام الصادر بحقه)، وبأنه ليس من الضروري النظر بشكل منفصل بشكوى المدعي حول المادة 10. ومنحت المدعي مبلغ 15000 يورو كتعويض عن الضرر المعنوي و10000 يورو عن التكاليف والنفقات.
9. في 19 أبريل/نيسان 2004 طلبت الحكومة أن إحالة القضية إلى الغرفة الكبرى بموجب المادة 43 من الاتفاقية والمادة 73 من النظام الداخلي. وافق فريق من الغرفة الكبرى على الطلب في 14 يونيو/حزيران 2004.
10. تم إقرار تشكيلة الغرفة الكبرى وفقاً للفقرتين 2 و 3 من المادة 27 من الاتفاقية والمادة 24 من النظام الداخلي
11. وردت تعليقات من حكومتي بريطانيا وإيرلندا اللتين سمح لهما الرئيس بالتدخل في الإجراء الكتابي وكذلك من الحكومة المالطية التي دعاها الرئيس للتدخل في الإجراء الكتابي (الفقرة الثانية من المادة 36 من الاتفاقية والبند (أ) من الفقرة الثانية للمادة 44 من النظام الداخلي).
12. قدم كل من المدعي والحكومة ملاحظاتٍ مكتوبةً حول القضية (الفقرة الأولى من المادة 59 من النظام الداخلي) تضمنت ردودهما على تعليقات الطرف الثالث (الفقرة الخامسة من المادة 44 من النظام الداخلي). قدم المدعي أيضاً طلباته بالتسوية العادلة. وقدمت الحكومة ملاحظاتها حول هذه المسألة وأجاب عليها المدعي.
13. جرت جلسة استماع علنية في قصر حقوق الإنسان في ستراسبورغ في الثاني من فبراير/شباط 2007 (الفقرة الثالثة من المادة 59 من النظام الداخلي).
مثُل أمام المحكمة:
- ممثلاً للحكومة
السيدب. كلريدس، نائب عام مساعد في جمهورية قبرص، مندوب،
اللورد ليستير في هيرن هيل، مستشار ملكي،
السيدب. سايني، محامي قانوني،
السيدةس.- م. جوانيدس، مستشار بلدي في جمهورية، قبرص مستشارين،
- ممثلاً للمدعي
السادة ب. إيمرسون، مستشار ملكي،
د. فريدمان، محامي قانوني،
م. مولر، محامي قانوني،مستشارين،
ب. كيبريانو، محامي قانوني،استشاري،
ل. شارالمبوسمحامي مستشار،
وكان المدعي حاضراً أيضاً.
استمعت المحكمة إلى تصريحات كلٍ من السادة إيمرسون وَكليريدس وَاللورد ليستر، وكذلك إلى إجابات ممثلي مختلف الأطراف حول أسئلة القضاة.
الوقائــــع
أولاً. ظروف القضية
14. ولد المدعي في عام 1937 و يقيم في نيقوسيا.
15. وهو محامي يمارس المهنة منذ أكثر من أربعين عاماً. عمل سابقاً في هيئة النيابة العامة وكان عضواً في مجلس النواب القبرصي.
16. في 14 فبراير/شباط 2001 كان المدعي يدافع عن شخص متهم بارتكاب جريمة قتل أمام محكمة الجنايات في مدينة ليماسول. وزعم أنه حين كان يقوم باستجواب أحد شهود الإثبات، وهو شرطي، قاطعته المحكمة بعد أن طرح سؤلاً على الشاهد. يؤكد المدعي أنه شعر بالإهانة وطلب الإذن بالانسحاب من القضية. واعتبرت الحكومة في ملاحظاتها الخطية أن المحكمة قامت بتدخل روتيني، ملاحظة بسيطة ومهذبة تتعلق بالطريقة التي كان المدعي يدير بها استجواب الشاهد. كان باستطاعة المدعي الإعلان على الفور، ودون السماح للمحكمة بإكمال ملاحظتها، عن رفضه المضي قدما في الاستجواب.
17. جاء في محاضر جلسات الاستماع المناقشات التالية (الترجمة):
"المحكمة: نحن نرى أن استجوابك يغوص إلى حد بعيد في التفاصيل في هذه المرحلة الرئيسية للمحاكمة المتعلقة بالأسئلة ...
المدعي: سأتوقف عن متابعة الاستجواب ...
المحكمة: السيد كيبريانو ...
المدعي: بما أن المحكمة ترى أني لا أقوم بعملي بشكل صحيح في الدفاع عن هذا الرجل، فأنا أطلب إليها السماح بأن أنسحب من هذه القضية.
المحكمة: إن مسألة معرفة ما إذا كان يجب السماح لمحامٍ بالانسحاب أم لا هي مسألة تدخل في نطاق السلطة التقديرية للمحكمة، وعلى ضوء ما سمعناه، لا نسمح بالانسحاب. وبالرجوع إلى قضية كافكاروس [
المدعي: طالما أنكم تمنعونني من متابعة الاستجواب حول نقاط هامة في القضية، فإن وجودي هنا ليس له أي معنى.
المحكمة: نحن نعتبر عنادك ...
المدعي: وأنا آسف للقول أنه عندما كنت أقوم بالاستجواب كان أعضاء المحكمة يتحدثون فيما بينهم، ويتبادلون رسائل غرامية، ضمن هذه الظروف، لا يمكنني مواصلة الاستجواب بالعزم المطلوب، إذا كانت المحكمة تراقبني سراً.
المحكمة: نحن نعتبر أن ما قاله السيد كيبريانو للتو، وعلى وجه الخصوص الطريقة التي يخاطب بها المحكمة، يشكل ازدراءً المحكمة، ولدى السيد كيبريانو أحد خيارين: إما أن يصر على ما قاله مقدِّماً بالتالي الأسباب المبررة لأي عقوبة تتخذ بحقه، أو أن يقرر التراجع. نعطيه هذه الفرصة بشكل استثنائي. يطبق البند (أ) من الفقرة الأولى من المادة 44 من قانون المحاكمات بأقصى حدوده.
المدعي: يمكنكم الحكم عليَّ.
المحكمة: هل تريد أن تقول شيئا؟
المدعي: رأيت بأم عيني على قطع ورقية صغيرة تنتقل من قاض إلى آخر عندما كنت أجري الاستجواب، بطريقة غير لبقة بالنسبة للدفاع. كيف لي إذاً أن أجد الطاقة اللازمة للدفاع عن رجل متهم بالقتل؟
المحكمة (السيد فوتيو): يبدو أن تلك القطعة الورقية التي يشير لإليها السيد كيبريانو ما يزال في يد زميلي القاضي السيد إكونومو والسيد كيبريانو يستطيع الاطلاع عليها.
المحكمة (السيدة ميكايليدو): تبادل الآراء بشكل مكتوب بين أعضاء المحكمة حول الطريقة التي يقدم بها السيد كيبريانو شواهده لا يعطيه أي حق، وأنا أعتبر سلوك السيد كيبريانو غير مقبول على الإطلاق.
المحكمة (السيد فوتيو): سوف نعلق جلسة الاستماع من أجل النظر في المسألة. يجب على المدعى عليه [في إطار المحاكمة الرئيسية] أن يبقى محتجزاً في هذه الأثناء.
(...)
المحكمة: نظرنا في المسألة خلال فترة تعليق الجلسة وما زلنا نعتقد أن ما قاله السيد كيبريانو، من حيث المحتوى، والطريقة ونبرة الصوت، يشكل ازدراءً للمحكمة على النحو المنصوص عليه في البند (أ) من الفقرة الأولى من المادة 44 من القانون (رقم 14/1960) حول المحاكمات (...) والذي يعاقب على اظهار من يمثل أمام المحكمة لعدم الاحترام سواء بالكلام أو بالتصرفات. وسبق وأن طلبنا من السيد كيبريانو قبل تعليق الجلسة إذا ما كان يريد أن يضيف أي شيء قبل النطق بالحكم. إذا كان لديه شيء للإضافة، دعونا نستمع له، وإلا فلنتابع.
المدعي: سيدي الرئيس، خلال فترة التعليق، تساءلت عن طبيعة الجرم الذي ارتكبته. وقع الحدث في جو متوتر للغاية. أنا أرافع في قضية خطيرة للغاية. شعرت بأنني قوطعت خلال الاستجواب، وقلت ما قلته. فأنا محامي منذ أربعين عاما، وسمعتي لا تشوبها شائبة وهذه هي المرة الأولى التي يوجه لي فيها مثل هذا الاتهام. هذا كل ما لدي لأقوله.
المحكمة: سوف نعلق الجلسة لمدة عشر دقائق ومن ثم ننطق بالعقوبة."
18. بعد استراحة قصيرة، أدانت محكمة الجنايات، بالأغلبية، المدعي بالسجن لمدة خمسة أيام. وأشارت المحكمة إلى الجدل المذكور أعلاه بين المدعي وأعضائها وأدلت بما يلي:
"(...) من الصعب التعبير بالكلمات عن الأجواء التي خلقها السيد كيبريانو منذ ذلك الحين، وبصرف النظر عن المحتوى غير المقبول لتصريحاته، فإن نبرة صوته وكذلك سلوكه وإيماءاته تجاه المحكمة، لم تعطِ انطباعاً غير مقبول في مكان متحضر، ولا سيما في قاعة المحكمة فحسب، ولكن كانت تهدف على ما يبدو إلى خلق مناخ من التخويف والرعب داخل المحكمة. ولا نبالغ على الإطلاق إذ نقول أن السيد كيبريانو كان يصرخ ويومئ إلى المحكمة.
أشارت المحكمة إلى أن تصريحاته وتصرفاته تشكل ازدراءً للمحكمة، وأُعطي الفرصة للتحدث. وفي حين كان من المتوقع منطقياً أن يهدأ وأن يقدم اعتذاره، صرخ السيد كيبريانو، في نفس النبرة وبنفس الشدة التي سبقت الإشارة إليها، قائلاً" "يمكنكم الحكم عليَّ".
فيما بعد، وبعد فترة انقطاع طويلة، أُعطي السيد كيبريانو فرصة ثانية للتوجه للمحكمة، على أمل أن يقدم اعتذاره وأن يخفف من الأضرار الناجمة عن سلوكه. لسوء الحظ، لم يُظهِر السيد كيبريانو أي علامة أسف أو، على الأقل، تفهم للوضع غير المقبول الذي خلقه. بل على العكس من ذلك، قال أنه خلال استراحة تساءل عمّا كانت جرمه، معزياً سلوكه بكل بساطة إلى "جو متوتر للغاية". علماً أنه وحده المسؤول عن خلق هذا الجو، وبالتالي، فإنه لا يمكن استخدامه كذريعة.
لم يتردد السيد كيبريانو بالإشارة إلى أن تبادل وجهات النظر بين أعضاء المحكمة يمثِّل تبادل "
لا يمكننا تصور أية حالة أخرى يمكن أن تمثل إهانة للمحكمة أكثر وضوحاً ورفضاً من قبل أي شخص، ناهيك عن أن يكون محامياً.
ليس شخص القضاة، الذين أهانهم السيد كيبريانو إهانة عميقة، هو ما يقلقنا. ما يهمنا حقاً هو سلطة وحيادية القضاء. ونعتبر أنه لو لم يكن رد فعل المحكمة فورياً وجذرياً، لتعرضت العدالة إلى نكسة كارثية. وأن أي رد فعل غير كافٍ من جانب النظام القانوني والمتحضر كالذي تمثله المحاكم يعني القبول بأن تتعرض سلطتهم للإهانة.
لهذا وببالغ الأسى نخلص إلى أن الرد الوحيد المناسب في هذه الظروف، هو فرض عقوبة ذات طابع رادع، والتي لا يمكن إلا تكون سوى السجن.
ونحن ندرك جيدا تداعيات هذا القرار لا سيما أن الشخص المعني هو محامٍ مخضرم، ولكن السيد كيبريانو نفسه هو الذي، من خلال سلوكه، ساقنا إلى هذه النهاية.
في ضوء ما سبق، نحن نفرض عقوبة السجن لمدة خمسة أيام".
19. ومع ذلك أشار رئيس محكمة الجنايات إلى أنه، بالنسبة له، كان ينبغي تغريم المعني أيضاً بغرامة قدرها 75 جنيه قبرصي (حوالي 130 يورو)، أي المبلغ الأقصى للغرامة التي تنص عليها الفقرة الثانية من المادة 44 من القانون 14/1960 للعام 1960 حول المحاكمات.
20. تم سجن المدعي على الفور. في الواقع، أُطلق سراحه قبل انقضاء فترة عقوبته كاملة وفقا للمادة 9 من قانون السجون (القانون رقم 62 (
21. بتاريخ 15 فبراير/شباط 2001 قدم المدعي طعناً أمام المحكمة العليا، والتي رفضته في الثاني من أبريل/نيسان 2001.
22. في استئنافه، أشار المدعي إلى ما مجموعه ثلاثة عشر مسوغاً للطعن في الإجراء الذي اتبعته محكمة جنايات ليماسول، وفي القرار والعقوبة التي فروضتها عليه. ينص المسوغ الثامن لاستئنافه على ما يلي:
"ووفقا للفقه القضائي، فإن فرض العقوبات على المحامين مقيد جداً وضمن إطار الحالات الخطيرة، ولم يكن يوماً لقمع أساليب الدفاع التي تبدو ببساطة عنيفة لا سيما أن المحامي يجب أن يتمتع بالحرية الكافية في التعامل مع قضية موكله. لا يمكن وصف سلوك المحامي [المدعي] بأنه عدواني أو مهين للمحكمة تحت أي ظرف كان، على الرغم من أنه يعبر عن مشاعر محامٍ تحت ضغط استجواب الشهود في قضية قتل ورفض المحكمة بعد التدخل في مرحلة الاستجواب السماح للمحامي بالانسحاب من القضية ".
23. دعي النائب العام من قبل المحكمة العليا للمشاركة في الإجراءات كصديق للمحكمة.
24. صرحت المحكمة العليا في قرارها الرافض لاستئناف المدعي بأن الأحكام الدستورية ذات الصلة من القانون القبرصي حول إهانة المحكمة تعكس مبادئ القانون الإنجليزي. وأنها ترتكز إلى المادة 162 من الدستور، والتي تسمح بسن تشريع يمنح الاختصاص إلى أية محكمة بأن تأمر بالسجن لمدة تصل إلى اثني عشر شهراً بحق أي شخص يرفض الانصياع لحكم أو أمر من تلك المحكمة، وبمعاقبة إهانة المحكمة. ورأت أن هذا النص يمنح أساساً قانونياً للفقرة الثانية من المادة 44 من قانون المحاكمات. وأخيراً، خلصت إلى أنه المدعي هو من خلق أجواءً متوترة بتبنيه موقفاً مهيناً ومنتهكاً لوظيفة المحكمة.
25. وأضافت المحكمة العليا:
"لا نرى أي خطأ في تقدير الأفعال المُشكِّلة لإهانة المحكمة. ولقد منحت المحكمة السيد كيبريانو فرصة للرد، ملمحة بشكل غير مباشر عن نيتها في عدم فرض العقوبة إذا ما رجع عمَّا قاله باعتذار صادق. ألا أنه لم يكن هناك أي اعتذار.
(...)
نحن نعتبر أن السيد كيبريانو، من خلال كلماته وتصرفاته برهن على عدم احترامه للمحكمة، وارتكب مخالفة إهانة المحكمة المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 44 من القانون.
(...)
فإنه ليس من محض الصدفة أن الأهداف المتتالية للمشرِّع الدستوري، والتي تتجسد في المادة 30 والمادة 162 من الدستور، تقع جنباً إلى جنب. تهدف القدرة على معاقبة ازدراء المحكمة إلى حماية المؤسسات القضائية، وهو أمر ضروري من أجل ضمان عدالة المحاكمات. ابتعد محامي المدعى عليه، بتعريفه للقاضي على أنه نائب عام، عن وظيفة المحكمة والغاية التي مُنحت السلطة لأجلها؛ فسلطتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً مع المتطلبات الأساسية اللازمة لتأمين وظيفتها القضائية. يتمثَّل دور القاضي في حماية الإجراءات القضائية وسلطة المحكمة لا أكثر ولا أقل، حيث أن وجوده لا غنىً عنه لضمان عدالة المحاكمات. المحامي، الذي هو مساعد للعدالة، ليس طرفا في الإجراءات. المحامي الذي يسيئ استعمال حقه في أن الاستماع إليه ويقوم بإهانة المحكمة، هو محامٍ متدخل في الإجراءات كأي طرف ثالث، ومعيق لسيرها وبالتالي مضر بالعدالة. المعاقبة القضائية على ازدراء المحكمة، عند الاقتضاء، واجب قضائي يمارس بهدف ضمان الحق في محاكمة عادلة. الموضوع المحدد بشكل موضوعي مرتبط بوقائع القضية؛ بغض النظر عن الأشخاص المعنيين؛ وأية تهاون من قبل المحكمة في مواجهة الإساءة لوظيفتها يعرضها للاتهام بأنها لا تقوم بمحاكمة عادلة. إن حيادية القضاة هي جوهر إقامة العدل.
(...)
في هذه القضية، حاول السيد كيبريانو أن يسيطر على المحكمة وأن يصبح هو من يوجه سير المحاكمة. إذا ظلت المحكمة غير مبال أمام مثل هذا المشهد، فإن هذا يعني إخلالاً في أداءها لواجباتها".
26. حكمت المحكمة العليا بما يلي:
نحن نعتبر أن السيد كيبريانو، من خلال كلماته وتصرفاته برهن على عدم احترامه للمحكمة، وارتكب مخالفة إهانة المحكمة المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة 44 من القانون.
27. فيما يخص العقوبة المفروضة على المدعي، ذكرت المحكمة العليا ما يلي:
"إن ممارسة المحكمة لسلطتها في فرض عقوبة على الأشخاص المتهمين بازدراء المحكمة تُمثِّل آخر إجراء، لكنه أمر لا غنى عنه عندما تُنتهك كرامة المحكمة ويُعاق قيامها بدورها. العقوبة ليست اختيار من المحكمة وإنما يصبح واجباً عليها عندما تتطلب العدالة ذلك. يبدو جلياً ندرة إدانة محامٍ بتهمة ازدراء المحكمة حيث أن هذه هي المرة الأولى منذ قيام الجمهورية، بالمقدار الذي استطعنا تقصيه، الذي تفرض فيه عقوبة السجن على محامٍ بهذه التهمة. وهذا الموقف ليس بدون ارتباط بالوعي بمهمة المحامي. فإنه ليس من الممكن، مع ذلك، من المستحيل السماح له القيام بأعمال تخالف وظيفته. فالمحامي الذي يتنكر لدوره كخادم للعدالة يتنازل أيضا عن الحماية الممنوحة له للدفاع عن حقوق موكله دون خوف أو تشوش. في معارضته للمحكمة من أجل مصالحه الخاصة، إنما يتصرف بشكل مخالف لمهمته ويخضع نفسه إلى مصير مماثل لأي واحد يهين المحكمة.
من المؤسف أن السيد كيبريانو لم يتراجع عَّما قاله أمام محكمة الجنايات. ولم يعتذر، حتى أمامنا.
(...)
يعود إلى محكمة الجنايات الحكم على الحادثة و إقرار آليات المعالجة ومعاقبة الشخص الفاعل. ولا تجد المحكمة العليا أي مسوغٍ يبرر أن تتدخل في العقوبة المفروضة.
يؤسفنا أن محامٍ كالسيد كيبريانو، الذي يدعي أربعين عاماً من مزاولة المهنة، يُدان بالسجن بتهمة ازدراء المحكمة. ولكن يؤسفنا أكثر أنَّ محام مزاول من سنوات عديدة يهين العدالة. نحن مرتاحون أن هذه هي المرة الأولى التي تتلقى فيه العدالة هذه الصفعة. ونأمل أن تكون هذه هي المرة الأخيرة أيضا".
ثانياً. القانون الداخلي المناسب والتطبيق
أ. الدستور
1. حقوق المتهم
28. تنص المقاطع ذات الصلة من المادة 12 في الفقرتين الرابعة والخامسة على ما يلي:
"4. يعتبر كل شخصٍ متهم بارتكاب جريمة بريئاً حتى تثبت إدانته قانونياً.
5. يحق لكل شخص ما يلي:
(أ) أن يتم إعلامه وبأسرع وقت وبلغة يفهمها وبالتفصيل عن طبيعة وأسباب التهمة الموجهة إليه.
(ب) أن يمنح الوقت والتسهيلات الكافية لتحضير دفاعه؛
(...) "
2. الحق في محاكمة عادلة
29. تنص المقاطع ذات الصلة من المادة 30 في الفقرتين الثانية الثالثة من الدستور على ما يلي:
"2. من حق كل شخص أن يُستمَع لقضيته بشكل عادلٍ وعلنيٍ في غضون فترة زمنية معقولة من قبل محكمة مستقلة ومحايدة ومختصة، منشأة بحكم القانون، والتي تقرر إما الطعن في حقوقه وواجباته ذات الطبيعة المدنية، وإما إثبات أية تهمة جزائية موجهة ضده؛
(...)
3. يحق لكل متهم أن:
(أ) يُعلَم بأسباب مثوله أمام المحكمة؛
(ب) يعرض مرافعته أمام المحكمة وأن يمنح الوقت اللازم لتحضيرها؛
(...) "
3. صلاحيات النائب العام
30. تنص الفقرة الثانية من المادة 113 من الدستور على ما يلي:
"يجب أن يمتلك النائب العام للجمهورية الصلاحية، التي يمارسها بصورة تقديرية من أجل المصلحة العامة، لإجراء وتسيير وتولي ومواصلة أو وقف أي إجراءات لجريمة ارتكبت ضد أي شخص في الجمهورية. يمكن أن يمارس هذه السلطة بنفسه شخصياً أو عبر موظفين تابعين له يعملون ووفق تعليماته وبناءً عليها".
4. صلاحيات المحاكم في المعاقبة على إهانة المحكمة
31. تنص المادة 162 من الدستور على ما يلي:
"تمتلك المحكمة العليا صلاحية معاقبة أية إهانة موجهة إليها أو إلى أية محكمة أخرى في الجمهورية، بما في ذلك المحاكم المُنشأة وفقاً لقانون البلديات بموجب المادة 160، وتمتلك سلطة سَجنِ أي شخص يرفض الامتثال لحكم أو أمر أية محكمة حتى يمتثل، على ألا يتجاوز مدة اثني عشر شهراً.
على الرغم مما ورد في المادة (90)، يجوز أن يقضي القانون أو قانون البلديات، حسب الحال، بالمعاقبة على إهانة المحكمة ".
ب. قانون المحاكم 1960 (قانون رقم 14/1960، بصيغته المعدلة)
1. الاستئناف أمام المحكمة العليا
32. تنص الفقرة الثانية من المادة 25 على ما يلي:
"مع عدم الإخلال بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، ولكن باستثناء ما ينص على خلاف الفقرة الحالية، كل قرار صادر عن محكمة مختصة في المجال الجنائي قابل للاستئناف أمام المحكمة العليا. يمكن اللجوء إلى مثل هذا الاستئناف، الذي هو حق وأياً كان السبب، ضد أي قرار تبرئة أو إدانة أو ضد قرار يقضي بفرض عقوبة".
تنص الفقرة الثالثة من المادة 25 على ما يلي:
"رغم مما يمكن أن ينص عليه قانون الإجراءات الجنائية أو أي قانون آخر أو أي نظام داخلي إجرائي، بالإضافة إلى أية صلاحيات تمنحها هذه النصوص، لا تلتزم المحكمة العليا، عندما تُلتَمس للنظر في قضية مدنية أو جنائية، بالنتائج الصادرة عن المحكمة التي حكمت في القصية وتمتلك صلاحية إعادة دراسة الأدلة المقدمة، واستخلاص نتائجها الخاصة بها، والاستماع لشهود جدد وقبول أدلة جديدة-عندما تقتضي ملابسات القضية ذلك- والاستماع من جديد لأي شاهد سبق الاستماع إليه وإصدار أي قرار أو أمر تبرره ملابسات القضية، بما في ذلك الأمر القاضي بإعادة دراسة القضية من قبل قاضي الموضوع أو أي محكمة مختصة تعيِّنها هي [المحكمة العليا] "
2. إهانة المحكمة
33. . تنص المقاطع ذات الصلة في الفقرة الأولى من المادة 44 على ما يلي:
"أي شخص (...)
(أ) يظهر عدم الاحترام بالكلام أو بالسلوك، داخل أو خارج الحرم الذي يجري أو يتخذ فيه الإجراء القضائي، تجاه الإجراء ذاته أو أي شخص يجري أو يتخذ هذا الأجراء أمامه،
(...)
(...) يُعتبر مذنباً بارتكاب مخالفة ويعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر أو بغرامة لا تزيد على مائة جنيه أو الحبس والغرامة معاً".
تنص المقاطع ذات الصلة من الفقرة الثانية من المادة 44 على ما يلي:
"عندما ترتكب المخالفات المذكورة في البند (أ) من الفقرة 1 أعلاه على مرأى ومسمع من المحكمة، تستطيع الأخيرة أن تأمر باحتجاز الفاعل، يمكنها، وفي أي وقت قبل نهاية جلسة المحاكمة لذلك اليوم، دراسة المخالفة وإدانة الجاني بغرامة قدرها 75 جنيهاً أو بالسجن لمدة أقصاها شهر واحد، أو بالسجن والغرامة معاً".
ج. قانون الإجراءات الجنائية (الفصل 155 المعدَّل)
1. صلاحيات المحكمة العليا بخصوص الاستئناف
34. تنص المقاطع ذات الصلة من المادة 145 على ما يلي:
"1. عندما تنظر في استئناف موجه ضد إدانة، يمكن (...) للمحكمة العليا أن:
(أ) ترفض الاستئناف؛
(ب) تقبل الاستئناف وتلغي الإدانة إذا رأت أنه يجب إبطالها كونها مفرِطة بالنظر إلى مجمل الأدلة المقدمة، أو لأن الحكم الصادر عن محكمة القضية يجب نقضه كون الفصل في المسألة جاء سيئاً أو أنَّ ثمَّة خطأً جوهريا في العدالة،
ترفض المحكمة العليا الاستئناف إذا رأت أنّهَ لم يشب العدالة أي خطأ، حتى وإن رأت أن الفصل في الاستئناف المقدَّم يمكن أن يكون لصالح المدعي.
(ج) تضع الإدانة جانباً وتُدين المستأنف عن أي جريمة جنائية كان يمكن أن يكون تدينه بها محكمة الموضوع بناء على الأدلة المقدمة ومعاقبته وفقا لذلك.
(د) تأمر بإجراء محاكمة جديدة أمام المحكمة التي أصدرت الحكم أو أمام أي محكمة أخرى مختصة في المسألة.
2. عندما تنظر في استئناف موجه ضد عقوبة، يمكن للمحكمة العليا تشديد أو تخفيف أو تعديل العقوبة".
2. الصلاحيات الإضافية للمحكمة العليا في إطار النظر في الاستئنافات
35. تنص المقاطع ذات الصلة من المادة 146 على ما يلي:
"1. يجوز للمحكمة العليا (...) خلال جلسة الاستئناف، وفي أي مرحلة من مراحله وقبل صدور الحكم النهائي، أن،
(أ) تدعو المحكمة المعنية إلى تقديم أي معلومات تعتبرها ضرورية، إضافةً إلى العناصر المتضمَنة في ملف الدعوى.
(ب) تستمع إلى شهود جدد وأن تؤخر قرارها إلى حين الاستماع لهؤلاء الشهود (...)"
3. الإحالة إلى محكمة أخرى للحكم
36. تنص المقاطع ذات الصلة من المادة 174 على ما يلي:
"1. عندما تستشعر المحكمة العليا في إطار النظر في استئناف متعلق بالنصوص أدناه
(أ) أن تحقيقاً أو إجراءً عادلاً ونزيهاً لا يمكن أن تقوم به أي محكمة؛
(...)
تستطيع أن تأمر بأن يجري التحقيق أو الإجراء بواسطة أو أمام محكمة أخرى غير تلك التي قامت به سابقاً دون تدخلها.
2. يجب أن يصاحب أي طلب يهدف لممارسة الصلاحيات الممنوحة بموجب هذا النص تصريحاً محلَّفاً، إلا إذا كان الطلب صادراً عن النائب العام أو باسمه.
3. عندما يتقدم المتهم بطلب بموجب النص الحالي، يجوز للمحكمة العليا، إذا رأت ذلك مناسباً، أن تأمره بالتعهد بدفع نفقات المحاكمة في حال إدانته. ويجوز لها أن تطالبه بتقديم الضمانات اللازمة لهذا التعهد.
4. يجب على كل متهم يتقدم بطلب من هذا القبيل إخطار النائب العام كتابياً، مرفقاً نسخةٍ عن التصريح المحلَّف ولا يمكن أن يصدر أي قرار نهائي حول الطلب، ما لم يتم تقديم هذا الإخطار مرفقاً بالتصريح المحلَّف قبل أربع وعشرين ساعة على الأقل من موعد جلسة النظر في الطلب".
د. قانون المحامين (الفصل 2، بصيغته المعدلة)
1. المسؤولية التأديبية للمحامين
37. تنص المادة 15 من قانون المحامين على ما يلي:
"كل محامي هو مساعد للعدالة ويتحمل المسؤولية التأديبية ويخضع للإجراءات التأديبية المنصوص عليها في هذا الفصل".
2. المخالفات والإجراءات التأديبية
38. تنص المقاطع ذات الصلة من المادة 17 في زمن الوقائع على ما يلي:
"1. إذا أدانت محكمة المحامي بمخالفة تتسم، في رأي المجلس التأديبي، بالفحش الأخلاقي أو إذا أُدين المحامي، في رأي مجلس التأديب، بتصرفات مشينة، أو احتيالية أو مخالفة لأخلاق المهنة، يجوز للمجلس التأديبي أن:
(أ) يأمر بشطب اسم المحامي من نقابة المحامين.
(ب) يعلق مزاولة المحامي للمهنة لفترة زمنية يحددها هو [المجلس التأديبي].
(ج) يأمر المحامي بدفع غرامة على أن لا تتجاوز مبلغ 500 جنيه إسترليني؛
(...)
(د) ينذر المحامي أو يوبخه؛
(هـ) يأمر بتحديد من يتوجب عليه تحمل نفقات الإجراءات المقدمة أمامه.
2. يمكن الشروع بالإجراء الهادف لفرض إحدى العقوبات التي ينص عليها البند (1) أعلاه:
(أ) من قبل المجلس التأديبي بناءً على مبادرته الخاصة؛
(ب) من قبل النائب العام للجمهورية؛
(ج) بناءً على تقرير تقدمه إحدى المحاكم أو رئيس نقابة المحامين المحلي إلى المجلس التأديبي؛
(د) عن طريق شكوى أي شخص تضرر من سلوك المحامي، بناءً على موافقة المجلس التأديبي."
هـ. قانون السجون (القانون رقم 62 (
الإفراج عن السجناء
39. تنص المادة 9 من قانون السجون على ما يلي:
"(...)
2. يطلق سراح أي سجين في موعد لا يتجاوز منتصف النهار من اليوم الأخير من عقوبة السجن.
3. إذا كان يوم إطلاق السراح يصادف يوم السبت أو الأحد أو يوم عطلة رسمية، يكون هذا الإطلاق في يوم العمل الذي يسبقه".
و. الفقه القضائي الداخلي
الاعتراض في حال تحيز المحكمة
40. فايدون إيكونوميديس ضد الشرطة، التقارير القانونية القبرصية (1983) المجلد الثاني، ص 301.
"عند الزعم بتحيز المحكمة، يجب الإشارة إليه خلال الإجراءات في أقرب وقت. ويجب أن يبت فيه القاضي المعني ويخضع قراره دائماً للمراجعة القضائية إما بالاستئناف أو بأمر رئاسي عندما لا يكون الاستئناف ممكناً ضد قراره النهائي في الإجراءات المثارة حول مسألة التحيز.
فيما يتعلق بمسألة التحيز، تقوم المسألة على معرفة ما إذا كان يمكن لشخص عاقل ومنصف، حاضر في المحكمة وعلى دراية بكل الوقائع ذات الصلة، أن تتوفر لديه الأسباب المنطقية للاشتباه بأن المدعي لا يمكن أن يتمتع بمحاكمة عادلة".
ثالثاً. مفردات
41. المصطلح اليوناني ravasakia (ravasaki
1. ج. بابينيوتي، قاموس اللغة اليونانية الحديثة، ص. 1542 (.
(أ) رسالة أو مذكِّرة قصيرة وسرية ذات محتوى عاطفي
)
(ب) أي شيء مكتوب (وثيقة، رسالة، وما إلى ذلك)، بشكل عام ذو طابع مزعج، يرسل إلى شخص ما. مرادفات: على سبيل المثال، رسالة، مذكِّرة
)
2. الأخوة بوسناكي، المعجم الشعبي
)
(أ) مذكِّرة (
(ب) رسالة غرامية (
3. معجم اللغة اليونانية الحديثة العام، جامعة أرسطو في ثيسالونيكي، معهد الدراسات اليونانية الحديثة، صفحة 1741
)
(أ) رسالة غرامية، مذكرة (يتم إرسالها سراً) (
(ب) رسالة مختصرة مكتوبة عادة ذات طابع غير سار للمتلقي (تحذير، تهديد، الخ)
)
رابعاً. مقارنات ذات صلة بين القانون والتطبيق
أ. ملاحظات تمهيدية
42. نلاحظ بشكل عام أنه في إطار أنظمة القانون العام وبعض أنظمة القانون المدني يُسمح للمحاكم بالبت في الوقائع التي تعرقل المداولات التي تجري أمامها وذلك ضمن إجراء مقتضب يديره القاضي الذي يرأس المحكمة الرئيسية والتي تمتلك صلاحية اتخاذ تدابير فورية. بالمقابل، في معظم أنظمة القانون المدني، تحال أي مشكلة مرتبطة بتصرف معرقِل إلى السلطات القضائية المختصة بهدف إقامة دعوى جنائية أو تأديبية. وفي هذا الصدد هناك فرق كبير بين أنظمة القانون العام وأنظمة القانون المدني.
ب. القانون التطبيق في أنظمة القانون العام في الدول المتدخِّلة
43. تتضمن الفقرات التالية ملخصات للمعلومات المقدمة من الدول المتدخلة حول الوضع الراهن للقانون الإيجابي في قوانينها الداخلية بما يتعلق بإهانة المحكمة.
1. بريطانيا
أ) إنجلترا وويلز[1]
44. بموجب القانون الساري في إنكلترا وويلز، تتمتع المحاكم بسلطات واسعة للتعامل مع إهانة المحكمة، بما في ذلك الإهانة المرتكبة أمام المحكمة (
45. تعتبر صلاحية الحكم على أي شخص بتهمة الإهانة المرتكبة أمام المحكمة جزء من القانون العام، وقد بلورتها المحاكم من خلال القرارات القضائية. وهذا لا يزال قائماً بالنسبة للمحاكم العليا (محكمة الاستئناف، المحكمة العليا ومحكمة التمييز). أما بالنسبة للمحاكم الأدنى، فقد نصت النصوص التشريعية على صلاحية الحكم على أي شخص بتهمة الإهانة المرتكبة أمام المحكمة (المادة 12 من قانون 1981 حول أهانه المحكمة ( 1981 1984 Note
46. وفقاً للتعليمات التنفيذية، على سبيل المثال، عند النظر في تهمة الإهانة المرتكبة أمام المحكمة، من المناسب من حيث المبدأ إرجاء النظر في التصرف المعني بهدف السماح للفاعل بالاستفادة من فترة زمنية للتفكير. وعلاوة على ذلك، يجب على القاضي أن يقدم للمتهم معلومات تفصيلية، ويفضل أن يكون خطياً، حول الأفعال والتصرفات التي قامت عليها التهمة، وأن يوضح له العقوبات التي يواجهها، وأن يمنحه فرصة للاعتذار إلى المحكمة وتقديم التفسيرات لتصرفاته وسلوكه، وأن يقوم بالترتيبات اللازمة لتمثيله قانونياً (من قِبَل محامي). بالإضافة إلى ذلك، إذا كان هناك خطر وجود تحيز، يجب على القاضي الذي يرأس المحكمة أن يطلب إلى قاضٍ آخر النظر في التهمة (المواد من 12 إلى 14 من التعليمات التنفيذية).
47. كقاعدة عامة، يتمتع القضاة بصلاحية دراسة ومعاقبة تهمة إهانة المحكمة المرتكبة أمامهم، ومع ذلك تُقِر المحاكم أن هذا الإجراء المستعجل ينبغي أن لا يستخدم إلا بشكل استثنائي وعندما يكون هناك ضرورة قطعية لاستخدامه من أجل مصلحة العدالة. وهكذا، على الرغم من الإقرار بأن هذا الإجراء يجب أن تحتفظ بطابعه المستعجل كي يكون فعالاً، فقد سعت المحاكم أيضاً للتأكد من أن هذا الإجراء هو عادل ويتفق مع أحكام المادة 6 من الاتفاقية. فقد أعطت محاكم الاستئناف، من خلال أحكامها، للمحاكم توجيهات حول الضمانات التي يجب اتخاذها لضمان أن يكون الإجراء المستعجل ضد مرتكب الإهانة المزعومة عادلاً. ويشمل هذا، من بين أمور أخرى، السماح للمعني بالاستفادة من فترة قصيرة للتفكير، وإمكانية إرجاء النظر في الإهانة، واتخاذ الترتيبات اللازمة لضمان التمثيل القانوني، وإعطائه فرصة للاعتذار (انظر [ر] ضد موران، تقارير الاستئناف الجنائي للعام 1985، المجلد 81، ص 51؛ [ر] ضد هيل، تقارير القانون الجنائي للعام 1985، ص 457؛ ويلكنسون ضد [س]، جميع تقارير انجلترا للعام 2003، المجلد الثاني، ص 184). ويبدو واضحاً من دراسة السوابق القضائية أن المحاكم تهتم كثيراً من أجل تجنب أي خطر حقيقي محتمل بالتحيّز. المعيار الذي تطبقه المحاكم في هذا الصدد هو "الانحياز الواضح"، الذي يدعوهم للتساؤل، وفقاً للظروف، فيما إذا كان من الممكن لمراقب منصف ومستنير أن يستنتج أن هناك إمكانية حقيقية بعدم حيادية المحكمة (انظر ل[د ب ب] ضد القناة التلفزيونية الرابعة، جميع تقارير إنجلترا لعام 1993، المجلد الثاني، ص 517؛ بورتر ضد ماجيل محكمة الاستئناف للعام 2002، المجلد الثاني، ص 357). حكمت محكمة الاستئناف مؤخرا في قضية [ر] ضد دودز تقارير الاستئناف الجنائي للعام 2003، المجلد الأول، ص 3) بأن المتطلبات الطبيعية التي وضعها القانون العام في التعامل مع الإهانة ذات الطبيعة الجنائية ليست أقل من متطلبات الاتفاقية.
ب) إسكتلندا
48. تعتبر جريمة ازدراء المحكمة في إسكتلندا جريمة فريدة من نوعها. لا تزال النصوص القانونية حول إهانة المحكمة، عدا استثناءات محدودة، تشكل جزءاً من القانون العام. عادة ما يتعامل رئيس المحكمة مع الفعل المشكل للإهانة المرتكبة أمامها ضمن إطار إجراء مستعجل. وحين يرقى هذا الفعل إلى مستوى جريمة جنائية متمايزة، يمكن إخضاعه إما للملاحقة الجنائية بموجب لائحة اتهام أو إلى إجراء مستعجل.
49. حتى وإن بقي الإجراء في جوهره مستعجلاً، فقد اُتخذت عملياً مجموعة تدابير من أجل ضمان الحياد. يتبع القضاة، على وجه الخصوص، مذكرة صادرة عن وزير العدل ([2].
2. إيرلندا
50. بموجب القانون الايرلندي، تُعد إهانة المحكمة جريمة فريدة من نوعها وتقع ضمنياً ضمن اختصاص المحكمة المعنية. تشكل الإهانة المرتكبة أمام المحكمة جريمة جنائية ويحكم عليها في إطار إجراء مستعجل سواءً عبر المحاكم العليا أو الدنيا.
51. لطالما اعتبرت المحاكم الايرلندية أن إهانة المحكمة ليست جريمة ضد الكرامة الشخصية للقضاة وإنما هي الاسم الذي يطلق على هذا النوع من السلوك المستهجَن الذي ينتهك إقامة العدل. وتعتبر صلاحية الفصل والمعاقبة على مثل هذا السلوك عنصراً أساسياً من عناصر سيادة القانون وجانب أصيل من الصلاحيات الممنوحة للقضاة للسيطرة على الإجراءات التي تجري أمامهم.
52. من أجل حماية حقوق فاعل ذلك السلوك المزعوم وضمان حياد المحكمة، ينص القانون على العديد من الضمانات الإجرائية في حالة الإهانة في مواجهة المحكمة، وهكذا ينبغي على القضاة ألا يحكموا إلا عند الضرورة فقط في تلك الإجراءات الناشئة عن تلك الأحداث أمام محاكمهم.
3. مالطا
53. في القانون المالطي، تنضوي إهانة المحكمة ضمن النصوص التشريعية في الباب السابع عشر من المجلد الثاني من قانون التنظيم القضائي والإجراءات المدنية تحت عنوان "الاحترام الواجب للمحكمة". تنطبق هذه القواعد أيضا على المحاكم الجنائية بموجب المادة 686 من القانون الجنائي.
54. ووفقا للممارسة المتبعة منذ فترة طويلة في المحاكم المالطية، يُعاقِب القاضي أو القاضي الذي يترأس الإجراءات على جريمة إهانة المحكمة ضمن الإطار الذي ارتكبت فيه هذه الإهانة. قد تأخذ إهانة المحكمة شكل تشويش ضمن في قاعة المحكمة عن طريق، على سبيل المثال، الصراخ بالموافقة أو الرفض، أو سلوك غير لائق باستعمال كلمات غير لائقة أو إيماءات أو ملاحظات مهينة (المادة 990) أو استخدام تعبيرات مهينة أو هجومية في المذكرات الخطية أو خلال جلسات المحاكمة (المادة 994).
55. وفقا للمادة 990 من قانون العقوبات، يمكن أن يُعاقَب على جريمة الإهانة المرتكبة المحكمة أمام المحكمة بالأنواع الأربعة التالية من العقوبات: التوبيخ أو الطرد من قاعة المحكمة، أو الغرامة المنصوص عليها في القانون الجنائي، أو الاعتقال لفترة لا تزيد عن أربع وعشرين ساعة داخل مبنى المحكمة.
56. الاستثناء الوحيد الممكن لهذا الإجراء المستعجل هو عندما تشتمل الإهانة على العناصر المكونة للجريمة المعاقب عليها في القانون الجنائي (انظر: المحكمة ضد انجيلو بيس، تاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول 1990). في مثل هذه الحالة، تتم متابعة القضية على أنها جريمة جنائية. ويمكن لرئيس المحكمة المعنية أن يأمر بالقبض على الجاني، وتنظيم محضر رسمي بالواقعة وإحالة المعني إلى المحكمة الابتدائية (المادة 992).
57. إضافة إلى ذلك، ثمة نصوص قانونية خاصة إذا جاءت الإهانة من قبل المحامين. لا تطبق العقوبات العادية، ولكن في الحالات الخطيرة، يجوز للقاضي أو الرئيس أن يأمر بتعليق المحامي "فورا" عن ممارسة المهنة لمدة لا تزيد على شهر واحد (المادة 993).
ج. المبادئ التي تعتمدها المنظمات الدولية
58. وفقا للفقرة 20 من المبادئ الأساسية الخاصة بدور المحامي (التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة الثامن للوقاية من الجريمة ومعاملة المجرمين في عام 1990)، ينبغي أن يتمتع المحامون "بالحصانة المدنية والجنائية بالنسبة للتصريحات التي يدلون بها بنية حسنة، سواء كان ذلك في مرافعاتهم الخطية أو الشفهية أو لدى مثولهم أمام المحاكم أو غيرها من السلطات القضائية أو الإدارية ".
59. في توصيتها رقم (2000) 21، أوصت لجنة وزراء مجلس أوروبا حكومات الدول الأعضاء باتخاذ أو تعزيز، حسب الحالة، جميع التدابير التي تراها ضرورية بهدف تنفيذ حرية ممارسة مهنة المحاماة. على سبيل المثال، "لا يجوز أن يخضع المحامون أو يهددون بالخضوع إلى أي عقوبات أو ضغوط أياً كان نوعها عندما يتصرفون وفقاً للمعايير المهنية". ومع ذلك، ينبغي للمحامين "احترام القضاء والقيام بواجباتهم تجاه المحكمة وفقاً للتشريعات وغيرها من القواعد المحلية والمعايير المهنية" (المبادئ: أولاً- الفقرة الرابعة و ثالثاً- الفقرة الرابعة؛ انظر نيكولا ضد فنلندا، رقم 31611/96، الفقرتين 27 و28، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2002 - المجلد الثاني).
القانون
أولاً. الانتهاك المزعوم للمادة 6 الفقرة 1 من الاتفاقية
60. يؤكد المدعي أنه لم تُعرض قضيته أمام محكمة نزيهة وفقاً للفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية، والتي تنص المقاطع ذات الصلة منها على ما يلي:
"لكل (...)."
أ. قابلية التطبيق
1. حكم الغرفة
61. بناءً على المعايير التي تولَّدت عن السوابق القضائية للمحكمة (انظر إنجل وآخرون ضد هولندا، الحكم الصادر في 8 يونيو/حزيران 1976، السلسلة (أ) رقم 22، ص 34-35، الفقرات 82-83)، وجدت الغرفة أن المتطلبات الواردة في المادة 6 من الاتفاقية بالنسبة لدراسة كل التهم الجنائية وحقوق الدفاع عن حق أي متهم تنطبق بشكل كامل في هذه القضية.
2. مرافعات الماثلين أمام المحكمة
أ) المدعي
62. يتبنى المدعي منطق الغرفة في هذا الصدد.
ب) الحكومة
63. لا تعترض الحكومة على تطبيق المادة 6 من الاتفاقية في القضية. ومع ذلك فقد أشارت إلى أنه على الرغم من إهانة المحكمة قد تؤدي إلى عقوبات جنائية، من الضروري، في إطار النظر في مقتضيات المادة 6، الأخذ بالحسبان أن إجراءات إهانة المحكمة ليست مثل أية إجراءات جنائية عادية، بل هي شكل مميز من الإجراءات التي تهدف إلى ضمان سير عمل المحكمة، وحماية سلطتها ومكانتها وحماية، من أجل المصلحة العامة، حيادية العملية القضائية.
3. تقييم المحكمة
64. إن قابلية تطبيق الفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية في شقها الجنائي ليس محل نزاع بين الأطراف. ولا ترى المحكمة من جانبها أي سبب للابتعاد عن استنتاج الغرفة بشأن هذه المسألة (انظر الفقرة 61 أعلاه). وعليه، فإنها خلصت إلى أن الإجراءات الداخلية المطعون فيه تقع ضمن نطاق النص المعني [الفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية].
ب. ملاحظة
1. حكم الغرفة
65. حكمت الغرفة بأن المحكمة التي قضت في التهمة الجنائية الموجهة ضد السيد كيبريانو بإهانة المحكمة لم تحترم مبدأ الحياد، لا من الناحية الموضوعية ولا الذاتية، في معرض منطقها الذي أدى إلى هذا الاستنتاج، اعتبرت الغرفة أن الثغرات التي كانت موجودة في الإجراءات أمام محكمة الجنايات في ليماسول لم تصححها المحكمة العليا خلال الاستئناف.
2. مرافعات الماثلين أمام المحكمة
أ) المدعي
1. مسألة الحياد
66. أشار المدعي إلى أن لا يسعى لإثبات أن ممارسة محكمة محلية لصلاحية المعاقبة على الإهانة المرتكبة أمامها عبر إجراء مستعجل يتعارض في حد ذاته مع متطلبات المادة 6 في جميع الظروف. ويقر المدعي أن المحاكم الوطنية، ضمن إطار أنظمة القانون العام للدول المدعى عليها والحكومات المتدخِّلة، تحتفظ بصلاحية استثنائية، من ضمن الصلاحيات الأخرى، في المعاقبة على الإهانة المرتكبة أمامها عبر محاكمة مستعجلة يجريها القاضي الذي كان يرأس المحكمة التي ارتكبت أمامها الإهانة. وليست قبرص الدولة الوحيدة التي مازالت تعترف بهذه الصلاحية التي تستند إلى القانون العام للمملكة المتحدة وتوجد أيضاً في النظم القانونية للأطراف المتدخِّلة، وكذلك على سبيل المثال، في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا.
67. وفي هذا السياق، أشار المدعي إلى أنه ثمة حالات معينة يمكن أن تُمارس فيها هذه الصلاحية بطريقة متوافقة مع المادة 6. على سبيل المثال، يمكن القول بشكل واثق أن الحالات التالية تتوافق مع المادة 6: عندما يبت القاضي في قضية تتعلق بالاعتداء على شخص أحد الأطراف المشتركين في الإجراءات التي يديرها، أو الاعتداء على محامٍ حينما يكون يقع الاعتداء خارج قاعة المحكمة ولم يكن القاضي شاهداً عليه؛ أو عندما لا يوجد خلاف حول ما حدث وعندما ينوي المتهم الإقرار بالذنب.
68. ومع ذلك، فإن الحالات التي يجوز فيها للقاضي أن يمارس هذه الصلاحية موصوفة بشكل دقيق في القانون العام. تماشياً مع المبدأ السائد في القانون المعاصر حول الإهانة، لا ينبغي لقاضٍ أن يتدخل أو يحكم في ادعاء إهانة موجهة ضد محكمته، لأن ذلك من شأنه، وبحسب وقائع القضية، أن يولِّد نوعاً من التحيز. وكذلك، إذا كان ثمة شكوك مبررة موضوعياً حول تحيز القاضي، فلا بد للقاضي من التراجع. هذا المعيار الذي أفرزه القانون العام يشبه معيار الحياد الموضوعي الذي اعتمدته المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في سوابقها القضائية استناداً إلى المادة 6 من الاتفاقية.
69. وفقاً للمدعي، من الممكن تحديد بعض الحالات التي تُولِّد شكوكاً لها ما يبررها موضوعياً حول حيادية المحكمة. ثمة ثلاث حالات على الأقل، كلها ذات صلة بالقضية الحالية، تقود لا محالة المراقب العقلاني والمنصف إلى الاستنتاج بأن هناك احتمال حقيقي بالتحيز.
70. تضم الفئة الأولى الحالات التي يكون فيها القضاة هم المستهدَفون مباشرة بالإهانة، يمكن أن تأخذ هذه الإهانة شكل انتهاك لسلامتهم الشخصية أو المعنوية (تصرفات عنيفة، أو مهدِدَة أو مُهينة موجهة ضدهم شخصياً). مثل هذه الحالات، تتطلب عموماً أن تتولى محكمة أخرى الفصل في التهمة طالما أنه يمكن لأي مراقب موضوعي أن يلمس شكوكاً لها ما يبررها حول حياد المحكمة التي يرأسها ضحية الجريمة المزعومة. بحسب المدعي، في هذه الحالة بالذات ينطبق المثل القائل "لا يمكن للمرء أن يكون القاضي في قضيته". التبرير النظري الذي ساقته الحكومة من أن صلاحية المحاكم بالمعاقبة على الإهانة المرتكبة أمامها تهدف إلى منع التدخل في إقامة القضاء وليس لحماية كرامة القضاة هو شيء منفصل تماماً عن الواقع. في مثل هذه الحالة، للقضاة مصلحة شخصية في نتيجة هذا النزاع، مما يقود لا محالة إلى ظهور التحيز، حتى ولو كانوا حريصين على الفصل بين ما هو شخصي وما هو مهني: هذان أمران متشابكان بشكل وثيق لدرجة أنهما يصبحان غير قابلين للتجزئة.
71. فيما يتعلق بوقائع القضية، أشار المدعي إلى أنه وفقاً لأقوال قضاة محكمة الجنايات فقد شعروا بالإهانة الشخصية البالغة عبر الكلمات التي استخدمها المدعي وبالتهديد الشخصي نظراً لنبرته الصوتية. وبالتالي وجد القضاة أنفسهم في نزاع مباشر مع المدعي حول طريقة اعتراضه على طريقة تسيير المداولات. مما يجعل أي مراقب موضوعي يخلص حتماً إلى وجود احتمال حقيقي أن يكون للقضاة مصلحة شخصية في ما يؤول إليه هذا النزاع، وهذا الوضع يتعارض جوهريا مع الحياد المطلوب من القضاة. طالما أن الإهانة المزعومة تقوم على إساءة موجهة إلى القضاة، فهذا عنصر حاسم من شأنه في مثل هذه الحالة أن يقود إلى ظهور التحيز إذا ما تولى القضاة المعنيون أنفسهم البت بها.
72. تشمل الفئة الثانية الحالات التي تكون فيها الوقائع محل نزاع (أو الاستدلالات التي يمكن استخلاصها منها) بينما يكون القضاة شهوداً في المسألة. في مثل هذه الحالة لا يمكن للقضاة تقييم الأدلة والحج المتضاربة حول الحدث بحيادية وموضوعية وتجرد لأنه بلا شك سيتأثر هذا التقييم بنظرتهم الخاصة و/أو ذاكرتهم عمّا حدث. حينما يكون هناك نزاع خطير حول الوقائع أو عندما تتعلق المسألة بمعرفة ما اذا كان الجاني متهماً في إهانة جنائية، ينبغي على القضاة التراجع.
73. في هذه القضية، فإن الوقائع والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها منها محل نزاع كبير. على الرغم من أن القضاة اعتبروا حين إصدار العقوبة كما لو أن المدعي قد قصد فعلاً استخدام الكلمة الغامضة (أنها "رسائل غرامية" بدلا من "ملاحظات"، هذه العبارة المتنازع عليها - أو التي كان يمكن أن تكون متنازعاً عليها لو علم بذلك المدعي قبل إصدار الحكم. ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن الاستنتاج الذي خلص إليه القضاة من أن لهجة المدعي كانت تخويفية وتهدف إلى غرس "الرعب". وعلاوة على ذلك، كما كان قد أوضح المدعي نفسه عقب رفع قصير للجلسة بأن المسألة المتنازع عليها برمتها هي معرفة إذا ما كان سلوكه يمثل إهانة للمحكمة.
74. الفئة الثالثة تشمل الحالات التي يعرب فيها القضاة عن الرأي الذي مفاده أن المتهم مذنب بتهمة إهانة المحكمة قبل سماع الادعاء و/أو قبل سماع الأدلة أو الحجج في الموضوع. هذا التعبير عن الرأي السابق لأوانه ليس مجرد انتهاك لمتطلبات الحياد الموضوعي والشخصي المشتقة من الفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية فحسب ولكنه يمثل انتهاكاً الفقرتين 2 و 3 (أ) أيضا.
75. في هذه القضية، حكم قضاة محكمة الجنايات بإدانة المدعي بمجرد أصر على كلامه وقبل البحث عن أي تفسير أو دراسة الادعاء.
76. بما أن القضية الحالية قد جمعت كافة ميزات الفئات الثلاث المذكورة أعلاه، فإن تطبيق معيار الحياد الموضوعي حول الوقائع يقود حتماً إلى استنتاج أن محكمة الجنايات في ليماسول لم تكن محكمة محايدة وأنه كان ينبغي على قضاتها التراجع.
77. من جهة أخرى، يشترك المدعي مع وجهة نظر الغرفة القائلة بأن شرط الحيادية الذاتية للقضاة لم يكن متوفراً في القضية. يبدو من محاضر الجلسات ككل أن القضاة وجدوا أنفسهم في نزاع مباشر مع المدعي الذي يمثل أمامهم. وشعروا عبر الكلمات التي استخدمها المدعي بأنه قد تُعدِّي عليهم شخصياً بشكل بالغ، هذا الشعور بإهانة كرامتهم الشخصية دفعهم للتصرف بطريقة مفرطة وغير متناسبة. وفي هذا الصدد أشار المدعي إلى عدة عوامل اعتبر أنها ضرورية في إبراز التحيز الشخصي للقضاة.
78. أولاً، وصف القضاة كلماته بأنها إهانة بمجرد أنه فرغ من الحديث وقبل سماع حججه أو إعطاءه فرصة للرد. ثانياً، عندما اقترح أحد قضاة المحكمة اطلاع المدعي على الملاحظة التي تم تداولها بين القضاة، تدخل قاضٍ آخر قائلا أنه ليس من حق المدعي الاطلاع على تلك الملاحظة، وأن سلوكه "غير مقبول نهائياً". ثالثاً، مُنح المدعي فرصة للكلام، ولكن فقط من أجل تخفيف الحكم. رابعاً، لم يكن هناك أي محاولة لصياغة اتهام مفصَّل أو إعطاء المدعي أي فرصة مناسبة للرد. على وجه الخصوص، لم يخبره أحد بأن القضاة قد فسروا كلمة
79. وأخيراً، أشار المدعي إلى أن القضاة، في ممارستهم لصلاحيتهم في الحكم عبر إجراء مستعجل، أدانوه وحكموا عليه بالسجن لمدة خمسة أيام على الفور، دون أن التفكير في أي حل آخر أقل شدة من بين التدابير المتاحة لهم: تأجيل القضية لليوم التالي للسماح للنفوس من كلا الجانبين بالتهدئة واستعادة رباطة الجأش والموضوعية؛ توبيخ المدعي؛ إحالة القضية إلى محكمة جنايات أخرى. الطلب إلى المدعي أو أمره بمغادرة قاعة المحكمة؛ إحالة المدعي إلى المجلس التأديبي للمحامين الذي باستطاعته اختيار عقوبة من بين ترسانة من العقوبات منها التوبيخ ودفع الغرامة أو الإيقاف عن ممارسة. بينما تشكل عقوبة السجن لمدة خمسة أيام ردة فعل غير متناسبة كلياً ودليل بحد ذاتها على أن اثنين من القضاة على الأقل كانا قد فقدا الموضوعية بشكل كامل في تلك الحظة.
2. المراجعة التي قامت بها المحكمة العليا
80. يشاطر المدعي استنتاج الغرفة القائل بأن شرط كون المحكمة العليا لم تعالج الثغرات الموجودة في الإجراءات أمام محكمة الجنايات في ليماسول.
81. ليس بوسع المحكمة العليا خلال الاستئناف معالجة شكاوى المدعي التي يتقدم بها اليوم بموجب المادة 6 من الاتفاقية إلا إذا أيدت تلك الشكاوى وبالتالي ألغت الإدانة والعقوبة (انظر دي كوبر ضد بلجيكا، الحكم الصادر في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1984، سلسلة (أ) رقم 86، ص 19، الفقرة 33، و فندلي ضد بريطانيا، الحكم الصادر في 25 فبراير/شباط 1997، سجل الأحكام والقرارات 1997- المجلد الأول، ص 282، الفقرة 79). إلا أنه، على الرغم من امتلاك المحكمة العليا لصلاحية إعادة النظر في المسائل القانونية والوقائع التي أثارها المدعي في استئنافه، فقد رفضت شكاويه ولم تمنحه أي تعويض.
82. بالمقابل، أكد المدعي أن المحكمة العليا لم تكن محكمة قضائية متكاملة لأنها لم تستطع القيام - ولم تقم - بإجراء دراسة جديدة للادعاء. يقتصر اختصاص المحكمة العليا على تصحيح الأخطاء القانونية أو الأخطاء الفعلية الواضحة أو غير المعقولة. ولم يكن بوسع المحكمة العليا التحقق من منطقية ودقة استنتاجات محكمة الجنايات ولا اتخاذ قرار وفقاً للأدلة المقدمة ونقض الإدانة بسبب غياب الإثباتات.
ب) الحكومة
1. مسألة الحياد
83. اعترضت الحكومة بشدة على عدة جوانب من حكم الغرفة الكبرى عبر رسالتها التي طلبت فيها إحالة القضية إلى الأخيرة والملاحظات الخطية والشفوية التي وجهتها لها.
84. أولا، اعتبرت الحكومة أن الغرفة في الفقرة 37 من حكمها اعتمدت قاعدة جامدة وغير مرنة فيما يتعلق بالإهانة التي ترتكب أمام المحكمة. تعتب الحكومة على الغرفة عدم أخذ الأخيرة بعين الاعتبار لطبيعة وخصوصية الإجراءات القانونية في أنظمة القانون العام. وتزعم أن هذه القاعدة يمكن أن تقوض وجود هذه الصلاحية، الراسخة في القانون العام، في الفصل بشكل مستعجل في قضايا الإهانة، وتستند إلى سوء فهم خطير للقانون والممارسة في القانون العام ليس في دول الاتفاقية، ولكن أيضا، على سبيل المثال، في أستراليا وكندا والولايات المتحدة. وفي هذا الصدد، أشارت الحكومة إلى أنه، على عكس ما صرحت به الغرفة في الفقرة 22 من حكمها، فإن قبرص ليست الدولة الوحيدة من بين الدول المتعاقدة التي تعترف بهذا الإجراء المستعجل.
85. إن لجوء المحكمة لإجراء مستعجل للفصل في قضية إهانة مرتكبة أمامها، إذا كانت ظروف القضية تبرره وفي حال وجود ضمانات إجرائية، لا يتعارض من حيث المبدأ مع المادة 6 من الاتفاقية، حتى المدعي ذاته لا يعترض على ذلك. تسهم الصلاحية الممنوحة لمحاكم القانون العام منذ وقت طويل، والتي تقوم على اتخاذ إجراءات فورية ضد مرتكبي الإهانة ومعاقبة التصرفات غير اللائقة المقترفة أمامها، في ضمان سلطة القضاة وحيادتيهم، وتشكل عنصرا ضروريا ولا غنى عنه للمحاكمة العادلة.
86. إذا كانت النظم القانونية المحلية تضمن وتحمي بشكل كامل الحقوق التي تكرسها الاتفاقية، فإن النظام الذي أنشأته الأخيرة لا يتطلب تبني حلول موحدة أو قواعد ميكانيكية تُفرض على المحاكم الوطنية. كما هو موضح في الاتفاقية، تجسد المادة 6 من الاتفاقية نظم العدالة والمساواة في دول القانون العام كما في دول القانون المدني.
87. تشكل الحاجة إلى اتخاذ إجراءات حاسمة وفورية من قبل المحكمة نفسها عندما يرتكب أحد أطراف الدعوى، محامٍ أو أحد أفراد الجمهور فعلاً مهيناً، جانبا أساسيا من جوانب سيادة القانون وضرورة الحفاظ على سلامة العملية القضائية. السؤال الحقيقي هو تحديد الخط الفاصل بين القضايا التي تحتاج إلى أن تُعالج عبر إجراء سريع وتلك التي تتطلب الشروع في التماس منفصل أمام قاضٍ آخر. لا يوجد أي قاعدة تنص على أن كل الإهانات المرتبكة أمام المحكمة يجب أن تُدرس و تُحاكم بشكل مستقل من قبل قاضٍ آخر لم يُستهدَف بالإهانة.
88. على الرغم من أنه يمكن التمييز بين الحالات التي يكون فيها التصرف المهين موجه ضد القضاة أنفسهم (كما هو الحال في هذه القضية)، وتلك التي تقتصر، على سبيل المثال، على وجود شخص قد تسبب باضطراب في قاعة المحكمة، يبقى المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه ضرورة أن ترد المحكمة هو نفسه: يجب حماية سلطة العملية القضائية، ورغم أنه في بعض الحالات قد يستهدف الاعتداء شخص بعينه، من الخطأ اعتبار أن المعيار الشخصي لفعل الإهانة هو التي يحدد رد المحكمة، المرتكزة إلى المصلحة العامة.
89. تعتبر الحكومة أن اعتبار أن الإهانة قد تكون "موجهة" ضد قاضٍ هو سوء فهم للعملية القضائية. ذلك يعني أن القاضي، عندما يتخذ إجراء ما إنما يسعى للدفاع عن حق ما شخصي وبالتالي لا يمكن أن يكون مستقلاً ومحايداً. في الواقع، وكما أشارت الدول المتدخِّلة في تعليقاتها، أن القضاة عندما يردون على إهانة ارتكبت أمام محاكمهم فإنهم لا يعملون على حماية أنفسهم ولكن على أجل حماية سيادة النظام القضائي وإقامة العادلة. الإجراءات الموجه ضد الإهانة لا يحل نزاعاً شخصياً بين قاض ومرتكب الإهانة المزعومة. عندما نقتنع بما سبق، يصبح من الواضح أن لم يكن هناك شيء خاطئ من حيث المبدأ في تعامل محكمة الجنايات في ليماسول مع هذه المسألة. في الواقع، وكما بينت الحكومة الايرلندية بطريقة واضحة، ستنشأ مشاكل خطيرة إذا ما استُمِع للقضاة كشهود ضمن إجراءات قضائية مستقلة تنظمها الدولة، بدل أن يحكموا بأنفسهم في تهم الإهانة التي ترتكب أمام محاكمها.
90. بالنظر لوقائع القضية الحالية، فإن إقامة إجراء سريع له ما يبرره بالكامل. فالأمر هنا لا يتعلق بمحامٍ يدافع بحرية عن موكله ولكن بمحامٍ لا يتصرف بطريقة مهنية. لا يوجد أي التباس حول سلوك المدعي أو ما تضمنه ملف القضية.
91. تهجَّم المدعي مرات متكررة على العملية القضائية، وفي هذا الصدد فإن سمعته وخبرته تشكلان ظروفاُ مشدِّدة (بدلا من مخففة). وعلى عكس ما اعتبرته الغرفة، ليس الأمر مسألة نزاع شخصي بين قضاة محكمة الجنايات والمدعي.
92. لا تسمح ترجمة محاضر جلسات الإجراء التي تضمنت التجاذبات التي جرت أمام محكمة الجنايات في ليماسول في فهم المعنى الحقيقي لما قيل فعلياً ولا كيف يفهم شخص يتحدث اليونانية الكلمات المستخدمة. في هذه القضية، يوحي الموقف العام للمدعي واللهجة التي استخدمها بأنه كان ينوي طيلة فترة الحادثة إعطاء كلمة
93. لا يمكن أن نفترض أن قضاة محكمة الجنايات افتقروا إلى الاستقلالية والحياد الضروريين لأنهم كانوا ضحايا السلوك المتطرف للمدعي. بالإضافة إلى ذلك، كما يبدو من محاضر الجلسات أنهم لم يفعلوا أي شيء خلال الإجراءات ينم عن تحيز. بل كان تعاملهم مع المدعي بلطف واحترام، في تناقض ملحوظ مع التدخلات التعسفية المتكررة للمعني.
94. من جهة أخرى، وفقاً للحكومة، لم يبد قضاة محكمة الجنايات تحيزاً شخصياً. فلا يوجد أي دليل على أنهم كانوا منحازين، والأمور التي بنت عليه الغرفة استنتاجاتها في هذا الصدد لا تسمح بإثبات وجود مثل هذا التحيز. وفيما يتعلق بـ "العجالة" المزعومة التي حكم بها المدعي، أكدت الحكومة أن القضاة عملوا ببساطة على حماية العملية القانونية في ظل ظروف رفض فيها المدعي الاعتذار، ولم يطلب التأجيل ودعا المحكمة وبشكل تعسفي للحكم عليه. أما بالنسبة لعقوبة السجن لمدة خمسة أيام التي فُرضت على المدعي، فقد أيدت المحكمة العليا، التي لم يُطعن في حيادتها واستقلاليتها، الحكم عند الاستئناف.
95. أكدت الحكومة أن الحق في محاكمة عادلة على النحو المنصوص عليه في المادة 6 من الاتفاقية يشكل جزءاً أساسياً من القانون القبرصي بموجب المادة 30 (الفقرتين 2 وَ 3) وَ المادة 12 (الفقرتين 4 وَ 5) من الدستور.
96. وأضافت الحكومة في هذا السياق أن القانون القبرصي يوفر مجموعة كاملة من الضمانات المتاحة للمتهمين الذين لديهم مخاوف بشأن حياد القاضي المكلَّف بالبت في قضية الإهانة. على سبيل المثال، بموجب المادة 174 من قانون الإجراءات الجنائية، يحق للمحكمة العليا أن تأمر، بناءً على طلب المدعي العام أو المتهم، أن يُنظر القضية من قِبل أو أمام محكمة أخرى. ويمكن اتخاذ ذات الإجراء إذا توفر أي من الشروط المنصوص عليها في المادة أعلاه. إضافة إلى ذلك، يمكن للمتهم أن يقدم اعتراضاً أولياً حول تحيز القاضي من أجل استبعاده (انظر فايدون إيكونوميديس، الفقرة 40 أعلاه).
97. من جهة أخرى، على الرغم من أن الفقرة الثانية من المادة113 من الدستور القبرصي تمنح النائب العام للجمهورية سلطة تقديرية، خاصة في ما يتعلق بالشروع أو إدارة أو إعادة أي إجراء جنائي ضد أي شخص، فإن النصوص الخاصة بجرم الإهانة في قبرص، كما في غيرها من الدول ذات أنظمة القانون العام، تسمح للمحاكم أن تدير بنفسها الوقائع التي تنم عن إهانة مرتكبة أمامها وذلك عبر إجراءات مستعجلة. عندما تلجأ المحكمة إلى إجراء مستعجل، لا يبقى للنائب العام أي دور، كما هو الحال في هذه القضية، حيث مَثَلَ القاضي أمام المحكمة العليا كصديق للمحكمة بناءً على دعوتها.
98. ما عدا الإجراءات المتعلقة بجرم الإهانة، كان من الممكن اتخاذ إجراءات تأديبية ضد المدعي على أساس قانون المحامين (الفصل 2)، والقواعد التأديبية المتخذة عند تطبيقه. لكن، وكما في غيرها من أنظمة القانون العام، يعتبر دور المحكمة في إقامة إجراءات ضد المحامي في موضوع الإهانة شيئاً منفصلاً ومستقلاً عن سلطة الهيئات المهنية في فرض العقوبات التأديبية. في قبرص، تتدخل الهيئة التأديبية حول الإهانة بعد أن تصدر المحكمة العقوبة، فهي ليست بديلاً عن الإجراء القضائي. في حين، كما هو الحال في معظم الأنظمة القضائية، يوجد إجراءات تأديبية مهنية موازية والتي بموجبها يتم معاقبة أعضاء نقابة المحامين عبر هيئات مهنتهم، فلا يجوز إنكار حق المحكمة وواجبها المتأصلين في حماية نزاهة إجراءاتها الخاصة لصالح نظام تأديبي يمثل تنظيماً ذاتياً للمهنة.
99. وفي هذا الصدد، أكدت الحكومة أنه من الضروري التأكيد على توافق صلاحية الحكم في قضايا الإهانة مع مبادئ المحاكمة العادلة، من أجل تجنب تقويض أو إضعاف سلطة المحاكم الوطنية أو الانضباط المهني المطلوب من المحامين بأي شكل من الأشكال.
2. المراجعة التي قامت بها المحكمة العليا
100. تؤكد الحكومة أنه، على عكس ما يجري عادة في الطعون الأخرى في نظم القانون العام، والتي تقتصر على مراجعة بسيطة للقرار المعني دون عمل تقييم مستقل، تمتلك المحكمة العليا الصلاحية التامة لمراجعة الوقائع والقانون، من أجل إبطال قرار محكمة الجنايات. كما أنها تستطيع ، إذا لزم الأمر، الاستماع شهادات شفهية.
101. في هذه القضية، أجرت المحكمة العليا محاكمة جديدة وعمدت إلى مراجعة شاملة للوقائع والقانون والعقوبة. وركَّزت في قرار حكمها بشكل خاص على مسألة ما إذا كان سلوك المدعي يشكل إهانة للمحكمة وتناولت أيضاً موضوع صحة الإجراءات التي تلتها وكذلك العوامل التي من شأنها تبرير عقوبة السجن. بعد الاستماع إلى جميع الحجج، وجدت المحكمة العليا أن المدعي كان مذنبا بارتكاب جريمة الإهانة وبعد النظر في النقاط المتعلقة بالظروف المخفِّفَة، خلصت إلى أن لا يوجد أي سبب يبرر تعديل العقوبة.
102. على الرغم من زعم المدعي في مرافعاته أن المحكمة العليا لا تتمتع بسلطة كاملة، يتبين من المواد القانونية التي أتى على ذكرها أن المحكمة العليا تتمتع بالصلاحية التامة من أجل إعادة النظر في مجمل الأدلة وتقديم استنتاجاتها الخاصة بها حول الواقعة. ولقد أظهر طول الحكم الصادر عن المحكمة العليا ضمن جلسة عامة أنها عمدت إلى إعادة نظر شاملة لجميع الوقائع. وكان المدعي مدركاً تماما للتهم الموجهة إليه، ومُثِّل قانونيا من قبل العديد من المحامين الذي يُعدُّون من أكثر أعضاء نقابة المحامين القبرصية شهرةً.
103. وأخيراً، تؤكد الحكومة أن المراجعة الشاملة التي شملت كافة الوقائع وفحوى القضية ساهمت في تدارك أي عيب يمكن أن يكون قد شابَ الإجراءات أمام محكمة الجنايات بما في ذلك مشكلة التحيز. وبالتالي، فإن الحكومة تعتبر أن ينبغي رفض شكاوى المدعي المرتكزة للمادة 6 من الاتفاقية.
ج) الأطراف الثالثة المتدخِّلة
ملاحظات أولية
104. إضافة إلى مذكراتهما حول الوضع الحالي في ظل قوانينهما الداخلية بشأن إهانة المحكمة، قدمت حكومتا بريطانيا وإيرلندا تعليقاتٍ على المبادئ التي طرحتها الغرفة في حكمها حول الإجراءات القانونية في حال الإهانة.
1. الحكومة البريطانية
105. أقرَّت الحكومة البريطانية أنه عند النظر في وقائع ربما تشكل إهانة للمحكمة من قبل القاضي الذي ارتكبت أمامه تصبح مسألة الحيادية سؤالاً وجيهاً. ومع ذلك، بالنسبة لها، كون ذات القاضي الذي سيحكم في الحادثة هو نفسه الذي حدثت أمامه الوقائع ليس عاملاً حاسماً في مسألة الحياد في كل حالة. وأعربت الحكومة البريطانية عن قلقها إزاء النهج الذي اعتمدته الغرفة في الفقرة 37 من حكمها، ولا سيما غياب أي هامش للتقدير. وأشارت في هذا الصدد إلى أنه في سوابق القانون الداخلي، ثمة أفعال متنوعة يمكن اعتبارها إهانة للمحكمة، وتعتبر أن مشكلة الانحياز الموضوعي لا تُطرح في كل حالة إهانة أمام المحكمة.
106. في إشارة إلى الفقرة 35 من حكم الغرفة، رأت الحكومة البريطانية أن السلوك المشكِّل للإهانة ليس بالضرورة موجهاً ضد شخص القاضي. وأشارت إلى أن عددا من القضاة الإنجليز يرون أن عبارة "إهانة المحكمة" من المؤسف أنها مضلِّلة حيث تعطي الانطباع أنها في مضمونها استهداف لكرامة القاضي ذاته. في بعض الحالات، تكون إدارة العدالة هي المهددة وليس كرامة القاضي كفرد. وعليه تكون مسألة الانحياز الموضوعي غير واردة أصلاً ويصبح من غير المفيد إحالة الأمر إلى قاض آخر. وعلاوة على ذلك، في بعض الحالات، لا يوجد أي نزاع لا بشأن الوقائع المشكلة للإهانة ولا بشأن الاستنتاجات المستخلصة منها، وبالتالي لا حاجة لإحالة القضية إلى النيابة العامة أو للمثول أمام قاض آخر. حتى عند وجود شتيمة تستهدف شخص القاضي، فهذا لا يعني بالضرورة أن تحال قضية إهانة المحكمة إلى قاضٍ آخر. في الواقع، يمكن أن تكون الإهانة بعبارات عامة، مثل "كل القضاة فاسدون"، وفي هذه الحالة لن يكون قاضٍ أكثر أو أقل حيادية من أي آخر. فالموضوع متعلق بظهور التحيز، والمعيار الذي تعتمده المحكمة في تحديده في ظل ظروف القضية هو هل من الممكن لمراقب منصف ومستنير أن يستنتج أن هناك إمكانية حقيقية لوجود تحييز في المحكمة.
107. تتطلب بعض حالات الإهانة إجراءات فورية حتى تتمكن المحاكمة من المواصلة. وفي حالات أخرى يوجد حاجة ملحَّة. تُعتبر التدابير المتخذة لمعالجة بعض حالات الإهانة، مثل رفض أحد الشهود للإدلاء بشهادته، جزءاً طبيعياً من دور القاضي في تناوله لقضية ما. وبالتالي فإن إحالة الحادثة إلى قاضٍ آخر من شأنه إرباك المحاكمة دونما طائل.
108. وأخيراً، أكدت الحكومة البريطانية أن المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان قد أقرت بضرورة أن يكون بوسع المحاكم ضمان السير الصحيح للإجراءات المكلَّفة بها واتخاذ التدابير المناسبة لضمان إقامة العدل (انظر رافنسبورغ ضد السويد، الحكم الصادر في 23 مارس/آذار 1994، السلسلة (أ) رقم 283 - ب).
2. الحكومة الايرلندية
109. اعتبرت الحكومة الايرلندية أن الغرفة، في حكمها في القضية، أخطأت في عدد من الجوانب الهامة وأغفلت أو قللت من أبعاد وتأثير المبدأ الذي فنَّدته.
110. فيما يتعلق بجرم الإهانة، الوضع في قبرص هو نفسه الموجود في إيرلندا وبريطانيا.
111. إن من شأن قرار الغرفة أن يخلق تعارضاً بين الاتفاقية وجانب أصيل وهام من جوانب إقامة العدل القائم في أنظمة القانون العام، وهو صلاحية القاضي وواجبه في اتخاذ إي إجراء سريع، عند اللزوم، من أجل حفظ الانضباط في محكمته. هذا النهج يتجاهل هامش التقدير الذي تتمتع به الأطراف السامية المتعاقدة والتي ترغب في اعتماد نصوص في قوانينها تسمح لها بحفظ الانضباط وكرامة الإجراءات القضائية.
112. إن رفض الحُجة القائلة بأن الجريمة كانت موجهة ضد إقامة العدل وليس ضد شخص القاضي غير مبرر ويغفل حقيقة أن القضاة في ممارستهم لوظيفتهم من المفترض أن يتجاهلوا، في مواقف عديدة أن القضاة، وهم يتجاهلون أشياء بحسب رغبتهم ورأيهم الشخصي. ولهذا السبب، من المهم لاستخدامه كمعيار للحياد الموضوعي، تحديد إطار الجريمة التي يطلب إلى القاضي الفصل فيها والمستهدَف من الإهانة. ثم بعد ذلك يمكن تطبيق الفقه القضائي المشتق من الاتفاقية بشكل مناسب ومعقول لمعرفة ما إذا كانت هناك مخاوف مبررة بشأن الحيادية.
113. تجاهلت الغرفة الحُجة القائلة بأن إحالة مسألة الإهانة إلى السلطات الاستئنافية من شأنه أن يقلل من سلطة المحكمة ويترك للسلطة التنفيذية مهمة حفظ الانضباط. في هذا الصدد، أكدت الحكومة الايرلندية أن الإحالة إلى السلطات الاستئنافية وتعيين قاض ثان للنظر في القضية من شأنه أن يؤدي إلى تأجيل أية إجراءات يحدث فيها اضطراب أو تدخل. في المناطق النائية، قد يكون من الصعب تحويل الإجراءات إلى قاضٍ آخر. يسبب التأخير الحتمي الناتج عن ذلك مشاكل كبيرة بالنسبة لسير العملية القضائية في المحكمة الأولى. من جهة أخرى، لم تأخذ الغرفة بالحسبان الانعكاسات الهامة على سلطة المحكمة إذا كان لا يمكن للأخيرة أن تعالج وتعاقب فوراً جرائم الإهانة المرتكبة بحقها. وأخيراً، لم تُعِر الغرفة أي أهمية للضمانات الإجرائية الهامة والمتاحة فيما يخص قضايا الإهانة المرتكبة بحق المحكمة، بما في ذلك الشرط الذي بحسبه لا ينبغي للقاضي أن يفصل في الأحداث التي تنم عن إهانة للمحكمة إلا في حال الضرورة.
114. إضافة إلى ذلك، فإن حكم الغرفة لم يجب على مسألة كيف تتم معالجة التدخلات المفاجئة في سلطة المحكمة أو الأحداث المربكة لسير الإجراءات القضائية بطريقة تضمن حقوق المتقاضين في حل قضاياهم بشكل سليم وسريع من جهة، وتضمن كرامة المحكمة من جهة أخرى.
115. اعتبرت الحكومة الايرلندية أن هناك أسباب عملية متينة تجعل من المناسب أن يحكم القاضي نفسه على مرتكب الأفعال التي تشكل إهانة للمحاكمة. ومما لا شك فيه أن القاضي يقف في المكان الأنسب للتعامل مع هذه القضية. علماً أن إمكانية اللجوء الفوري لإجراء مستعجل تُشكِّل لوحدها رادعاً فعالاً.
116. وأخيرا، تدخُّل مدير النيابة العامة يمثل انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات. حيث يضطر القاضي الذي حدثت أمامه الواقعة أن يحيلها إلى النيابة العامة، وهذا مالا يُرغب به في نظام قضائي مستقل. وهذا من شأنه حرمان المحاكم من حقها في ضمان تنفيذ أوامرها الصادرة عنها ويتنافى مع مبدأ التقسيم الثلاثي الأساسي للسلطات والذي يقوم عليه الدستور بأكمله.
3. الحكومة المالطية
117. أشارت الحكومة المالطية بالرجوع للقوانين المعمول للقوانين بها في مالطا بشأن الإهانة المرتكبة أمام المحكمة (انظر الفقرات 53-57 أعلاه).
3. تقييم المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
أ) المبادئ العامة
118. تُذكِّر المحكمة في البداية أنه من الأهمية بمكان أن المحاكم في المجتمع الديمقراطي تلهم الثقة للمتقاضين، ابتداءً من المتهمين في الإجراءات الجنائية (انظر بادوفاني ضد إيطاليا، الحكم الصادر في 26 فبراير/شباك 1993، السلسلة (أ) رقم 257- ب، ص 20، الفقرة 27). تحقيقا لهذه الغاية تشترط المادة 6 أن تكون المحكمة التي تقع ضمن نطاقها حيادية. الحياد يعني عادة غياب الحكم المسبق أو المحاباة. يمكن ادراك وجودها بطرق مختلفة. ولذا تميز المحكمة بين معيار ذاتي، بالسعي للتأكد من القناعة الشخصية للقاضي أو ما هي مصلحته في تلك القضية، ومعيار موضوعي عن طريق البحث عمّا إذا كان [القاضي] يقدم ضمانات كافية لاستبعاد أي شك مشروع هذا الصدد (انظر بيرساك ضد بلجيكا، الحكم الصادر في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 1982، سلسلة (أ) رقم 53، ص 14-15، الفقرة 30، وَ جريفس ضد المملكة المتحدة [الغرفة الكبرى]، رقم 57067/00، الفقرة 69، 16 ديسمبر/كانون الأول 2003). بالنسبة للمعيار الثاني، عندما تكون الهيئة القضائية موضع شك، يقوم على تحديد ما إذا كان، وبصرف النظر تماما عن السلوك الشخصي لأي عضو من أعضاء تلك الهيئة، هناك وقائع حقيقية تثير شكوكاً حول حيادية الهيئة القضائية ذاتها. في هذا الصدد حتى المظاهر قد يكون لها بعض الأهمية (انظر كاستيلو الجار ضد إسبانيا، الحكم الصادر في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1998، تقارير 1998-المجلد الثامن، ص 3116، الفقرة 45، و موريل ضد فرنسا، رقم 34130/96، الفقرة 42 ، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2000 - المجلد الخامس). عندما يُعبَّر في قضية ما عن وجود سبب مشروع للشك في أن هيئة معينة تفتقر إلى الحيادية، فإن وجهة نظر ذلك الذي يشكك في الحيادية مهمة ولكنها ليست حاسمة. العامل الحاسم يقوم على معرفة ما إذا كانت شكوك المعني لها أسباب موضوعية تبررها (انظر فيرانتيلي وَ سانتانجيلو ضد إيطاليا، الحكم الصادر في 7 أغسطس/آب 1996، تقارير 1996-المجلد الثالث، ص 951-952، الفقرة 58، فيتشتاين ضد سويسرا، رقم 33958/96، الفقرة 44، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2000-المجلد السابع).
119. في إطار المعيار الذاتي، تعتبر المحكمة أنه يجب افتراض أن القاضي محايد حتى يثبت العكس (انظر هوشيلدت ضد الدانمرك، الحكم الصادر في 24 مايو/أيار 1989، السلسلة (أ) رقم 154، ص 21، الفقرة 47). وفيما يتعلق نوع الإثبات المطلوب، على سبيل المثال، سعت المحكمة للتأكد من الزعم القائل أن قاضياً أبرز عداوة أو سوء نية تجاه المتهم أو سعى تحيَّل للحصول على القضية لأسباب شخصية (انظر دي كوبر، الحكم المذكور أعلاه، ص 14، الفقرة 25). المبدأ القائل بأنه يجب افتراض أن المحكمة بعيدة عن الأحكام المسبقة أو التحيز هو مبدأ راسخ في الفقه القضائي للمحكمة (انظر، على سبيل المثال، لو كومت، ڤــان لوفين و دي ميير ضد بلجيكا، الحكم الصادر في 23 يونيو/حزيران 1981، السلسلة (أ) رقم 43، ص 25، الفقرة 58). وهذا يعكس عنصراً هاماً من عناصر سيادة القانون، وهو أن حكم المحكمة نهائي ومُلزِم ما لم تنقضه هيئة قضائية أعلى بسبب كونه غير نظامي أو مجحف. وهذا المبدأ يجب أن ينطبق بالمثل على جميع أنواع المحاكم بما في ذلك تلك التي تضم هيئة محلفين (انظر هولم ضد السويد، الحكم الصادر في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1993، السلسلة (أ) رقم 279-أ، ص 14، الفقرة 30). على الرغم من أن في بعض الحالات قد يكون من الصعب تقديم أدلة تدحض هذا الافتراض، يجب أن نتذكر أن شرط الحياد الموضوعي يوفر ضمانة مهمة إضافية (انظر بولار ضد المملكة المتحدة، الحكم الصادر في 10 يونيو/حزيران 1996، تقارير 1996- المجلد الثالث، ص. 793، الفقرة 32). وبعبارة أخرى، تدرك المحكمة صعوبة إثبات وجود انتهاك للمادة 6 بحجة التحيز الذاتي، ولهذا السبب له في غالبية القضايا التي تتعلق بالحياد، تلجأ المحكمة للمعيار الموضوعي. ومع ذلك، لا يوجد حدود واضحة بين المفهومين لأن تصرف قاضي، من وجهة نظر مراقب خارجي، قد يدفع باتجاه وجود شكوك موضوعية مبررة حول الحيادية (معيار موضوعي)، ولكن يمكن أن تتعلق أيضاً بمسألة قناعته الشخصية (معيار ذاتي).
120. أكدت المحكمة على سبيل المثال أنه يطلب من السلطات القضائية ممارسة أقصى قدر من الحذر فيما يتعلق بالقضايا التي تنظر بها من أجل الحفاظ على صورتهم كقضاة محايدين. يجب أن يبعدهم هذا الحذر عن استخدام الصحافة، حتى من أجل الرد على الاستفزازات. وهذا ما تتطلبه أيضاً الطبيعة السامية للمنصب القضائي والأهداف العليا لإقامة العدل (انظر بوسكيمي ضد إيطاليا، رقم 29569/95، الفقرة 67، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 1999-المجلد السادس). ولهذا، حينما يستخدم قاضٍ علناً تعابير تقدم وجهة نظر سلبية عن المدعي قبل ترؤس المحكمة المدعوة للحكم في القضية، فإن مثل تلك التصريحات يمكن أن تبرر موضوعياً مخاوف المتهم حول حيادية القاضي (المرجع نفسه، الفقرة 68). من ناحية أخرى، في قضية أخرى، حيث انتقد القاضي موقف جهة الدفاع وأعرب عن دهشته من ادعاء المتهم بالبراءة، تناولت المحكمة هذه المسألة على أساس أنها معيار الذاتي (انظر لاڤــنتس ضد لاتفيا، رقم 58442/00، الفقرتين 118-119، 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2002).
121. يكشف تحليل السوابق القضائية للمحكمة عن وجود نوعين من الحالات التي من الممكن أن تطعن في حيادية القاضي. النوع الأول وظيفيي: ويشمل الحالات التي يكون فيها السلوك الشخصي للقاضي ليس محل طعن على الإطلاق، ولكن عندما، على سبيل المثال، تكون ممارسة هذا الشخص نفسه لوظائف مختلفة في العملية القضائية (انظر بييرساك المذكور أعلاه)، أو علاقته التسلسلية أو غيرها مع طرف آخر في الإجراءات (انظر قضايا المحاكم العسكرية، على سبيل المثال، جريفز، الحكم المذكور أعلاه، و ميلر وآخرون ضد المملكة المتحدة، الأرقام 45825/99، 45826/99 و45827/99، 26 أكتوبر/تشرين الأول 2004)، تثير شكوكاً لها ما يبررها موضوعياً بالنسبة لحياد المحكمة، والتي لا تلبي بالتالي معايير الاتفاقية وفقاً للطريقة الموضوعية (انظر الفقرة 118 أعلاه). والنوع الثاني هو ذو طابع شخصي ويستند إلى تصرفات القضاة في قضية معينة. من وجهة نظر المعيار موضوعي، قد تكون هذه التصرفات كافية لغرس مخاوف مشروعة ومبررة بشكل موضوعي كما هو الحال في قضية بوسيمي، المذكورة أعلاه، ولكنه يمكن أن يثير ذلك مشكلة أيضا في إطار المعيار الذاتي (انظر، على سبيل المثال، لافنتس المذكور أعلاه)، بل أن يكشف عن التحيز الشخصي من طرف القضاة. وبالتالي، الإجابة على السؤال في معرفة إذا كان يجب اللجوء إلى المعيار الموضوعي أو المعيار الشخصي أو الاثنين معاً يعتمد على ظروف التصرفات المتنازع عليها.
ب) تطبيق المبادئ المذكورة أعلاه على القضية الحالية
122. زعم المدعي أنه سواء تم التحليل وفق المعيار الموضوعي أو المعيار الذاتي، تقود الوقائع إلى استنتاج مفاده أن قضاة محكمة الجنايات في ليماسول لا يلبون متطلبات الحياد. لذا تقترح المحكمة النظر في هذه الشكوى بتطبيق كلا المعيارين في ضوء الاعتبارات المعروضة أعلاه بالنسبة للتحيز الوظيفي والتحيز الشخصي للقضاة (انظر الفقرات من 118 إلى 121 أعلاه).
1. المعيار الموضوعي
123. زعم المدعي أنه في ظل الظروف الخاصة للقضية، حيث أن حُوكم واعتُبر متهماً وأُدين من قبل ذات القضاة الذين تضمهم المحكمة التي اتهمته بالإهانة يثير شكوكاً مبررة موضوعياً حول حياد هؤلاء القضاة.
124. أشارت المحكمة إلى أن هذه الشكوى ترتكز إلى وجود خلل وظيفي في الإجراءات ذات الصلة. وفي هذا الصدد تطرَّقت بداية للحُجج التي طرحتها الحكومة والأطراف الثالثة المتدخِّلة بشأن تطور نظام الإجراءات المستعجلة في القانون العام فيما يتعلق بإهانة المحكمة ومدى توافقه مع أحكام الاتفاقية. وقد لاحظت بشكل خاص، في العديد من أنظمة القانون العام، تزايد التسليم بضرورة عدم اللجوء إلى استخدام الإجراءات المستعجلة إلا على نطاق ضيق وبعد فترة من التفكير المتأني وتقديم الضمانات التي تسمح بتوفير حقوق الدفاع عن المتهم (انظر الفقرات 46 و 47 و 49 و 52 أعلاه).
125. ومع ذلك، فإن المحكمة لا تعتبر أن القيام بمراجعة عامة للقانون المتعلق بالإهانة وممارسة الإجراءات المستعجلة في قبرص وغيرها من أنظمة القانون العام ضرورياً ولا مرغوباً به. وتتمثل مهمتها في تحديد ما إذا كان استخدام الإجراءات المستعجلة للحكم في الإهانة التي ارتكبها السيد كيبريانو أمام المحكمة قد أدى إلى انتهاك الفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية.
126. وعند النظر في هذه المسألة، تشير المحكمة إلى أنه سواء فيما يتعلق بالفقرة الأولى من المادة 6 أو في سياق الفقرة الثالثة من المادة 5 من الاتفاقية، فإنه الخلط بين مهام النائب العام والقاضي من شأنه خلق شكوك مبررة موضوعياً حول حيادية الأشخاص المعنيين (انظر، فيما يتعلق بالفقرة الأولى من المادة 6، حسب مقتضى الحال، داكتاراس ضد ليتوانيا، رقم 42095/98، الفقرات من 35 إلى 38، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2000 - المجلد العاشر، وفيما يتعلق الفقرة الثالثة من المادة 5، برينكات ضد إيطاليا، الحكم الصادر في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1992، سلسلة (أ) أي 249-أ، ص 11-12، الفقرات من 20 إلى 22؛ هوبر ضد سويسرا، الحكم الصادر في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1990، سلسلة (أ) رقم 188، ص 17-18، الفقرات من 41 إلى 43؛ و أسينوف وآخرون ضد بلغاريا، الحكم الصادر في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 1998، تقارير 1998- المجلد الثامن، ص 3298 إلى 3299، الفقرات من 146 إلى 150).
127. تتعلق هذه القضية بحالة إهانة مرتكبة أمام القضاة وموجهة ضدهم شخصياً. القضاة المستهدفون مباشرة بانتقادات المدعي حول طريقة تسيير الإجراءات، هم أنفسهم من قرروا ملاحقته والنظر في تصرفاته، وفرض العقوبة عليه، وهي عقوبة السجن. في مثل هذه الحالة، الخلط بين أدوار المشتكي والشاهد والنائب العام والقاضي من شأنه أن يثير بداهةً مخاوف مبررة موضوعياً حول مدى مطابقة الإجراءات للمبدأ الأصيل القائل بأنه لا يمكن لأحد أن يكون الحكم في القضية الخاصة به وبالتالي، حول حيادية المحكمة (انظر ديميكولي ضد مالطا، الحكم الصادر في 27 أغسطس/آب 1991، السلسلة (أ) رقم 210، ص 18-19، الفقرات من 41 إلى 42).
128. بالنظر لوقائع القضية والخلل الوظيفي الذي لمسته المحكمة، رأت الأخيرة أن حياد محكمة الجنايات يبدو موضع شك. ولذا يمكن اعتبار مخاوف المدعي في هذا الصدد لها ما يبررها موضوعياً؛ وبالتالي يقود المعيار الموضوعي إلى خلاصة أن محكمة الجنايات لا تلبي متطلبات الاتفاقية.
2. المعيار الذاتي
129. زعم المدعي كذلك أن القضاة المعنيين قد أظهروا تحيزاً شخصياً.
130. هذا الجزء من الشكوى يتعلق بالسلوك الشخصي للقضاة. ولذا تقترح المحكمة النظر في عدد من سلوكياتهم في إطار الطريقة الذاتية.
أولاً، صرَّح القضاة، في قرار الحكم على المدعي، بأنهم شعروا "بإهانة شديدة" كـ"أشخاص". رغم أنهم ألحقوا ذلك بالقول بأنهم لا يهتمون لأنفسهم كأشخاص، فإن هذا التصريح، من وجهة نظر المحكمة، يدلُّ في حد ذاته على شعور القضاة بالاعتداء عليهم شخصياً عبر كلمات وتصرفات السيد كيبريانو ويشير إلى إقحام شخصي من جانبهم (انظر الفقرة 18 أعلاه).
ثانياً، تنم المصطلحات الصارخة التي استخدمها القضاة في قرارهم عن الشعور بالسخط والصدمة، وهو ما يتعرض مع طريقة الحكم المستقل المنتظر من الأحكام القضائية. ولقد صرَّح القضاة على وجه الخصوص بأنه لا يمكنهم "تصور أية حالة أخرى يمكن أن تمثل إهانةً للمحكمة أكثر وضوحاً ورفضاً من قبل أي شخص كان، ناهيك عن أن يكون محامياً". وأنه "لو لم يكن رد فعل المحكمة فورياً وجذرياً، لتعرضت العدالة إلى نكسة كارثية". (انظر الفقرة 18 أعلاه).
ثالثاً، ألحقوا بالمدعي عقوبة السجن لمدة خمسة أيام، تنفذ فوراً، واعتبروها "الرد المناسب الوحيد". وكان في رأيهم أن "أي رد فعل غير كافٍ من جانب النظام القانوني والمتحضر كالذي تمثله المحاكم يعني القبول بأن تتعرض سلطتهم للإهانة " (انظر الفقرة 18 أعلاه).
رابعاً، أعرب القضاة منذ بداية مناقشاتهم مع المدعي بأنهم يعتبرونه مدان بجريمة إهانة المحكمة. وبعد أن قرروا أن المدعي قد ارتكبت تلك الجريمة، ترك له الخيار إما الإصرار على ما قاله وتقديم الأسباب التي تدعوا لعدم معاقبته، أو التراجع. وبالتالي فإن المدعي، في الواقع، دُعيَّ لتخفيف "الأضرار التي سببتها تصرفاته" بدلاً من الدفاع عن نفسه (انظر الفقرتين 17 و 18 أعلاه).
131. رغم أن المحكمة لا تشك في أن الهمَّ الأول للقضاة هو حماية إقامة العدل ونزاهة القضاء وأنهم لهذا الغرض شعروا أنه من المناسب اتخاذ إجراء قضائي سريع، إلا أنها وجدوا، بناءً على الاعتبارات المذكورة أعلاه، أنه لم ينجحوا في الحكم في المسألة بالقدر المطلوب من الاستقلالية.
132. ومما يعزز هذا الاستنتاج هو السرعة التي تم بها تنفيذ الإجراءات والاقتضاب في النقاشات بين القضاة والسيد كيبريانو.
133. بناءً عليه بالنظر خاصة إلى مختلف الجوانب مجتمعةً مع التصرفات الشخصية للقضاة، وجدت المحكمة أن شكوك السيد كيبريانو حول حيادية محكمة الجنايات في ليماسول لها ما يبررها أيضاً في إطار المعيار الذاتي.
3. المراجعة التي قامت بها المحكمة العليا
134. وأخيرا، تشاطر المحكمة الغرفة الرأي بأن المحكمة العليا لم تعالج الخلل في القضية. يمكن للهيئة القضائية الأعلى أو العليا، في بعض الحالات، تقويم الخلل الإجرائي الذي وقع في الهيئة القضائية الابتدائية (انظر دي كوبر، المذكورة أعلاه، ص 19، الفقرة 33). في هذه الحالة، رغم عدم اتفاق الأطراف حول المدى الدقيق لصلاحيات المحكمة العليا، إلا أنه من الواضح أن الهيئة القضائية العليا تتمتع بصلاحية إلغاء قرار محكمة الجنايات في ليماسول بحجة أنها تكن محايدة. ومع ذلك، فقد امتنعت عن القيام بذلك، وأيدت الإدانة والعقوبة. وبالتالي فإنها لم تعالج الفجوات المتنازع عليها (انظر فيندلي، المذكورة أعلاه، ص 282، الفقرتان 78 وَ 79، دي هان ضد هولندا، الحكم الصادر في 26 أغسطس/آب 1997، تقارير 1997-المجلد الرابع، ص 1393 ، الفقرات من 52 إلى 55).
135. وفي ضوء ما سبق وبعد دراسة وقائع القضية في إطار المعيارين الموضوعي والذاتي المنصوص عليهما في الفقه القضائي، خلصت المحكمة إلى أن محكمة الجنايات في ليماسول لم تكن محايدة بالمعنى المقصود في الفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية.
ثانياً. الانتهاك المزعوم للفقرة 2 من المادة 6 من الاتفاقية
136. يزعم المدعي أن محكمة الجنايات في ليماسول اعتبرته مداناً دون أن تتيح له فرصة الدفاع عن نفسه. وأشار إلى أن المحكمة حينما منحته فرصة تقديم الملاحظات، كانت مقتصرة فقط على مسألة تخفيف العقوبة، زاعماً وجود انتهاك للفقرة الثانية من المادة 6 من الاتفاقية، التي تنص على ما يلي:
"كل شخص متهم بجريمة جنائية يجب أن يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته وفقاً للقانون."
137. اعتبرت الحكومة أنه تم احترام افتراض البراءة الذي تضمنه هذه المادة. وأشارت إلى أن تصريح المحكمة بأن ما قيل يشكل إهانة للمحكمة للوهلة الأولى، ودعوتها للمدعي لتقديم ملاحظاته حول هذه المسألة لا يمكن اعتباره مخالفاً لأحكام الفقرة 2 من المادة 6 من الاتفاقية. من حق القضاة تكوين رأي أولي ودعوة المدعي لتقديم الحجج التي تثبت أنه غير مذنب طالما أن الوقائع جرت أمام محكمة الجنايات ذاتها وهي على معرفة مباشرة بالمسألة. لو أن المدعي قدَّم تفسيراً مقنعاً لتصرفاته التي بدت مسيئةً، لكانت محكمة الجنايات حكمت بعدم إدانته بجرم الإهانة.
138. بالنظر إلى الأسباب التي بنى عليها زعمه بوجود انتهاك للفقرة 2 من المادة 6 من الاتفاقية (انظر الفقرات من 122 إلى 135 أعلاه)، وجدت الغرفة الكبرى أنه لا يوجد أي سؤال مميز ينشأ تحت هذا العنوان.
ثالثاً. الانتهاك المزعوم للبند (أ) من الفقرة 3 للمادة 6 من الاتفاقية
139. يزعم المدعي أن محكمة الجنايات لم تبلغه بطريقة مفصَّلة بالتهمة الموجَّهة إليه، في خرق للبند (أ) من الفقرة 3 للمادة 6 من الاتفاقية الذي ينص على ما يلي:
"3 . يحق لكل شخص ما يلي:
(أ) أن يتم إعلامه وبأسرع وقت وبلغة يفهمها وبالتفصيل عن طبيعة وأسباب التهمة الموجهة إليه."
140. اعترضت الحكومة على زعم المدعي واعتبرت أن المدعي تلقى من محكمة الجنايات معلومات واضحة ومفصَّلة بشكل كافٍ عن طبيعة وسبب التهمة الموجهة إليه. قد بدا هذا واضحا من محاضر دعوى الإجراءات. ولا سيما بالنظر إلى خبرة المدعي وأقدميته في مهنة المحاماة، تعبر الحكومة أن افتراض أن المدعي لم يعرف أو لم يفهم تماماً جوهر وطبيعة الاتهامات الموجهة ضده شيء مصطنع.
141. بالنظر إلى الأسباب التي بنى عليها زعمه بوجود انتهاك للبند (أ) من الفقرة 3 للمادة 6 من الاتفاقية (انظر الفقرات من 122 إلى 135 أعلاه وجدت الغرفة الكبرى أنه لا يوجد أي سؤال مميز ينشأ تحت هذا العنوان.
رابعاً. الانتهاك المزعوم للمادة 10 من الاتفاقية
142. يزعم المدعي أن إدانته تنتهك المادة 10 من الاتفاقية، والتي تنص في المقاطع ذات الصلة على ما يلي:
"1. لكل شخص الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حرية الرأي، وحرية تلقي المعلومات أو الأفكار وإذاعتها من دون تدخل السلطات العامة (...)
2
أ. الاعتراض الأولي للحكومة
143. زعمت الحكومة، كما أمام الغرفة، أن مقدم المدعي لم يستنفد سبل الانتصاف المحلية فيما يتعلق بالشكوى المستندة إلى هذه المادة.
1. قرار الغرفة حول قبول الدعوى
144. رفضت الغرفة في قرارها النهائي المؤرخ في 8 أبريل/نيسان 2003 حول قبول الدعوى الاعتراض الأولي للحكومة القائل بعدم استنفاد سبل الانتصاف المحلية بموجب المادة 10. وخلصت إلى ما يلي:
"ترى المحكمة أن استئناف المدعي، بصفته محامياً، أمام المحكمة العليا ينطوي ضمنياً على انتقاده لعقوبة السجن التي فُرضت عليه بسبب سلوكه أمام المحكمة، والتي يرى فيها، بناءً على وقائع القضية، تدخلاً غير متناسب في ممارسته لحقه في إدارة القضية كما يريد وبالتالي التعبير عن ذلك. اعتبرت المحكمة أن حرية التعبير مطروحة، حتى ولو بشكل ضمني، في الإجراءات أمام المحكمة العليا وأن الحجج القانونية التي أدلى بها المدعي أمام هذه المحكمة تضمنت شكوىً ذات صلة بالمادة 10 من الاتفاقية.
وفقاً لذلك، خلصت المحكمة إلى أن المدعي قد استنفد وسائل الانتصاف المحلية في هذا الشأن، ورفضت اعتراض الحكومة".
2. حجج الماثلين أمام المحكمة
أ) المدعي
145. احتج المدعي على اعتراض الحكومة واعتبر بأن الغرفة الكبرى يجب أن تؤكد القرار النهائي للغرفة في 8 أبريل/نيسان 2003 حول القبول والذي رفضت فيه الغرفة ذلك الاعتراض.
ب) الحكومة
146. زعمت الحكومة أن المدعي لم يستنفد سبل الانتصاف المحلية لا صراحة ولا ضمنياً. لم تتضمن أسباب الاستئناف التي قدمها المدعي ودافع عنها أمام المحكمة العليا أي ادعاء بانتهاك أحكام المادة 10 من الاتفاقية، والتي تعكسها، بالنسبة لجميع أهدافها العملية، المادة 19 من الدستور القبرصي. ولذلك، لم تسنح الفرصة للمحكمة العليا بالنظر في المسألة والحكم فيها.
3. تقييم المحكمة
147. تتبنى الغرفة الكبرى منطق الغرفة والاستنتاجات الواردة في قرارها النهائي حول القبول، وترى أن المدعي أثار ضمنياً مسألة حرية التعبير أمام المحكمة العليا، محققاً بذلك شرط استنفاد وسائل الانتصاف المحلية الذي نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 35 من الاتفاقية .
148. بناءً عليه يجب رفض اعتراض الحكومة القائم على الزعم بعدم استنفاد سبل الانتصاف المحلية.
ب. قابلية التطبيق
1. حكم الغرفة
149. خلصت الغرفة إلى القول بأنه باعتبار تم النظر في المسائل الأساسية التي أثارها المدعي بموجب المادة 6 من الاتفاقية، فمن غير المفيد النظر بشكل منفصل في انتهاك المادة 10.
2. الغرفة الكبرى
150. اعتبرت الغرفة الكبرى وفقاً لظروف القضية بأنه يجب النظر في شكوى المدعي بموجب المادة 10. في الواقع، في حين أن السؤال الرئيسي المطروح وفقاً للمادة 6 هو نزاهة المحكمة التي قررت ثبوت التهم الجنائية الموجهة إلى المدعي، فإن الشكوى بموجب المادة 10 تتعلق بآثار إدانته وعقوبته على حقه في حرية التعبير. ولذا فهذه الشكوى تختلف في طبيعتها عن تلك المقدَّمة وفقاً للمادة 6 وينبغي النظر فيها بشكل منفصل.
151. فيما يتعلق بقابلية تطبيق المادة 10، اتفقت الأطراف على أن المحامين يتمتعون بضمانات في مجال حرية التعبير عندما يدافعون عن موكليهم أمام المحاكم (انظر نيكولا، المذكورة أعلاه، وَ ستور ضد هولندا، رقم 39657/98، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2003 - المجلد العاشر).
ج. المثول أمام المحكمة
1. مرافعات الماثلين أمام المحكمة
أ) المدعي
152. يزعم المدعي أن الإدانة والعقوبة المفروضة عليه ترقى إلى "التدخُّل" غير المتناسب في ممارسته لحقه في حرية التعبير.
153. ويعتبر أنه فيما يتعلق بتناسب العقوبة المعنية، حينما يتصرف محامٍ في إطار مهامه المهنية وبنية حسنة، فلا يمكن تبرير فرض عقوبة جنائية إلا في ظروف استثنائية تماماً. وعليه، فإن عقوبة السجن، بحسب قوله، لا تُفرض إلا في حالات الإهانة الخطيرة جداً.
154. من جهة أخرى، من شأن فرض عقوبة السجن على المحامي (صواباً أو خطأً) الذي كان يدافع عن مصالح موكله قدر الإمكان أن يكون له "تأثير سلبي" على سلوك المحامين أمام المحكمة. الواجب الأساسي لمحامي الدفاع في القضايا الجنائية هو الدفاع عن موكله دون خوف، وفقا لقناعته المهنية المستقلة. ولذلك، يضطر المحامي في بعض الأحيان لرفع شكاوى حول سلوك القضاة أنفسهم، والوقوف في وجه ضغوطهم أو مواقفهم الفظَّة. ومع ذلك، إذا أوحي للمحامي أنه يمكن لقاضٍ أن يحيله بشكل قانوني إلى السجن لفترة ليست طويلة نوعاً ما لأنه رفع نبرة صوته أو لاستخدامه لغة ملونة لا تُعجِب المحكمة، أو لأنه سمح لعواطفه، تحت وطأة الضغط، بالظهور، فسيكون هناك خطر حقيقي من أن يضبط المحامي سلوكه أمام المحكمة، وذلك على حساب قضية موكله. ولهذا، فإن فرض عقوبة السجن في قضية تافهة مثل القضية الحالية يشكل مساساً مباشراً بالعلاقة بين المحامي وموكله وتترتب عليه آثار ليس على حقوق المحامي المنصوص عليها في المادة 10 فحسب، ولكن أيضاً على حقوق المتهمين الحاليين والمستقبَلين في محاكمة عادلة.
155. عندما تقدّر المحكمة أن محامياً قد تجاوز حدود الخطاب المقبول وأنه يمكن تبرير فرض قيود على حرية التعبير، يوجد أمامها مجموعة واسعة من الوسائل (انظر الفقرة 79 أعلاه). ولكن اللجوء مباشرة إلى الإدانة الجنائية وفرض عقوبة السجن لمدة طويلة لا يمكن اعتباره وسيلة ضرورية لحماية سلطة القضاء، وخاصة في حالة تعدٍ معزول وتافه.
156. في القضية الحالية، أظهرت محكمة الجنايات في ليماسول أنها فقدت ضرورة وضع الأمور في نصابها بتعريضها مبادئ دستورية هامة للخطر. لاسيما أن المدعي استخدم العبارات المذكورة أثناء ممارسته لمهنته في محاولة للدفاع عن مصالح موكله، ولم يرفض الانصياع لأمر من المحكمة، ولم يكذب أو يضلل المحكمة؛ ولم يستخدم لغة بذيئة في قاعة المحكمة. جرت الانتقادات داخل قاعة المحكمة، وليس خارجها أو في وسائل الإعلام، وكانت تستهدف اللامبالاة الواضحة لمحكمة الجنايات فيما يتعلق بطريقة استجوابه، ولا تمثِّل أية تعليقات مجانية تسعى إلى هدف وحيد وهو إهانة القضاة أو المساس بشخصهم أو نزاهتهم. لم يقم المدعي سوى بالتذمر بعبارات قوية وربما انفعالية من القيود غير المنصفة التي تفرضها عليه المحكمة في استجوابه، ومن القضاة الذين كانوا يتحدثون ويتبادلون الملاحظات فيما بينهم بدلاً من التركيز على أجوبة الشخص المستجوب.
157. وفي هذا الصدد، أشار المدعي إلى أن جميع المحامين يجدون أنفسهم في لحظة ما في هذا الموقف وبالتالي في مواجه معضلة. عادة، الموقف الأكثر حكمة هو عدم قول شيء والمتابعة، ولكن في بعض الأحيان يجب الاعتراض. فالأمر لا يعدو كونه مسألة قناعة شخصية. لا يتصرف المحامون دائماً بطريقة حسنة. في خضم الأحداث، يمكن أن يستخدموا لهجة تخون عواطفهم، أو يمكن أن تُفسر تفسيراً سيئاً أو قد تبدو جلفة. والاعتراض عليهم قد يجعل الأمور أكثر تعقيداً بدل أن يُحسِّنها. وهذا جزء من واقع المحاكمة الجنائية التناقضية. وحول هذه النقطة، أشار المدعي إلى أن اللهجة التي استخدمها لا يمكن توصف عدلاً بأنها عدائية بشكل حتمي أو واضح. يمكن تفسير مصطلح
158. من جهة أخرى، لم تكن تعليقات المدعي مخطط لها مسبقاً. فقد صدرت في خضم محاكمة مرهقة رداً على انتقادات المحكمة لطريقة إدارته لقضية موكله. ولم يدم هذا الحادث بأكمله أكثر من بضع دقائق. ولم تتح الفرصة سابقاً لمحكمة الجنايات للتذمر من سلوك المدعي في القضية. فالأمر لا يتعلق بقضية كان فيها المدعي بذيئاً مراراً وتكراراً رغم تحذيرات سابقة.
159. وفي ضوء ما سبق، يزعم المدعي أنه، في أسوأ الأحوال، كان يمكن انتقاده بسبب ارتكابه خطأً تصورياً معزولاً في الطريقة التي اختارها للتعبير. ومن المناسب وضع هذا الخطأ في سياق حياة مهنية طويلة مثالية تمتد لأربعين عاماً في المحاكم القبرصية.
160. تعتبر إدانة محامٍ ذي خبرة وسمعة مثالية بتهمة إهانة المحكمة والحكم عليه بالسجن لمدة خمسة أيام، بالنظر لوقائع هذه القضية، رداً غير متناسب بشكل صارخ مع ما كان - في أسوأ الأحوال - خطأً لحظياً في تصور شخصي وقع أثناء تمثيل موكله في خضم محاكمة مجهدة في جرم قتل.
161. وأخيراً، يؤكد المدعي أن لهذه القضية تداعيات أوسع بكثير من تجاذب كلامي متوتر وقع في محكمة إقليمية في قبرص. إنها تنطوي على التوفيق بين ضرورة احترام كرامة المحكمة وضرورة حماية حرية واستقلال مهنة المحاماة، وهذان المطلبان أساسيان، كلاً حسب طريقته، للحفاظ على ثقة الجمهور في إقامة العدل.
ب) الحكومة
162. أكدت الحكومة أن انتهاك حق المدعي في حرية التعبير يستند إلى الفقرتين الأولى والثانية من المادة 44 من قانون المحاكم 1960 والمادة 162 من الدستور وبالتالي "منصوص عليها في القانون".
163. فيما يتعلق بـ "ضرورة" فرض قيود على حقوق المدعي، اعتبرت الحكومة أنه جاء في الفقه القانوني للمحكمة أن العملية القضائية وإقامة العدل تستلزمان الحماية من الهجمات المسيئة. لاسيما أن القضاة، نظراً لدورهم وواجبهم السرّي، لا يمكنهم الرد على الهجمات الشخصية عن طريق استخدام وسائل الإعلام كما يفعله السياسيون والشخصيات العامة الأخرى (انظر، على سبيل المثال، حكم بارفود ضد الدانمرك، 22 فبراير/شباط 1989، السلسلة (أ) رقم 149، شوبفر ضد سويسرا، 20 مايو/أيار 1998، تقارير 1998 - المجلد الثالث؛ سكالكا ضد بولونيا، رقم 43425/98، 27 مايو/أيار 2003). حتى ولو كان للمحامي الحق في حرية التعبير في قاعة المحكمة، يمكن تقييد ذلك لغرض الحفاظ على سلطة القضاء (انظر نيكولا المذكور أعلاه).
164. وبالنظر إلى درجة إهانة وخطورة السلوك الدنيء للمدعي، فالعقوبات التي فرضت عليه كانت مبررة وتقع ضمن هامش التقدير الممنوح لمحكمة الجنايات. وفي هذا الصدد، أشارت الحكومة إلى أن المدعي هو محامٍ معروف لديه خبرة أربعين عاماً، وهو عضو سابق في البرلمان ومسؤول سابق في مكتب النائب العام. خلق تهجمه المتطرف خطراً حقيقياً قد يقوض ثقة الجمهور في النظام القضاء وإقامة العدل. ولقد بدا واضحا من محاضر الإجراءات أن المدعي قد رفض الفرص المتكررة التي عرضت عليه من أجل تقديم الاعتذار وبدلاً من ذلك زاد من تفاقم إساءته بتحدي المحكمة. بالنسبة للتناسب في العقوبة فهي مسألة تقع ضمن الهامش التقديري الذي تتمتع به الدول المتعاقدة. وفي هذه القضية، فإن مدة السجن التي فرضت ليست هي أطول فترة ممكن فرضها ولكن تقع ضمن الهامش التي ينبغي أن تتمتع به المحاكم المحلية لحماية إقامة العدل في أنظمة القانون العام.
165. وفي هذا الصدد، أشارت الحكومة إلى أن ثمة فرق كبير بين أن تكون شاهداً على أحداثٍ جرت في قاعة محكمة ومجرد قراءة محضر الدعوى لإجراء لم تحضره. اعتبر قضاة محكمة الجنايات بوضوح أن سلوك المدعي، الذي كانوا عليه شهوداً بأنفسهم، كان متطرفاً وتجاوز الحدود التي تفصل بين قضية إهانة يكفي فيها مجرد الإحالة للنقابة المهنية المعنية وبين الإهانة التي تستدعي رداً أشد قسوة من السجن. ووافقت المحكمة العليا على التحليل المشروع لمحكمة الجنايات وأكدت على خطورة تصرفات المدعي. يجب على الغرفة الكبرى أن تعيد النظر مرتين قبل أن تتدخل في التقييم الذي قامت به المحاكم المحلية من أجل تحديد أي نوع من العقوبات يناسب ذلك السلوك الذي لا يتناسب مطلقاً مع السلوك المتوقع من محامٍ ذي خبرة ودراية.
2. تقييم المحكمة
أ) وجود تدخّل
166. لا ينكر أحد أن إدانة المحاكم الوطنية للمدعي بجرم إهانة المحكمة ينم عن "تدخُّل" في حقه في حرية التعبير الذي تكفله الفقرة الأولى من المادة 10 من الاتفاقية. ولا ترى المحكمة سببا للحكم بخلاف ذلك.
ب) تبرير التدخّل
167. أي تقييد لحرية شخص ما على التعبير تنطوي على انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية إذا لم يكن تحت عنوان أحد الاستثناءات التي نصت عليها تلك المادة (انظر صحيفة صنداي تايمز ضد المملكة المتحدة (رقم 1)، الحكم الصادر في 26 أبريل/نيسان 1979، السلسلة (أ) رقم 30، ص 29، الفقرة 45، وَ كومبانا [الغرفة الكبرى]، رقم 33348/96، الفقرة 85، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2004 – المجلد الحادي عشر).
168. اتفق الطرفان على أن إدانة المدعي وعقوبته "منصوص عليهما في القانون"، وهما الفقرتان 1 و2 من المادة 44 من قانون المحاكم 1960 والمادة 162 من الدستور. إضافة إلى أن أحداً لا يعترض على كون هذا التدخُّل يسعى لتحقيق الهدف المشروع في الحفاظ على سلطة القضاء بالمعنى المقصود في الفقرة 2 من المادة 10 من الاتفاقية.
169. وعليه، فإن السؤال الوحيد في القضية هو معرفة ما إذا كان التدخل في ممارسة المدعي لحريته في التعبير "ضرورة في مجتمع ديمقراطي".
1. مبادئ عامة
170. يتطلب الشرط "ضرورة في مجتمع ديمقراطي" من المحكمة تحديد ما إذا كان التدخل المعترَض عليه يمثِّل "حاجة اجتماعية ملحة". تتمتع الدول المتعاقدة بهامش معين من التقدير في تقييم ما إذا كانت هذه الحاجة موجودة، لكن ذلك يسير جنبا إلى جنب مع إشراف أوروبي على التشريعات والقرارات التي تطبقها، حتى تلك التي الصادرة عن محكمة مستقلة (انظر بلادت ترومسو [الغرفة الكبرى]، رقم 21980/93، الفقرة 58، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 1999 - المجلد الثالث؛ كومبانا ، المذكورة أعلاه، الفقرة 88؛ و نيكولا، المذكورة أعلاه، الفقرة 46).
171. يجب على المحكمة، على وجه الخصوص، تحديد ما إذا كان الإجراء المتخَذ "متناسباً مع الأهداف الشرعية المتوخاة" (انظر صحيفة صنداي تايمز (رقم 1)، المذكور أعلاه، ص 38، الفقرة 62، شوڤـي وآخرون ضد فرنسا، رقم 64915/01، الفقرة 70، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2004 - المجلد السادس). من أجل القيام بذلك، يتعين على المحكمة أن تقتنع بأن السلطات الوطنية طبقت قواعد تتوافق مع المبادئ التي تكرسها المادة 10، إضافة إلى أنها تستند إلى تقييم مقبول للوقائع ذات الصلة، (انظر، من بين العديد من القضايا الأخرى، زانا ضد تركيا، الحكم الصادر في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 1997، تقارير 1997 - المجلد السابع، الصفحات من 2547 إلى 2548، الفقرة 51). وبالإضافة إلى ذلك، فإن عدالة الإجراءات، والضمانات الإجرائية التي تمنحها (انظر، مع إجراء التعديلات اللازمة، ستيل ، رقم 68416/01، الفقرة 95، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2005 - المجلد الثاني) وطبيعة وشدة العقوبات المفروضة (انظر جيلان ضد تركيا [الغرفة الكبرى]، رقم 23556/94، الفقرة 37، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 1999 - المجلد الرابع، تامّر ضد استونيا، رقم 41205/98، الفقرة 69، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2001 - المجلد الأول، سكالكا، المذكورة أعلاه، الفقرتان 41 وَ 42؛ لينشكي ضد سلوفاكيا، رقم 35640/97، الفقرتان 63 وَ 64، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2003 - المجلد الرابع) من العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم مدى تناسب التدخّل في حرية التعبير المكفولة بموجب المادة 10 من الاتفاقية.
172. تعكس عبارة "سلطة القضاء" على وجه الخصوص فكرة أن المحاكم، وأن الجمهور يقبلها بشكل عام على أنها تمثل الهيئات المناسبة لتسوية المنازعات القانونية، وللحكم بالإدانة أو البراءة من تهمة جنائية (انظر ڤــورم ضد النمسا، الحكم الصادر في 29 أغسطس/آب 1997، تقارير 1997-المجلد الخامس، ص 1549، الفقرة 40). وفيما يتعلق بضمان السلطة القضائية يجب على المحاكم في المجتمع الديمقراطي أن تلهم الثقة للمتقاضين ابتداءً من المتهمين في الإجراءات الجنائية (انظر بادوفاني ضد إيطاليا، الحكم الصادر (انظر، حسب مقتضى الحال، من بين قضايا أخرى، فاي ضد النمسا، الحكم الصادر في 24 فبراير/شباط 1993، السلسلة (أ) رقم 255-أ، ص 12، الفقرة 30).
173. الوضع الخاص للمحامين يمنحهم مكانة مركزية في إقامة العدل وكوسطاء بين المتقاضين والمحاكم. وهذا ما يفسر القواعد السلوكية التي تُفرص عادة على أعضاء نقابة المحامين. نظراً للدور الرئيسي للمحامين في هذا المجال، فمن المنطقي أن نتوقع منهم المساهمة في حسن سير العدالة، وكذلك الحفاظ على ثقة الجمهور فيها (انظر أميهالاشيواي ضد مولدوفا، رقم 60115/00، الفقرة 27 ، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2004 - المجلد الثالث ، نيكولا، المذكورة أعلاه، § 45؛ شوبفر المذكورة أعلاه، ص 1052-1053، الفقرتان 29 وَ 30، ومراجع أخرى).
174. لا تحمي المادة 10 جوهر الأفكار والمعلومات المعبّر عنها فحسب، ولكن نمط التعبير عنها أيضا. حتى وإن كان يحق بالتأكيد للمحامين التعليق علناً حول سير العدل، فإن انتقاداتهم لا يجوز أن تتخطى حدوداً معينة. وعلاوة على ذلك، فإن حرية المحامي في التعبير في قاعة المحكمة ليست غير محدودة، فبعض المصالح، مثل مصلحة ضمان سلطة القضاء، مهمة بما يكفي لتبرير فرض قيود على هذا الحق. ومع ذلك، حتى لو كان إصدار العقوبات من اختصاص المحاكم الوطنية، تذكِّر المحكمة أنه وفقاً لفقهها القضائي فإنه لا يمكن اعتبار تقييد حرية تعبير المحامي عبر عقوبة جنائية حتى ولو كانت خفيفة، إلا في ظروف استثنائية، على أنه ضرورة في مجتمع ديمقراطي (انظر نيكولا، المذكورة أعلاه، الفقرتين 54 وَ55).
175. ومن البديهي أن أي محامٍ حين يدافع عن موكله في المحكمة، ولا سيما في سياق الدعاوي الجنائية المحتدمة، يمكن أن يجد نفسه في وضع حرج حيث عليه أن يقرر ما إذا كان ينبغي أن يعترض أو لا أو أن يشتكي من سلوك المحكمة، مع الأخذ في الاعتبار مصالح موكله. من المؤكد أن فرض عقوبة السجن، بحكم طبيعتها، سيكون له "تأثير سلبي" ليس فقط على المحامي المعني ولكن على مهنة المحامين ككل (انظر نيكولا المذكور أعلاه، الفقرة 54، ستور المذكورة أعلاه، الفقرة 44). يمكن أن يشعر المحامون بأنهم مقيدون على سبيل المثال في اختيارهم للمرافعات، والاستراتيجيات الإجرائية وما إلى ذلك أثناء الإجراءات أمام المحاكم، وربما على حساب قضية موكلهم. من أجل يثق الجمهور في إقامة العدل يجب أن يثق في قدرة المحامين على التمثيل الفعال للمتقاضين. إن فرض عقوبة السجن على محامي الدفاع يمكن في ظروف معينة أن يكون له آثار ليس فقط على حقوق المحامي بموجب المادة 10 ولكن أيضاً على حقوق موكله بالاستفادة من محاكمة عادلة بموجب المادة 6 من الاتفاقية (انظر نيكولا، المذكورة أعلاه، الفقرة 49، و ستور المذكورة أعلاه، الفقرة 37). ينتج عن ذلك أن أي "تأثير سلبي" هو عامل مهم يجب أن يؤخذ في الحسبان من أجل إيجاد التوازن المناسب بين المحاكم والمحامين في إطار الإدارة الجيدة للعدالة.
2. تطبيق المبادئ المذكورة أعلاه على القضية الحالية
176. في هذه القضية، أدانت محكمة الجنايات في ليماسول المدعي بجريمة الإهانة المرتكبة أمام المحكمة حين كان يدافع عن شخص متهم بالقتل. واعتبر القضاة أن المدعي أظهر عبر كلامه وتصرفاته عدم احترام واضح للمحكمة.
177. يجب على المحكمة التأكد مما إذا كان، بحسب وقائع القضية، تم إيجاد توازن عادل بين، الحاجة لحماية سلطة القضاء من جهة، وحماية حرية المدعي في التعبير بصفته محامٍ من جهة أخرى.
178. حكمت محكمة الجنايات ليماسول على المدعي بعقوبة السجن لمدة خمسة أيام. ولا يمكن إلا اعتبار هذه العقوبة قاسية، ولا سيما بالنظر إلى أن تنفيذها تم على الفور. وأيدت المحكمة العليا هذه العقوبة في وقت لاحق.
179. يمكن اعتبار أن سلوك المدعي ينطوي على بعض عدم الاحترام تجاه قضاة محكمة الجنايات. على الرغم من ذلك، وإن كان فظاً، فقد اقتصرت تعليقاته على الطريقة التي كان القضاة يديرون فيها المحاكمة، لا سيما أثناء استجواب السيد كيبريانو لأحد الشهود في إطار الدفاع عن موكله ضد تهمة القتل.
180. بناءً على ما سبق، ولا سيما باعتبار صفة المحامي للمدعي وبالنظر في وجود عقوبات بديلة ممكنة (انظر الفقرتين 79 و 98 أعلاه). فإن المحكمة لم تقتنع بحجة الحكومة القائلة بأن عقوبة السجن المفروضة على المدعي كانت تتناسب مع الجريمة المرتكبة.
181. بل على العكس من ذلك، تعتبر المحكمة أن العقوبة المفروضة على المدعي قاسية بشكل غير متناسب وتؤدي بطبيعتها إلى "تأثير سلبي" على أداء المحامين عندما يدافعون عن موكليهم (انظر نيكولا، المذكورة أعلاه، الفقرة 49، ستور، المذكورة أعلاه، الفقرة 44). الظلم الذي لاحظته المحكمة في الإجراء المستعجل في تهم الإهانة (انظر الفقرات من 122 إلى 135 أعلاه) لم يؤدي إلى تفاقم حالة عدم التناسب (انظر الفقرة 171 أعلاه).
182. وبناء على ذلك، اعتبرت المحكمة أن محكمة الجنايات فشلت في تحقيق التوازن الصحيح بين ضرورة حماية سلطة القضاء وضرورة حماية حق المدعي في حرية التعبير. وكون المدعي لم يمض إلا جزءاً من عقوبة السجن (انظر الفقرة 20 أعلاه) لا يغير شيئاً من هذا الاستنتاج.
183. بالتالي خلصت المحكمة إلى وجود انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية بسبب عدم تناسب العقوبة المفروضة على المدعي.
خامساً. تطبيق المادة 41 من الاتفاقية
184. تنص المادة 41 من الاتفاقية على ما يلي:
"إذا وجدت المحكمة أن هناك انتهاك للاتفاقية أو لبروتوكولاتها، وإذا كان القانون الداخلي للطرف السامي المتعاقد لا يسمح بإزالة نتائج هذه المخالفة بشكل تام، تمنح المحكمة للطرف المتضرر، إذا استدعى الأمر، ترضية عادلة ".
أ. الأضرار
1. الأضرار المادية
185. لم يقدم المدعي أي طلب بخصوص الأضرار المادية.
2. الأضرار المعنوية
186. ينص استنتاج الغرفة حول طلبات المدعي بخصوص الأضرار المعنوية على ما يلي (انظر الفقرات 84 وَ85 من حكم الغرفة):
"84. ترى المحكمة أنه من المؤكد أن المدعي عانى من ضائقة بسبب وقائع القضية. وتعتبر على وجه الخصوص أن خطورة الإدانة وعقوبة السجن التي فرضت عليه لا بد أن يكون لها تأثيراً سلبياً على سمعته المهنية وعلى صورته السياسية، لا سيما في بلد صغير مثل قبرص. ومع ذلك، فإن المحكمة لا تجد أن المدعي قد أثبت وجود علاقة سببية بين تدهور حالته الصحية وانتهاكات الاتفاقية. وبالتالي، فقد حكمت بأن طلبات المدعي مفرطة، رغم أن جزءاً منها مبرر.
85. مع الأخذ بعين الاعتبار مختلف العوامل ذات الصلة، وبالحكم بالعدل على النحو المطلوب بموجب المادة 41 من الاتفاقية، منحت المحكمة المدعي
187. طلب المدعي من الغرفة الكبرى الحفاظ على المبلغ الذي منحته الغرفة.
188. لم تعترض الحكومة على طلبات المدعي.
189. اعتبرت المحكمة أن انتهاك حقوق المدعي بموجب المادتين 6 (الفقرة الأولى) و 10 من الاتفاقية تسبب له بأضرار معنوية مثل الضيق والإحباط - الناتجة عن عدم عدالة محاكمته وإدانته والعقوبة التي فرضت عليه - وهو ما لا يمكن أن يكون تعويضه فقط عبر الإقرار بالانتهاكات. منحت المحكمة المدعي، حاكمة بالعدل،
ب. التكاليف والنفقات
190. توصلت الغرفة إلى الاستنتاج التالي بخصوص طلبات المدعي بتسديد تكاليفه ونفقاته (انظر الفقرات من 91 إلى 93 من حكم الغرفة):
"91. أولاً، تشير المحكمة إلى أنها سبق وأن حكمت بأن توكيل أكثر من محامي قد يبرره في بعض الأحيان أهمية المسائل المثارة في القضية (انظر إياتريديس ضد اليونان (تسوية عادلة) [الغرفة الكبرى]، رقم 31107/ 96، الفقرة 56، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2000-المجلد الحادي عشر). علاوة على ذلك، بما أن المدعي سعى أمام المحكمة العليا بشكل أساسي لمعالجة انتهاكات الاتفاقية التي زعمها أمام المحكمة (الأوربية لحقوق الإنسان)، يمكن أن تؤخذ هذه الرسوم المحلية بعين الاعتبار عند تقييم التكاليف. ومع ذلك، فإنها تعتبر حتى ولو كانت القضية معقدة بعض الشيء وأثارت أسئلة هامة، إلا أنه لم يكن من الضروري استدعاء خدمات هذا العدد من المحامين.
92. ثانياً، على الرغم من أن المحكمة لا تشك في أن الرسوم المطالب بها قد تكبدت بالفعل، تبدو مبلغها مفرطاً. وتشير أيضاً إلى أنها رفضت جزء كبير من شكاوى المدعي في مرحلة القبول.
93. بناءً على ما سبق، منحت المحكمة المدعي، حاكمة بالعدل، مبلغاً كلياً وقدره 10000 يورو تحت هذا العنوان."
191. اعترض المدعي على حكم الغرفة حول هذه النقطة وكرر مطالبه الأولية بسداد التكاليف والنفقات التي تكبدها أمام المحكمة العليا والمحكمة (القسم الثاني) بمبلغ 20180 جنيه قبرصي (حوالي 35000 يورو) بالإضافة إلى ذلك، طالب بسداد تكاليفه ونفقاته أمام الغرفة الكبرى، البالغة 5000 جنيه قبرصي و 21500 جنيه إسترليني (أي ما مجموعه حوالي40000 يورو).
ولقد فصَّل طلباته على النحو التالي (مرفقاً بيانات كشف الحساب والفواتير):
أ) 2520 جنيه قبرصي قيمة الرسوم والمصاريف لقاء أتعاب ستة محامين في قبرص إبان الإجراءات أمام المحكمة العليا.
ب) 17660 جنيه قبرصي قيمة الرسوم والمصاريف المتكبدة إبان الإجراءات أمام الغرفة. شمل هذا المبلغ ما مجموعه 5160 جنيه قبرصي لقاء أتعاب للسيد س. كليريدس. 7500 جنيه قبرصي لقاء أتعاب خمسة محامين آخرين قبرصيين (1500 جنيه قبرصي لكل محام) و 5000 جنيه قبرصي رسوم خدمات استشارية لمحامييه البريطانيين.
ج) 5000 جنيه قبرصي قيمة الرسوم والمصاريف التي تغطي العمل الذي قام به السيد س. كليريدس في إطار الدعوى أمام الغرقة الكبرى (تم تقديم إيصال في هذا الصدد).
د) 20000 جنيه إسترليني قيمة الرسوم والمصاريف لتغطية العمل الذي قام به في إطار الدعوى أمام الغرفة الكبرى السيد ب. ايمرسون ك. س، والسيد د. فريدمان، والسيد م. مولر والسيد ل. كارالمبوس (من مكتب المحامين سيمونز، مويرهيد وبيرتون) ؛
هـ) 1500 جنيه إسترليني لتغطية نفقات حضور ممثليه في جلسة المحاكمة أمام الغرفة الكبرى (قدّم فاتورة المصروفات مكتب المحامين سيمونز، مويرهيد وبيرتون).
192. زعم المدعي أن التكاليف والنفقات التي يطالب بها كانت معقولة بالنظر إلى العمل العام الذي تطلّبه إعداد ملف الدعوة. وكان عدد من المحامين الذين استعان بهم ضرورياً في كلا الإجراءين أمام المحكمة بسبب الطبيعة غير المسبوقة لهذه القضية وأهميتها بالنسبة للقانون القبرصي وأنظمة القانون العام. كما أقرت الحكومة عبر ملاحظاتها بأهمية هذه القضية. أكد المدعي أنه نظراً لأهمية القانون العام الإنجليزي في تفسير القانون القبرصي حول موضوع الإهانة، فإن تعيين محامين إنجليزيين أمام الغرفة والغرفة الكبرى له ما يبرره. وفي هذا الصدد، أشار إلى أن الحكومة قد عينت أيضاً محامين إنجليزيين. وأخيراً، تطلبت إحالة القضية إلى الغرفة الكبرى إعادة دراسة الموضوع من جديد، وبالنظر إلى القضايا المطروحة، وكان لا بد من إعداد تقارير شاملة.
193. اعترضت الحكومة على المبالغ التي طالب بها المدعي. وأكدت على وجه الخصوص أن طلبات المدعي حول التكاليف والنفقات المتكبدة أمام المحكمة العليا والغرفة مبالغ بها وأن قرار الغرفة في هذا الصدد يؤكد ذلك. كما اعتبرت الحكومة المبالغ المطالب بها في الدعوى المرفوعة أمام الغرفة الكبرى باهظة. وأشارت إلى أن المدعي قد عيَّن عدداً غير مبرر من المحامين وأنه تعامل مع هذه المرحلة من الإجراءات كما لو أنها محاكمة جديدة.
194. اقترحت الحكومة مبلغاً إجمالياً وقدره
195. وفقاً للفقه القضائي للمحكمة، لا تُمنح التكاليف والنفقات بموجب المادة 41 ما لم يثبت أنها تُكبدت فعلاً وكانت ضرورية، ومعقولة بالنسبة لمعدلها. وعلاوة على ذلك، فإن التكاليف القانونية لا تغطي سوى تلك المتعلقة بالانتهاك الملحوظ (انظر، على سبيل المثال، بيلير ضد إيطاليا (تسوية عادلة) [الغرفة الكبرى]، رقم 33202/96، الفقرة 27، 28 مايو/أيار 2002، وشاهين ضد ألمانيا [الغرفة الكبرى]، رقم 30943/96، الفقرة 105، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2003 – المجلد الثامن).
196. ترى الغرفة الكبرى أي سبب لتغيير ما توصلت إليه الغرفة بالنسبة للمبالغ الواجب منحها فيما يتعلق بالتكاليف القانونية والنفقات التي تكبدها أمام المحاكم القبرصية والغرفة.
197. وفيما يتعلق بالتكاليف والنفقات التي تكبدها أمام الغرفة الكبرى، أشارت المحكمة إلى أنها طلبت من الأطراف الإجابة على العديد من الأسئلة التي تغطي المسائل التي نشأت في هذه القضية. ويتضح من طول مذكرات المدعي والتفاصيل التي تضمنتها أن قدراً كبيراً من العمل تمَّ نيابة عنه.
198. ومع ذلك، فإن المحكمة ترى أن المبلغ الإجمالي المطلوب كرسوم مرتفع جداً.
199. بالنظر إلى ظروف القضية، منحت المحكمة المدعي، عن جميع التكاليف التي تكبدها أمام المحاكم المحلية وهيئات الاتفاقية، ما مجموعه 35000 يورو ، إضافة إلى أي مبلغ يطلب تحت عنوان الضريبة على القيمة المضافة.
ج. الفوائد المؤجلة
200. حكمت المحكمة أنه من المناسب أن يبني سعر الفوائد المستحقة على سعر فائدة تسهيل القرض الحدي من البنك المركزي الأوروبي بزيادة ثلاث نقاط مئوية.
بناء على هذه الحجج، فإن المحكمة
حكمت، بالإجماع، بوجود انتهاك للفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية؛حكمت بستة عشر صوتاً مقابل واحد، بعدم ضرورة دراسة شكوى المدعي المتعلقة بالفقرة 2من المادة 6 من الاتفاقية بشكل منفصل؛حكمت بالإجماع، بعدم ضرورة دراسة شكوى المدعي المتعلقة البند (أ) من الفقرة 3 من المادة 6 من الاتفاقية بشكل منفصل؛رفضت؛ بالإجماع، الاستثناء الأولي الذي طرحته الحكومة حول المادة 10 من الاتفاقية؛حكمت، بالإجماع، بوجود انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية؛حكمت، بالإجماع،
1- 15000 يورو(خمسة عشر ألف يورو) عن الأضرار المعنوية،35000 يورو (خمسة وثلاثون ألف يورو) عن التكاليف والنفقات، إضافة لكل مبلغ يمكن أن يستحق بسبب الضرائب؛
2-رفضت، بالإجماع، طلب التسوية العادلة للزيادة في الضرر.
حرر بالفرنسية والإنكليزية، وصدر في جلسة علنية في قصر حقوق الإنسان في ستراسبورغ، في 15 ديسمبر/كانون الأول 2005.
لورانس ايرلي
لوزيوس ويلدهابير
كاتب مساعد
الرئيس
يرفق مع هذا الحكم، بموجب الفقرة الثانية من المادة 45 من الاتفاقية والفقرة الثانية من المادة 74 من النظام الداخلي، عرض للآراء المنفصلة التالية:
-
-
-
-
ل.و
ت.ل.إ
الرأي الموافق
للسيدين القاضيين نيكولا براتزا و بيلونبا
(ترجمة)
لقد صوتت مع الأغلبية من أعضاء المحكمة على جميع جوانب القضية. ونحن متفقون بشكل عام مع استنتاجاتها ومنطقها في الحكم، ومع ذلك، نحن لا نشاطرها الرأي في أن موقف قضاة محكمة الجنايات في ليماسول كان ينطوي على انحياز ذاتي تجاه المدعي عندما حاكموه وأدانوه بتهمة الإهانة الموجهة للمحكمة.
نظراً للأسباب التي وردت في الحكم، كانت شكوك المدعي حول حيادية أعضاء محكمة الجنايات، في ظل الظروف الخاصة للقضية، مبررة موضوعياً. ولكن الأمر ليس كذلك في جميع الحالات حيث تحاكم الإهانة الموجهة للمحكمة من قبل المحكمة المعنية، وفي هذا الصدد، فإننا نعتبر أن الغرفة ذهبت بعيدا جدا عندما صرَّحت في الفقرة 37 من حكمها أنه في جميع الحالات التي تكون فيها المحكمة في مواجهة سلوك سيء لشخص ما في قاعة المحكمة، فإن الخطوات الواجب اتباعها لضمان متطلبات الحيادية التي تنص عيلها المادة 6 من الاتفاقية تقوم على إحالة المسألة إلى السلطات القضائية المختصة للتحقيق وأن يحكم في المسألة محكمة غير تلك التي وقعت أمامها المشكلة. ومع ذلك، كما هو الحال في هذه القضية، عندما توجه العبارات أو الأفعال التي تشكل الإهانة ضد القضاة شخصياً وفي انتقاد صريح للطريقة التي يديرون فيها الإجراءات، فإن حيادية أولئك القضاة أنفسهم عند محاكمة ومعاقبة الجاني في رأينا موضع شك وذات طبيعة تثير شكوكاً مبررة موضوعياً.
بعد أن وجدت المحكمة في الفقرات 123-28 من الحكم أن محكمة الجنايات لم تراعي معايير الحياد الموضوعي، كان في رأينا أن لا لزوم لدراسة المسألة في إطار معيار الحياد الذاتي أيضاً. ولكن حينما رأت الأغلبية فعل ذلك وبنت حكمها في انتهاك المادة 6 على ما بدى لها من تحيز ذاتي، شعرنا بأنه لزام علينا أن نشرح من وجهة نظرنا لماذا لا نرى أي سبب مقنع لدحض افتراض الحيادية الشخصية للقضاة الذين حاكموا المدعي بجرم الإهانة.
أولا، علينا أن نذكَّر بالسياق العام للوقائع المعنية. خلال سير الإجراءات الرئيسية، قاطعت المحكمة المدعي مشيرة إلى أن استجوابه يفرط في التفاصيل في تلك المرحلة من المحاكمة. في رأينا، هذا تدخل عادي تمارسه المحكمة في سياق وظيفتها في إدارة المداولات كأي محكمة وهذا لا يوحي بأي تحيز من جانب المحكمة ضد المدعي. كان ردة الفعل الفورية للمدعي هي طلب الانسحاب كمحامي من هذه القضية، وهو ما رفضته محكمة الجنايات، بناءً على الفقه القضائية الثابت. ولا يوجد ما يدل على أن هذا القرار كان يستند إلى أي شيء آخر سوى الاعتبارات القضائية المشروعة، ومرة أخرى، لا يوجد ما يشير إلى أي عداء شخصي من جانب قضاة محكمة الجنايات نحو المدعي.
ثم تلى ذلك الحديث الذي استخدم فيه السيد كيبريانو مصطلح "
وفي الختام - شيء استثنائي جدا، إن لم تكن المرة الأولى في الفقه القضائي للمحكمة - لدحض افتراض عدم التحيز الشخصي في هذه القضية، علقت غالبية المحكمة أهمية كبيرة على عدد من جوانب سلوك قضاة محكمة الجنايات ترى فيها دليلاً على تحيزهم الذاتي: كون القضاة أشاروا إلى أنهم شعروا شخصياً بالإهانة والإساءة بسبب كلمات المدعي؛ المصطلحات القوية التي استخدمها القضاة تنقل، بحسب المحكمة، " شعوراً بالسخط والصدمة"؛ اعتبار أن عقوبة السجن لمدة خمسة أيام كانت الرد الوحيد على تلك الإهانة؛ كون القضاة المعنيين عبروا بطريقة سابقة لأوانها عن رأيهم بأن المخالفة تشكل إهانة.
في رأينا، هذه العوامل، سواء أخذت بشكل منعزل أو تراكمي، لا تكفي لدحض الفرضية القوية، التي تطبقها المحكمة باستمرار، بأن القضاة المهنيين بعيدون عن التحيز الشخصي.
حتى وإن كان صحيحاً، كما ذكرنا أعلاه، أن تعليقات المدعي تمثل بوضوح هجوماً شخصياً على قضاة محكمة الجنايات وأن المظاهر، من وجهة نظر موضوعية، تتطلب أن محكمة أخرى ذات تشكيلة مختلفة هي من تفصل في مزاعم الإهانة، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنه إذا قرر القضاة أنفسهم أن يقاضوا المدعي، فإن القضاة المعنيين تركوا لمشاعرهم الشخصية أن تسيطر عليهم بدل الحرص على حفظ سلطة المحكمة والإقامة الجيدة للعدل. في هذا الصدد، فإننا لا نرى أي سبب للشك في صدق قضاة محكمة الجنايات عندما ذكروا أن الإهانة الشخصية هي أقل ما يشغلهم وأن القلق الحقيقي للمحكمة هو سلطة ونزاهة القضاء.
أما بالنسبة لصلابة اللغة التي استخدمها قضاة محكمة الجنايات، حتى ولو كان صحيحاً أن المصطلحات التي استخدمها القضاة لوصف سلوك المدعي صلبة بلا شك، نحن لا نعتبر أن هذا في حد ذاته يدل على تحيز شخصي ضد المدعي. ونحن نرى أن المصطلحات المستخدمة إنما تعكس الخطورة التي أولاها القضاة لكلمات المدعي ونبرة صوته وسلوكه العام، وهو ما يعبر، برأي قضاة محكمة الجنايات، عن عدم احترام سلطة المحكمة.
ولنفس السبب، لا يمكننا القبول بأن اعتبار محكمة الجنايات لعقوبة الحبس الفوري لمدة خمسة أيام على أنها الرد المناسب الوحيد يمثل تحيزاً ذاتياً من جانب قضاة المحكمة. بناءً على الأسباب الواردة في حكم المحكمة، نحن نعتبر أن العقوبة المتخذة أدت، في ظل ظروف القضية، إلى تدخل غير متناسب في حقوق المدعي الواردة في المادة 10. ولكن اتخاذ محكمة الجنايات لوجهة نظر مختلفة حول خطورة القضية - والتي تشاطرها إياها المحكمة العليا - لا يمكن من وجهة نظرنا أن يعتبر دليلا على خلل في حياديتها الذاتية.
كما أننا لسنا مقتنعين بأن التعبير السابق لأوانه عن رأي المحكمة بأن المدعي مذنب بتهمة إهانة المحكمة يبرر الطعن في افتراض الحياد الذاتي للقضاة. القضية الحالية هي مثال حي على الصعوبات التي تواجهها المحكمة عندما تحكم في قضايا الإهانة التي تحدث في مواجهتها، وأن مجرد تبكير محكمة الجنايات في التعبير عن وجهة نظرها في أن سلوك المدعي يمثل إهانة للمحكمة لا يدل في رأينا على تحيز شخصي. إضافة إلى ذلك، فإن المحكمة لم تعمد إلى رفع الجلسة من أجل إعادة النظر في المسألة قبل إعادة التأكيد وجهة نظرها الأولية بارتكاب إهانة المحكمة فحسب، ولكن أعطت المدعي فرصة للتراجع عن أقواله قبل فرض أي عقوبة. نحن لا نرى أي سبب للشك في استنتاج المحكمة العليا الذي نص على أن محكمة الجنايات بفعلها ذاك "أظهرت بشكل غير مباشر نيتها في عدم فرض العقوبة إذا ما تراجع السيد كيبريانو عمّا قاله معبراً عن اعتذاره الصادق".
لهذه الأسباب لا نستطيع أن نعتبر، كما فعلت الأغلبية، أن قضاة محكمة الجنايات في ليماسول أثبتوا تحيزاً ذاتياً ضد المدعي وأن الحكم بوجود انتهاك للفقرة الأولى من المادة 6 من الاتفاقية يستند إلى هذا السبب.
الرأي الموافق
للسيد القاضي زوبانشيش
(ترجمة)
هذه القضية تتعلق بالحيادية. في حكم الغرفة الكبرى، وبخاصة في الفقرة الرئيسية 130 وهي الفقرة الرئيسية، نتحدث بالتتالي عن "الموقف شخصي" للقضاة، عن "المشاركة الشخصية" من جانبهم وعن "شعورهم بالسخط والصدمة، والذي يتعارض مع المسلك المستقل المتوقع من القرارات القضائية". هذه هي عناصر ما يسمى بـ "الانحياز الذاتي"، الذي كشفت عنه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في هذه القضية. أود هنا ببساطة أن أسهم في توضيح إضافي لماذا، على سبيل المثال، ينبغي أن ينظر إلى "التدخل الشخصية" على أنه نفي للحيادية.
لا أعتقد أن "الحيادية" في القانون تختلف عن الحيادية في أي مجال آخر (العلم، التاريخ، وما إلى ذلك). أعتقد في المقابل أن المصطلحات المختلفة التي استخدمتها المحكمة فيما يتعلق بالحيادية "الموضوعية" والحيادية "الذاتية"، ليس لديها قيمة تفسيرية كبيرة. وبعبارة أخرى، إذا قال قائل: " في النهاية، ما هي الحيادية ؟"، لا أعتقد أنه يمكن أن يستنبط إجابة واضحة من فقهنا القضائي. ولذلك قد يكون من المفيد إعطاء تعريف دقيق يسمح بفهم أفضل للمسألة.
من الواضح أن الحياد هو موقف عقلي. يعني اتخاذ موقف دون حكم مسبق أو تحيز، يبدو هذا واضحا. يتطلب الاستنتاج والقرار القضائي العقلانيان قدراً من الموضوعية من جانب الشخص الذي يحكم، ولهذا تتميز القواعد القانونية عن القواعد الذاتية للقضاة. يقول المنطق أن القضاة يبحثون ويفسرون ويطبقون القانون بشكل شخصي، لكن القانون يوجد مع ذلك بشكل موضوعي ومستقل عنهم. بمعنى آخر، تختلط الفكرة المعقدة "محاكمة عادلة" مع فكرة حيادية القضاة.
الطبيعة التناقضية للإجراءات القانونية أيضا تخدم فكرة الحيادية. في القانون، هي الصراع (التناقض) الذي يتطلب وينتج الحيادية معاً. في إطار قضائي أحادي المركز، الحيادية القضائية هي نتيجة للتحيز المنتظر والمقبول من الطرفين المتخاصمين. قد تكون هذه سمة خاصة بالحيادية القضائية، وهو ما يميزها على سبيل المثال، عن الموضوعية العلمية، التي يمكننا من خلالها يسمح للواقع الموضوعي ذاته، عبر التجربة العلمية، بتأكيد أو نقض الفرضية الأولية.
ومع ذلك، يدرس العلماء التجريبيون الظواهر المتكررة تلقائياً، لأنهم يهتمون في القوانين الدائمة الكامنة وراء الطبيعة، الأحداث العملية والمؤقتة التي تمثل ركائز لاختبارات تجريبية ليست سوى "أعراض" للقانون العلمي الثابت والمستمر (في الزمن)، الهدف الفعلي الوحيد للاستكشاف العلمي.
في القانون، على العكس من ذلك، لا يمكن أن تتكرر الأحداث. نقول عادة أن الوقائع ذات الصلة من الناحية القانونية "تاريخية". التعبير "حدث تاريخي" مستمد من التأريخ لأنه في هذا المجال أيضا، لا يمكن إعادة إنتاج الغرض المدروس. وبالتالي لا يمكن اختبار الصِحة الموضوعية للأحداث التاريخية تجريبياً.
وباختصار، النظرية المعرفية للأحداث التاريخية ناقصة بالمقارنة مع نظرية المعرفة العلمية /التجريبية. نقول أن الأولى هنا تفتقر إلى الموضوعية.
ومع ذلك، حتى في نظرية المعرفة العلمية، الصرامة في الإجراءات التجريبية هي التي تضمن أن يستطيع علماء آخرون إعادة إنتاجها (تكرارها). يعتمد إثبات أي مبدأ علمي ناتج عن التجربة على إثبات خطئها، وبعبارة أخرى، إمكانية إثباتها عبر عدد غير محدود من التجارب الأخرى. تعتمد شرعية الفرضية العلمية على دقة ضبط هذا الإجراء.
كم أكثر من ذلك في الإجراءات القضائية حيث لا يمكن استنساخ الحدث التاريخي!
هذا هو السبب في أن شرعية تقصي الحقيقة القضائية يعتمد بشكل كامل وكلي على شرعية الإجراءات التي تتبعها المحاكم. فالإجراء الذي يشوبه أي عيب في أي عنصر من عناصر المحاكمة العادلة، مثل تساوي الأسلحة، وما إلى ذلك، لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مشروعة. بما أنه من المستحيل إعادة إثبات حدث تاريخي ماضي، فما يسمى بـ "الحقيقة" في المسائل القضائية يمكن بسهولة أن تصبح أسطورة ذاتية المرجعية وغير قابلة لإثبات خطئها كما حدث في محاكمات الساحرات،. كانت هذه الحالات الشاذة، في ذلك الوقت، نتيجة مباشرة للبنية التحقيقية المختلة معرفياً للإجراءات القانونية. وبعبارة أخرى، المحاكمة العادلة ليست مجرد استحقاق فردي وحق أساسي. المحاكمة عادلة، مع كل الضمانات المعقدة التي تنطوي عليها، ضرورة فكرية إن لم نقل علمية بشكل كامل، وبالتالي فالمحاكمة العادلة مفتاح لشرعية كل قرار قضائي.
هذا يقودنا إلى واحد من عناصر المحاكمة العادلة، وهو الحيادية. فالحيادية، بساطة، هي موقف عقلي منفتح يتسم بالتردد (اللاقرار). في إطار قضائي أحادي المركز، يبقى العقل القضائي المتردد مفتوحاً لتدفق البيانات المتناقضة من الطرفين المتخاصمين. الحياد يعني أن قنوات الاتصالات ذات الصلة غير مقطوعة، وبعبارة أخرى، أن يستمر قبول هذه البيانات. في المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وبشكل أكثر تحديدا الفقرات 2 و 3 (ب) و (ج) و (د)، يمكن، على سبيل المثال، أن ينظر إليها لا كحقوق أساسية إنما كنظرية معرفية مصغَّرة[3].
عكس الحيادية هو "الحكم المسبق". كما يدل عليه أصل الكلمة "
يمكن أن يتفاقم مثل هذا التحيز إذا كان القاضي يستخدم معايير حكم مسبقة خارجة عن القضية المطروحة أو القانون بشكل عام. على سبيل المثال، عندما نتحدث عن "التحيز العنصري"، فإننا نشير إلى توظيف المعيار العنصري الخارجي من الناحية القانونية في ظروف يكون لا يمت فيها هذا المعيار بصلة إلى الجوهر القضائي للقضية. يجب عليها أن تفعله مع مادة القانونية للقضية شيئا. إذا كان القاضي يكره أحد الطرفين، فإنما يقرر بناءً على معيار خارجي، قانونياً غير ذي صلة وممنوع. وغني عن القول، أنه ينبغي أن يتمتع القاضي بالحكمة والخبرة من أجل أن يتبنى موقفاً محايداً وموضوعياً الخ، يحافظ على المسافة المطلوبة من العملية الجارية أمامه. اعتماد محلفين غير المحترفين، وخاملين كلياً وأكثر تقبلا لعبء تحول الدليل، أيضا، يمكن أن يفيد في تعزيز الحيادية في العملية القضائية.
كلمة "قرار"، هي مناسبة أيضاً،. لغوياً تشير إلى عملية القطع. في الواقع، إذا كان القرار يمكن أن يكون النتيجة النهائية لعملية صنع قرار محايدة (محاكمة عادلة)، فهو بالتعريف متحيز. عندما يتخذ شخص ما قراراً فإنه يقطع تدفق البيانات التي تتعارض مع مضمون قراره.
وبالتالي فإن الأسئلة التي يمكن طرحها تتعلق، أولاً، بتوقيت القرار، وثانياً، بغياب المعيار الخارجي في اتخاذ القرار.
وعليه، فإن مفتاح الحيادية هو الحفاظ على قنوات المعلومات مفتوحة لأطول فترة ممكنة خلال الإجراء القانوني. في الدعاوى الاتهامية لا يضطر فيها القاضي لتكوين فرضية تتعلق بإدانة المتهم - على عكس، على سبيل المثال، قاضي التحقيق القاري فيما يتعلق بالنموذج الاتهامي[4] - ويستطيع أن يحافظ على قابلية استقبال، ويسهم في الحيادية. إضافة إلى ذلك، إذا تحول الإثبات في الواقع نتيجة لتأثير القوة الإقناعية لأحد الأطراف المتنازعة، فهذا يساهم في أن يصبح القاضي متردداً، أي ذو وجهتي نظر. لكن أن تكون ذا وجهتي نظر يعني أيضا أن تكون بلا قرار.
* * *
تضم العديد من القوانين الإجرائية الجنائية أحكاماً تتعلق بالخيارات المتوفرة لقضاة الموضوع عندما يحدث الفعل الإجرامي أمام أعينهم، داخل حرم المحكمة حيث تجري المحاكمة. في كثير من الأحيان، تسمح النصوص ذات الصلة للمحكمة "شاهد عيان" بالفصل مباشرة وإصدار العقوبة فورا.
إيجاد حل لهذا الوضع يقوم على افتراض ضمني بأن دور المحكمة يقتصر على البحث عن الحقيقة. نظراً لآنية الحالة، فحقيقة الفعل المجرَّم تبدو بديهية، وبالتالي، يفترض أن القضاة شهود العيان هم في وضع مثالي لإقامة الحقيقة.
لا يقتصر دور أي هيئة قضائية في تقصي الحقيقة فقط. فالتأسيس الموضوعي والحيادي للحقيقة هو مجرد أداة لحسم الصراع. البحث عن الحقيقة القضائية ليس غاية في حد ذاته. عندما يظهرون الحقيقة بأفضل إمكانياتهم، يجب على القضاة تطبيق القانون[5].
كما يبدو واضحاً في القضية التي أمامنا، يمكن أن يكون تطبيق القانون أيضاً عرضة للتحيز. إذا كان القاضي قاضٍ في قضيته الخاصة، فإن احتمال التحيز مستمر حتى ولو كان الحدث المجرِّم، هنا يسمى إهانة المحكمة، واضح وحقيقي، الخ.
تُظهِر هذه القضية إلى أي مدى يمكن لتفسيرات قضائية لوقائع بسيطة وتافهة أن تصبح عبثية.
بالنظر إلى الاعتبارات التاريخية التي، منذ العهد الأعظم (
لذلك، إنها من المفارقات التاريخية أن ترى البلدان التي تتبنى نظام القانون العام نفسها بعد قرون عديدة ميالةً للدفاع عن إهانة المحكمة في قضية تمثل إهانة لجميع المبادئ التي يمكن أن تتولد من النظامين القضائيين المذكورين أعلاه، إن "إهانة المحكمة" في الواقع ليست سوى شذوذاً تحقيقياً ضمن النموذج الاتهامي في الإجراءات الجنائية، هذا النموذج نفسه، هو الذي كان المصدر القانوني والأخلاقي الحقيقي على حد سواء للمحاكمة العادلة والمواد 5 و6 من الاتفاقية الأوروبية.
الرأي الموافق
للسيدين القاضيين جارليسكي وَ ماروست
(ترجمة)
نحن موافقان على الاستنتاج العام للأغلبية بشأن وجود انتهاك للمادة 10 بسبب سمة عدم تناسب في العقوبة المفروضة على المدعي. ونحن متفقان أيضا مع الخط الرئيسي للمنطق الذي تقوم عليه. ومع ذلك، فإننا نعتبر أنه من المهم التأكيد على أن حرية التعبير في المرافعات القضائية لها طبيعتها الخاصة وتخضع إلى قيود، أو بعبارة أخرى، فإنها لا تطبَّق فيها على بشكل كامل. ننطلق من فكرة أن المحامين في المرافعات أمام المحكمة لا يمثلون أنفسهم - أي لا يعبرون عن ذواتهم أو عواطفهم أو طموحاتهم أو وجهات نظرهم - بل مصالح موكليهم. عندما يمارس المحامون حقهم في حرية التعبير في إطار الإجراءات القضائية، فهم مقيدون بمصلحة موكليهم وبمصلحة العدالة. كما أن القضاة لا يدافعون عن مصالحهم الخاصة. صحيح أن هذه الفكرة من حيث المبدأ راسخة في عقيدة المحكمة، على سبيل المثال في حكم نيكولا ضد فنلندا (رقم 31611/96، المحكمة الأوربية لحقوق الأنسان 2002- المجلد الثاني)، وموضحة مرة أخرى في الفقرتين 173و175 من الحكم الحالي. هدفنا ببساطة هو أن نؤكد عليها بطريقة واضحة مرة أخرى.
من المؤكد أن المادة 10 لا تحمي فقط جوهر الأفكار والمعلومات فحسب وإنما طريقة التعبير عنها أيضاً. ولكن هذا المبدأ العام له حدود في إطار الإجراءات القضائية. يجب أن يوضع في الاعتبار أن الشكل (اختيار استراتيجية المرافعات، وطريقة عرض الحجج) يعتمد دائماً في المقام الأول على موقف الشخص الممثَّل، وبطريقة ثانوية على التفضيلات الشخصية للمحامي وعوامل أخرى. لا ينبغي أبدا أن يصبح التمثيل أداءً منفرداً غير محدود من المحامي حيث يمكن أن يترك جانباً الجوهر والغاية من المهمة الملقاة عليه فضلاً عن المصالح الأخرى ذات الصلة، ويطغى التعبير عن المصالح الشخصية على الباقي.
إن الدفاع، الذي يليق بهذا الاسم، يجب ألا يؤدي إلى الإضرار أو المساس بمصالح الزبون أو قضيته. ونشير في هذه القضية إلى أن رد الفعل الشخصي البشري لمحامي الدفاع والقضاة انتهى بالزبون بأن يصبح بلا تمثيل فعلي. وأدى ذلك إلى وقف السير السليم للإجراءات وبالتالي أضر ذلك بمصالح العدالة. يشكل مثل هذا الوضع خطراً هذا ليس على سلطة القضاة فحسب ولكن على سلطة ومصداقية نقابة المحامين وأعضائها أيضاً. ولهذا نعتقد أن القضية الحالية أثارت في المقام الأول مسألة تستدعي النظر بموجب المادة 6 وأن الجوانب المتعلقة بالمادة 10 ا ذات طبيعة فرعية وثانوية فقط.
الرأي المخالف جزئياً
للسيد القاضي كوستا
1. عندما تنطوي وقائع مطابقة على انتهاكات للعديد من الحقوق المكفولة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، غالبا ما يجد القاضي الأوربي نفسه في موقف صعب. هنا ينبغي عليه أن يحكم أنه هناك انتهاكات متعددة، أم ينبغي أن يقتصر على ما يبدو أنه الأهم؟ لا يقدم الفقه القضائي للمحكمة رداً قاطعاً على هذا السؤال. هذا يعتمد كثيراً على الظروف الخاصة بكل قضية، وكذلك على التقييم الذاتي للقضاة، الذين قد يكونون أكثر أو أقل حساسية لجانب معين من جوانب القضية. وهناك أيضاً القضاة "أحاديي الانتهاك" والقضاة "متعددي الانتهاكات".
2. ولعل هذا أكثر صحة عندما يُقضى في قضية ما في غرفة مكونة من سبعة قضاة، ثم تُحال، بموجب المادة 43، إلى الغرفة الكبرى المؤلفة من سبعة عشر قاضياً، والذين يصدرون حكماً نهائياً في القضية. القضاة النادرون (اثنان على الأكثر) الذين يشاركون (وبالتالي يصوتون) مرتين بموجب الفقرة 3 من المادة 27 من الاتفاقية، يجدون أنفسهم محتارين. هل يجب عليهم الالتزام برأيهم الأولي التزاماً صارماً (الذي، علاوة على ذلك، لم يعد له سوى قيمة تاريخية، لأن حكم الغرفة، كشيء قد قضي به، يلغى بالأثر الرجعي)؟ أو يجب عليهم تعديل، أو حتى تغيير رأيهم السابق؟ هنا مرة أخرى، كل شيء يعتمد على خصوصيات للقضية - وبدرجة أكبر أو أقل على عناد كل قاضٍ (أو القدرة على إعادة النظر في استنتاجاته السابقة)؛ مرة أخرى، هذا يعتمد على نوع القضية، وربما أكثر على المزاجية الفردية.
3. وأود أن شرح مواقفي المتتالية في القضية الحالية. حكمت الغرفة التي أشارك فيها بالإجماع أنه كان هناك ثلاثة انتهاكات للمادة (6)، في فقراتها الأولى (عدم وجود المحكمة محايدة)، و2 (انتهاك لمبدأ افتراض البراءة) و 3 (البند أ) (انتهاك حق الحصول على معلومات مفصَّلة عن طبيعة وسبب الاتهام الموجه إليه)؛ وحكمت الغرفة أيضا، ومرة أخرى بالإجماع، أنه لا توجد حاجة إلى دراسة منفصلة لشكوى المدعي بموجب المادة 10، والتي تحمي حرية التعبير.
4. بعد قراءة ملاحظات الأطراف والمتدخلين من الطرف الثالث أمام الغرفة الكبرى، وبعد الاستماع (بعناية) إلى المرافعات في قاعة المحكمة وإلى حجج زملائي أثناء المداولات، غيَّرت رأيي مرتين بالنسبة لاستنتاجاتي الأولى في هذه القضية.
5. بالطبع، لم أغير رأيي فيما يتعلق بمسألة تحيز محكمة الجنايات، سواءً الموضوعي أو الذاتي، والتي حكمت على الفور - أو على أي حال بعد مرور فترتي استراحة قصيرة - على المدعي بتهمة إهانة المحكمة، وأدانته وفرضت عليه عقوبة السجن لمدة خمسة أيام. هذا هو لب النزاع أمام محكمتنا، وليس لدي أي تعليق على استنتاج الغرفة الكبرى، والذي انضم إليه دون صعوبة. في الواقع، صُوِّت على هذه النقطة بالإجماع، حتى ولو كانت هناك بعض الآراء المستقلة والمثيرة للاهتمام.
6. كما أنني لم أتخلى عن الاستنتاج الواضح أن هناك انتهاك لمبدأ افتراض البراءة. وأعتقد أن هذا الانتهاك واضح للعيان: افترض القضاة أن المحامي، السيد كيبريانو، مذنباً، وعرضوا عليه مجرد الاختيار بين طلب الظروف المخففة أو التراجع. ومع ذلك، يمكن لمحكمة أن لا تكون حيادية حتى لو افترضت المتهم - على الأقل رسميا - بريئاً. الشكايتان الاثنتان ليستا متطابقَتين بالضرورة. وبالمثل، قد يُنتهَك افتراض البراءة في مرحلة ما قبل المحاكمة دون أن يُشار إلى المحكمة في وقت لاحق بتهمة بالتحيز (أشير هنا، على سبيل المثال، إلى قضية أليني دي ريبمون ضد فرنسا، الحكم الصادر في 10 فبراير/شباط 1995، السلسلة (أ) رقم 308 ). ومن المسلم به، أنه ليس من غير المعقول هنا القول بأن الانتهاكين الاثنين متداخلان إلى حد ما. ومع ذلك، افتراض البراءة، في رأيي، مبدأ أساسي للغاية من مبادئ الإنصاف فلا أستطيع أن أقبل أن يكون انتهاكه مسلوباً، "مهضوماً" مقابل مسألة تحيز المحكمة. لذا فقد صوتت، مرة أخرى، لصالح وجود انتهاك للفقرة 2 من المادة 6، وعلى عكس جميع زملائي هذه المرة، الذين اعتبروا عدم الحاجة لدراسة منفصلة تحت هذا العنوان.
7. في المقابل، أدركت أن الانتهاك الثالث للمادة 6 (في البند أ من الفقرة 3)، لم يكن ازدواجية واضحة فحسب، وإنما لم يحث ببساطة! حول هذه النقطة، وحول هذه النقطة وحدها، أقنعتني الحكومة المدعى عليها. كان في القضية حكم مسبق (وهذا في الواقع هو بالضبط ما انتُقدت لأجله محكمة الجنايات)، ونظرا لأنه كان، كيف يمكن لمحامٍ عنده خبرة 40 عاماً بأن لا يكون مدركاً لما يتهم به؟ أنا اعتبر هذه الشكوى لا تبدو حقيقية وبيّنة؛ وتبدو لي، بعد التفكير، بأنها مصطنعة وغير مفيدة. ولذا صوتت على هذه النقطة مثل جميع قضاة الغرفة الكبرى الأخرين.
8. لا يزال هناك مسألة حرية التعبير. هنا ترددت كثيراً. جوهر الالتماس يقوم على حقوق الدفاع، على الكلمات التي تلفَّظ بها محامٍ في خضم العملية أمام المحكمة حيث يدافع عن زبون متهم بارتكاب جريمة خطيرة، كلمات اعتبرها القضاة مهينةً، لدرجة أنهم أدانوه بعجالة. حرية التعبير في هذه القضية هي الخلفية بدل من أن تكون القضية الأساسية، وهذا ما يفسر وجهة النظر التي أعربت عنها الغرفة في الفقرة 72 من حكمها. لكنها أيضاً واحدة من القيم الديمقراطية الأكثر أهمية. أُقر أنه من المستحسن أن تؤكد المحكمة على أنه يحق للمحامي أيضاً أن يستفيد من هذه الحرية، ولا سيما عندما يساهم من خلال كلامه باحترام حقوق الدفاع. في هذا الصدد، ومما لا شك فيه أنني لم أُعر الأهمية الكافية لهذه المسألة كما في قضية نيكولا ضد فنلندا (رقم 31611/96، المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان 2002-المجلد الثاني)، والتي أشارت إليها الغرفة الكبرى عدة مرات من قبل. في النهاية، لقد صوتت عن طيب خاطر مع زملائي لصالح وجود انتهاك للمادة 10.
9. أود أن أختم بالقول بأنه، في رأيي على الأقل، لم تكن إحالة هذه القضية إلى الغرفة الكبرى شكلية لا معنى لها. فقد عززت وجهات نظري مع تمكيني من تصحيحها: يمكن للمرء دائما أن يفعل أفضل (أو على كل حال أقل سوءاً...).
[1]
[2]في ملاحظاته المكتوبة في 6 ديسمبر/كانون الأول 2004 الانتباه إلى أنه تم تعديل هذه المذكِّرة بتاريخ 20 فبراير/شباط 2004 في ضوء الحكم الصادر عن الغرفة في هذه القضية. وأشار، على وجه الخصوص، إلى أنها أوصت القضاة الذين يرأسون المحاكم أن يحيلوا عموماً قضايا الإهانة إلى قاضٍ آخر، ولكن لم تُحدد طبيعة الإجراء الذي يلي تلك الإحالة، والذي يجب تحديده في ضوء ظروف القضية المعنية (انظر قضية ماير ضد [هـ. م] المحامية، غير منشورة، 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2004).
[3] "المادة 6- الحق في محاكمة عادلة
(...)
2.
3. لكل
أ
ب-
ج-
د-
هـ-
[4] تتفاقم هذه المشكلة أكثر كون، على سبيل المثال، قاضي التحقيق يجب عليه بالضرورة أن يتوصل إلى فرضية اتهامية. ودون ذلك تصبح تحرياته لا معنى لها. وبالتالي، لا يبقى إلا القليل لقرينة البراءة المفترضة في إطار غير اتهامي وإنما تحقيقي. وليس من المستبعد القول أن السيد كيبريانو في الواقع كان قد حكم عليه في إطار تحقيقي.
[5] من أجل تبسيط النقاش، أقول "تطبيق القانون". لكن "تطبيق القانون" الذي يلي "البحث عن الحقيقة" هو نظرية معرفية معقدة، بل أكثر تعقيداً من "البحث عن الحقيقة". في الواقع، لا يمكن فصل العمليتين العقليتين عن بعضهما إلا بشكل مصطنع. اختيار النظام المراد تطبيقه (توصيف القضية) يحدد الإدراك الانتقائي للوقائع "المناسبة قانونياً". "اكتشاف" هذه "الوقائع" و "الوقائع" (عناصر) الإضافية يغير بدوره اختيار النظامعلى أنها "الحقيقة" المعمول بها.
Full & Egal Universal Law Academy