This publication has been printed/produced/translated with the financial support of the European Union – Council of Europe Joint Programme "Towards Strengthened democratic governance in the southern Mediterranean” (South Programme II, 2015-2017).
The European Commission, neither the Council of Europe cannot be held responsible for any use which may be made of the information contained therein.
Cette publication a été imprimée/produite/traduite avec le soutien financier du Programme conjoint Union européenne – Conseil de l’Europe « Vers une gouvernance renforcée dans les pays du Sud de la Méditerranée» (Programme Sud II, 2015-2017).
Ni la Commission européenne ni le Conseil de l’Europe ne peuvent être tenus responsables de l’usage qui pourrait être fait des informations qui y sont contenues.
تمت طباعة \ إنتاج \ ترجمة هذه الوثيقة بدعم من البرنامج المشترك للاتحاد الاوروبي ومجلس أوروبا "تعزيز الإصلاح الديمقراطي في دول جنوب المتوسط" (برنامج الجنوب, 2017-2015)
المفوضية الاوروبية ومجلس اوروبا غير مسؤولتين عن اي استخدام للمعلومات الواردة بهذا النص.
http://southprogramme2-eu.coe.int
المحكمة (الدائرة الكبرى)
قضية فوغت (VOGT) ضد. ألمانيا
(عريضة رقم: 91/17851)
حكم
ستراسبورغ
25 أيلول/سبتمبر 1995
في قضية فوغت ضد المانيا[1]،
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مشكلة طبقا للمادة 51 من نظامها الداخلي A[2]، من الدائرة الكبرى و المكونة من القضاة التالية أسمائهم:
السادة. ر. ريزدال، رئيسا،
ر. برنارد،
ف. جولشيكلي،
ف. ماتشر،
ل. أ. بيتيتي،
ر. ماكدونالد،
ج. سبيلمان،
ج. دي أيار/مايوي،
س.ك. مارتنز،
السيدة. أ. بالـــــــــم،
السيدة. أ. فواجيل،
أ. ن. لوازو،
ج. م. مورنيلا،
م. أ. لوبيز روشا،
ج. ميفسود بونيشي،
د. قوتشاف،
ب. جامبرك،
ك. جينجويرت،
ب. كوريس،
وكذلك السيد م. ح. بيتزولد، الكاتب،
وبعـد المـداولة في غرفة المشــورة بتواريـــخ 25 شباط/فبراير و 2 أيلول/سبتمبر 1995،
أصدرت الحكم التالي، بتاريخ 2 أيلول/سبتمبر 1995:
الإجــــراءات
1- أحيلت القضية على المحكمة من طرف اللجنة الاوروبية لحقوق الانسان ("اللجنة") بتاريخ 11 آذار/آذار/مارس 1994، ومن طرف الحكومة الألمانية ("الحكومة") بتاريخ 29 آذار/آذار/مارس 1994، في أجل ثلاثة (3) أشهر المنصوص عليه طبقا للمادة 31 فقرة 1 والمادة 47 (المادة 32-1، المادة 47) من الاتفاقية الأوروبية لحأيار/مايوة حقوق الإنسان والحريات الأساسية ("الاتفاقية"). تجد القضية أساسها في العريضة (رقم 17851/91) الموجهة ضد الجمهورية الفيديرالية الألمانية، من طرف مواطن ألماني، هي السيدة دوريثيا فوغت، التي أخطرت اللجنة في 13 شباط/فبراير 1991 بموجب المادة 25.
طلب اللجنة يحيل إلى المواد 44 و 48 والى التصريح الذي قبلت بموجبه ألمانيا بالاختصاص الالزامي للمحكمة (المادة 46)، وعريضة الحكومة بناء على المادة 48. والغرض المتوخى من هذه العرائض هو استصدار قرار حول ما إذا كانت وقائع قضية الحال تعد إخلالا من الدولة المدعى عليها بالتزاماتها بموجب المواد 10 و 11 من الاتفاقية وأيضا في طلب اللجنة بموجب المادة 14 من الاتفاقية.
2- وردا على المبادرة المؤسسة على المادة 33 فقرة 3 د من النظام الداخلي أ أظهرت المدعية رغبتها في المشاركة في إجراءات الدعوى وإبداء ملاحظاتها (المادة 30)، وقد سمح لها الرئيس باستخدام اللغة الألمانية (المادة 27 فقرة 3).
3- الغرفة، وبقوة القانون، تتشكل من السيد ر. برنارد، قاض منتخب من جنسية ألمانية (المادة 43 من الاتفاقية) والسيد ر. ريزدال رئيس المحكمة (المادة 21 فقرة 3 ب) من النظام الداخلي أ. بتاريخ 24 آذار/آذار/مارس 1994، تم إجراء القرعة لاختيار الأعضاء الستة (6) الاخرون المشكلين للمحكمة والمذكورة أسمائهم أعلاه، بحضور كاتب المحكمة.
4- السيد ريزدال وبصفته رئيسا للغرفة (المادة 21 فقرة 5 من النظام الداخلي أ) استعلم ممثل الحكومة، من خلال الكاتب، عن ملاحظات المدعية ومندوب اللجنة بخصوص تنظيم الإجراءات (المادة 37 فقرة 1 و38). وطبقا للأمر الصادر، تلقى الكاتب ملاحظات المعني بتواريخ 9 و11 أب/أغسطس 1994 ومذكرة الحكومة بتاريخ 17 آب/أغسطس 1994.
بتاريخ 19 آب/أغسطس 1994 قدمت اللجنة وثائق متنوعة من تلك التي طلبها الكاتب بناء على أمر الرئيس.
5- بموجب إرسالية مؤرخة في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1994، التمس ممثل الحكومة إيداع مذكرة إضافية وتأجيل الجلسة المحددة أصلا بتاريخ 23 تشرين الثاني/نوفمبر. وبعد استشارة الأطراف مجددا (المدعية، وممثل الحكومة، ومندوب اللجنة)، بواسطة كاتب المحكمة، أقر السيد رئيس الدائرة هذه الطلبات. وطبقا للأمر الصادر في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1994، تلقى كاتب المحكمة المذكرة الإضافية للحكومة بتاريخ 05 كانون الثاني/يناير 1995، وأعلمتها أمانة اللجنة بأن المندوب له أن يبدي ملاحظاته حولها شفويا في الجلسة.
6- بتاريخ 26 كانون الثاني/يناير 1995، قررت الغرفة التخلي عن الاختصاص لصالح الغرفة الكبرى بأثر فوري (المادة 51 من النظام الداخلي أ). يعتبر كل من الرئيس ونائب الرئيس، والسيد برنارد الجالس للحكم والذي هو أصلا قاض وطني، فضلا عن بقية أعضاء الغرفة، وبقوة القانون، أعضاءً في الغرفة الكبرى. وقام الرئيس بالاختيار عن طريق القرعة، في 27 كانون الثاني/يناير، أسماء القضاة العشرة المتبقين، وهم: م. ف. جولشيكلي، ر. ماكدونالد، ج، سبيلمان، ج. دي أيار/مايوي، السيدة. أ. فواجيل، أ. ن. لوازو، م. ف. بيجي، م. أ. لوبيز روشا، د. قوتشاف، ب. كوريس، بحضور كاتب المحكمة (المادة 51 فقرة 2 أ، ب، ج). لاحقا السيدة أ. بلام عوضت السيد بيجي، الذي لم يتمكن مواصلة القضية.
7- وقرر الرئيس أيضا، السماح لممثل الحكومة بالمرافعة باللغة الألمانية (المادة 27 فقرة 2 من النظام الداخلي أ)، وبتاريخ 22 شباط/فبراير 1995 أعلن عن فتح باب المرافعات العلنية في قصر حقوق الانسان بستراسبورغ. وكانت المحكمة قبل ذلك قد عقدت اجتماعا تحضيريا مسبقا.
وقد مثـل أمام المحكمة:
- بالنسبة للحكومة:
السيد أيار/مايور لدويغ، وزير العدل الفيدرالي، ممثلا للدولة،
هـ. وورم، وزير الداخلي الفيديرالي، مستشارا،
ب. فورهارم، وزير الثقافة، مستشارا،
- بالنسبة للجنة:
السيد. س. تريشسال، مندوبا،
- بالنسبة للمدعية:
موس ك. دامات، محام،
ب. بيكر، محام،
و. جاكال، محام،
وقد استمعت المحكمة لتصريحات كل من السادة تريشسال، بيكر، جاكال، دامان، والسيد أيار/مايوير لدويغ، وردودهم حول النزاع.
الوقـائع
أولا- ملابسات وظروف القضية
8- السيدة دوريثيا فوغت من مواليد عام 1949 من جنسية ألمانية. وهي تقطن في محافظة ساكسونيا السفلى.
9- بعد ست سنوات من دراساتها للآداب واللسانيات في جامعة ماربورغ أصبحت عضوا في الحزب الشيوعي الألماني (Deutsche Kommunistische Partei -"DKP")، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1975 اجتازت امتحانا للتدريس في التعليم الثانوي. من 1976 إلى 1977 آذار/مارست تدريبا مهنيا تحضيريا للالتحاق بمهنة التدريس في منطقة فولدا، بمحافظة الهيس. في حزيران/يونيو 1977، اجتازت الامتحان الرسمي الثاني للحصول على درجة أستاذ التعليم الثانوي العالي. وأصبحت منذ 1 آب/أغسطس 1977، تحوز منصب الأستاذية، كموظفة تحت الاختبار في ثانوية عامة بمدينة جيفر. في 1 شباط/فبراير 1979، وقبل انتهاء فترة الاختبار، تم ترسيمها نهائيا في المنصب.
10- السيدة فوغت تُدرِس الألمانية والفرنسية. وبموجب تقرير تقييمي حرر لها في آذار/مارس 1981 وصف قدراتها التعليمية بأنها مرضية، وأنها كفء للمنصب، وتحظى بقبول كبير لدى تلاميذها وأوليائهم وأصدقائهم.
أ- الإجـراءات التأديبية
1- أمام المجلـس الإقليمي ويزر-آمس
11- بعد تحقيق ابتدائي، قرر المجلس الاقليمي بــ ويزر-آمس بتاريخ 13 تموز/يوليو 1982 اتخاذ أجراء تأديبي ضد المدعية بسبب إخلالها بالتزام الحياد بموجب الدستور (الحياد السياسي) الذي تخضع له بسبب وظيفتها طبقا للمادة 61 فقرة 2 من قانون التوظيف العمومي لمقاطعة ساكسونيا السفلى. فهي تشارك في الانشطة السياسية المحلية منذ خريف العام 1980، وترشحت سنة 1982 في الانتخابات المحلية لبرلمان مقاطعة ساكسونيا.
12- وقد عدد "قرار الاتهام" في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1983، المتخذ في إطار الاجراءات التأديبية، أحد عشر نشاطا سياسيا عموميا للسيدة فوغت لصالح الحزب الشيوعي، كتوزيع المنشورات، تمثيل الحزب الشيوعي في التظاهرات السياسية، توليها منصب إطار سام في الحزب، وترشحها للانتخابات الفيديرالية لــ 6 آذار/مارس 1983.
13- في 15 تموز/يوليو 1985، تم توقيف الإجراءات التأديبية ضد المدعية، لأجل توسيع نطاق التحقيقات حول نشاطاتها السياسية الأخرى.
14- بموجب "قرار إتهام" تكميلي مـؤرخ في 5 شباط/فبراير 1986 اتهمت السيدة فوغت أيضا بالإخلال بالتزاماتها المهنية:
أ) كونها عضوا في اللجنة التنفيذية للحزب الشيوعي لمقاطعة بريم شمال منطقة ساكسونيا السفلى، وهذا منذ نهاية العام 1983؛
ب) لأنها شاركت وتناولت الكلمة في مؤتمر الحزب الشيوعي السابع من 6 إلى 8 كانون الثاني/يناير 1984 في نومبورغ بصفتها رئيسة للفرع المحلي للحزب(Kreisvorsitzende) الموجود فــــي فيلهامسهافن/ فريزلند.
15- وبعد قرار جديد، تم توقيف الاجراءات مرة أخرى بتاريخ 23 حزيران/يونيو 1986، وفي 2 كانون الأول/ديسمبر 1986 صدر قرار إتهام تكميلي إضافي، والذي عدد أربعة نشاطات سياسية أخرى اعتبرت غير متوافقة مع صفة "الموظف" التي تتمتع بها المدعية وهي:
أ) ترشحها لصالح الحزب الشيوعي في الانتخابات البرلمانية لمقاطعة ساكسونيا السفلى بتاريخ 15 حزيران/يونيو 1986؛
ب) استمرار بقائها كعضو في "اللجنة التنفيذية" للحزب الشيوعي، لبريم في مقاطعة ساكسونيا السفلى الشمالية؛
ج) استمرار بقائها بصفة رئيسة للفرع المحلي للحزب الشيوعي المتواجد في فيلهامسهافن/ فريزلند؛ و
د) مشاركتها في مؤتمر الحزب الشيوعي بهامبورغ من 2 إلى 4 أيار/مايو 1986 بصفتها ممثلة للحزب.
16- بموجب أمر صدر بتاريخ 12 آب/أغسطس 1986، أخطر المجلس الاقليمي بـ ويزر-آمس المدعية بأنه قد تم توقيفها عن مهامها، بشكل مؤقت، وأشار القرار على وجه الخصوص إلى:
"أنه ونظرا لانتهاك المعنية، عمدا، لواجب الحياد المنصوص عليها دستوريا، ولمدة طويلة، على الرغم من علمها بالالتزام القانوني لمهنتها، ونظرا لسوابقها القضائية التأديبية، فان ذلك يشكل إخلالا خطيرا بالتزاماتها المهنية كموظفة معينة لمدى الحياة. فالموظف في مساره المهني يقوم على علاقة ثقة خاصة مع الدولة، وبقسمه، فهو يجدده التزامه وعزمه على الدفاع عن القانون والحرية، وانتهاك أسس هذه الثقة لا يسمح باستمرار علاقة العمل، حين يساند حزبا له أهداف متنافية مع الدستور الليبيرالي والديمقراطي. وهذا هو الحال في النزاع الحالي".
17- منذ تشرين الأول/أكتوبر 1986، السيدة فوغت لم تعد تتلقى سوى 60% من مرتبها.
2- أمام الغرفة التأديبية للمحكمة الإدارية لأولـدنبـورغ.
18- أمام الغرفة التأديبية للمحكمة الادارية في أولدنبورغ، تمسكت المدعية، والعضو في الحزب الشيوعي منذ 1972، بأن سلوكها هذا لا يعد تقصيرا منها في التزاماتها. وبعضويتها في هذا الحزب وتمثيلها له فهي تمارس حقها في النشاط السياسي كأي مواطن آخر ضمن إطار الشرعية وفي حدود الدستور. ودفعت بأن نشاطها السياسي هو لصالح السلام في الجمهورية الفيديرالية الالمانية داخليا، و محاربة الفاشية الجديدة خارجيا، وهو ما لا يمكن أن يعد بمثابة تصرف غير دستوري. ولم يثبت بأن مشاركتها في تكوين الرأي العام السياسي في جمهورية المانيا الفيديرالية والانخراط الحزبي غير دستوري. أخيرا، وبموجب تقرير للجنة التحقيق للمكتب الدولي للعمل، في كانون الثاني/يناير 1987، فاتخاذ الإجراءات التأديبية ضد الموظفين بسبب توجهاتهم السياسية أو نشاطهم السياسي في حزب لم يتم التصريح بحظره، يخرق الاتفاقية رقم 111 لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بالتمييز في العمل وبين المهن. وينتهك كذلك المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
19- في حكم 15 تشرين الأول/أكتوبر 1987، رفضت الغرفة التأديبية طلب المعنية المتعلق بتوقيف الإجراءات و سماع الشهود. وأسقطت الغرفة التأديبية "بعض الاعباء" الواقعة على عاتق السيدة فوغت باستثناء تلك المتعلقة بانخراطها في حزب سياسي، وعضويتها في اللجنة التنفيذية للفرع المحلي بريم في ساكسونية السفلى الشمالية، ورئاستها للحزب الشيوعي في فيلهامسهافن/ فريزلند وكذا ترشحها للانتخابات البرلمانية في 15 حزيران/يونيو 1986.
20- ومن حيث الموضوع، اعتبرت الغرفة التأديبية أن المدعية قد أخلت بواجب الحياد السياسي وأمرت بفصلها كعقوبة تأديبيـة. وتم منحها 75 % من حقوقها في منحة معاش تدفع لها لمدة ستة أشهر.
اعتبرت الغرفة أنه لا الاتفاقية رقم 111 لمنظمة العمل الدولية ولا التوصيات الواردة في تقرير لجنة التحقيق لــ 20 شباط/فبراير 1987 تمنع من اتخاذ إجراءات تأديبية ضد المدعية.
واعتبرت أن انضمام موظف لحزب له أهداف غير دستورية يتنافى مع واجب الحياد السياسي. فالحزب الشيوعي أعلن صراحة في برنامج مانهيم في 21 تشرين الأول/أكتوبر 1978 (أنظر الفقرة 22 أدناه)، توجهاته المعارضة للنظام الاساسي الليبيرالي والديمقراطي لجمهورية ألمانيا الفيديرالية. كما أن عدم دستورية توجهات حزب ما يمكن ان تستنتج بصرف النظر عن حظره من طرف المجلس الدستوري الفيديرالي من عدمه، طبقا للمادة 21 فقرة 2 من القانون الأساسي. (أنظر الفقرة 25 أدناه). وهكذا، وبمشاركتها النشطة في الحزب الشيوعي، تكون المدعية قد عبرت بوضوح عن أهدافها و توجهاتها المناقضة للدستور.
وأضافت الغرفة التأديبية أن الحظر المنصوص عليه بالمادة 48 فقرة 2، الجملة الأولى، من القانون الأساسي (الفقرة 25 أدناه)، التي تمنع أيا كان من منع الغير من تولي عهدة البرلمانية، لا يمكن أن تبرر ترشح المعنية لصالح الحزب الشيوعي في الانتخابات الاقليمية: فهذا المنع لا يعني الإجراءات والمتابعات التأديبية التي هي، في أصلها، لها أهداف مختلفة، لا تقيد، إلا بطريقة غير مباشرة وغير متجنبة، الحرية في نيل أو الوصول إلى عهدة برلمانية.
يعتبر واجب الحياد السياسي، الذي يقيد الحقوق الاساسية للموظفين، من المبادئ العريقة المتأصلة في قانون الوظيف العمومي، والذي له قيمة دستورية بموجب المادة 33 فقرة 5 من القانون الاساسي (أنظر الفقرة 25 أدناه). وهو بذلك يكتسب قيمة تسمو الأحكام التي تضمنتها الصكوك الدولية، كالاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان.
مع ذلك، قامت المعنية بممارسة نشاطاتها السياسية، رغم علمها بالسوابق القضائية المستقرة على اعتبار الانضمام للأحزاب السياسية متنافيا مع واجب الحياد السياسي. ثم صدر بعد ذلك قرار المجلس التأديبي لساكسونيا السفلى في 24 حزيران/يونيو 1985، والمنشور في الجريدة الرسمية للتعليم، والذي بلغت به المدعية شخصيا، كل هذا يثبت يقينا علمها بأن تمارس سلوكها بشكل خاطئ. وبالنتيجة فالسيدة فوغت يجب أن تفصل لأنها خانت علاقة الثقة التي تربطها بمستخدمها. وعبر جميع مراحل الاجراءات التأديبية، كانت تصر على أنها ستستمر في نشاطاتها السياسية ضمن الحزب الشيوعي رغم ما تلقته من تحذيرات. أما قولها بأنها تؤدي عملها بشكل مرض منذ سنوات وقد نال قبول التلاميذ وأوليائهم فهو، وإن كان صحيحا، غير أنه لا محل له في قضية الحال.
أخيرا، أمرت الغرفة التأديبية بدفع مبلغ يقدر بــ 75% من حقوق المعاش للسيدة فوغت ولمدة 6 أشهر. وصرحت أنه على الرغم من إخلالها بواجب الحياد فالسيدة فوغت كانت تقوم بوظائفها بكل حماس وهي تحتاج لحمايتها ماليا وبشكل فوري.
3- أمام المجلس التأديبي لساكسونيا السفلـى
21- بتاريخ 18 آذار/مارس 1988، تقدمت المدعية بطعن عن طريق الاستئناف ضد الحكم أمام المجلس التأديبي لساكسونيا السفلى، متمسكة بسابق دفوعها. (الفقرة 18 أعلاه).
22- بموجب قرار صادر في 31 تشرين الأول/أكتوبر 1989، رفض مجلس الاستئناف الطعن، وأيد قرار المحكمة الإدارية في جميع النواحي التي قضى بها.
وأكد أن المدعية بانضمامها للحزب الشيوعي تكون قد أخلت بواجب الحياد السياسي الذي تخضع له بموجب المادة 33 فقرة 5 من القانون الأساسي مقترنة بالمادة 61 فقرة 2 من قانون الوظيف العمومي لساكسونيا السفلى. وبموجب هذه الاحكام، فالموظف يجب عليه دائما أن يتمسك ويدافع عن النظام الليبيرالي والديمقراطي، بمفهوم الدستور. ويجب أن يحيد بنفسه عن كل هذه الجماعات التي تهاجم الدولة ومؤسساتها الدستورية والنظام الدستوري القائم. والمدعية عبر نشاطها السياسي والحزبي هذا لم تستجب لهذه الالتزامات. فالتوجهات السياسية لحزبها غير متوافقة مع النظام القائم.
إن عدم نطق المجلس الدستوري بحظر الحزب لا يمنع المحاكم الأخرى من معاينة عدم الدستورية، وهذا ما فعلته المحكمة الادارية الفيديرالية، وكذلك فعل المجلس التأديبي، وبشكل مقنع، في قراراته تاريخ 1 شباط/فبراير 1989 و20 تموز/يوليو 1989. إن تحليل برنامج مانهيم، الذي لازال ساري المفعول، و المعد من طرف كل ميس وجرنس في كتابهما المعنون بـ: منهج و أهداف الحزب الشيوعي، يكشف أن المبادئ التي وضعها ماركس وإنجلز ولينين تشكل دائما النهج الموجه للحزب، وتهدف دائما لإنشاء نظام مماثل لذلك الذي كان متواجدا في الدول الشيوعية منذ 1980.
إن واجب الحياد السياسي ليس محدودا بموجب المادة 48 فقرة 2 من القانون الدستوري والاحكام القانونية ذات الصلة بمقاطعة ساكسونيا السفلى والمتعلقة بحماية العهدة البرلمانية، فهذه النصوص لا تنطبق على الموانع المترتبة عن الإجراءات التأديبية.
وأضاف المجلس، أن تمسك المدعية بأحكام المادة 5 فقرة 1 من الدستور، التي تضمن الحق في حرية التعبير، لا تتعلق بموضوع النزاع، وهذا لأن الأحكام التي تنظم الوظيفة العمومية قد أشار إليها الدستور في المادة 33 فقرة 5 منه (أنظر الفقرة 25 أدناه).
وهكذا، قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان ذاتها بأن قرارات السلطة المختصة المتعلقة بالدخول للوظيفة العمومية لا تشكل تدخلا في حرية التعبير. ونفس التحليل يجب تطبيقه على حالة الموظف المرسم (المثبت) فعليا.
السيدة فوغت سلكت سلوكا منافيا للقانون. ومارست مهاما ووظائف سياسية عليا في الحزب الشيوعي، وهي تعرف جيدا أهدافه غير دستورية وأنه يتعين نتيجة لذلك أن تعتبر هي نفسها معادية للدستور، رغم انه أعلنت تعلقها بالدستور، فلا يمكن في الوقت ذاته التمسك بنظامين مختلفين.
وعلى الرغم من أن المدعية تبحث عن تحقيق أهداف قصيرة المدى في حزبها كمكافحة البطالة، ودعــم سياسة العمل لصالح السلام والقضاء على ما يسمى (حظر ممارسة مهن متعددة Berufsverbote)، فهذا لا يعني أن سلوكها لا يحمل طابع الخطأ. فلئن كان الحزب الشيوعي الذي تنتمي إليه المدعية لا يتبنى فقط أهدافا غير دستورية بل هناك البعض منها يعد متوافقا مع الدستور. غير أن الموظف لا يمكنه، تحقيقا لأهدافه السياسية، أن يقدم خدمات لحزب له توجهات غير دستورية، ليسهل وصوله إلى السلطة. وقد أشار مجلس الاستئناف إلى الحيثيات التالية من قرار المحكمة الإدارية الفيديرالية المؤرخ في 20 كانون الثاني/يناير 1987، لاقتناعه بأنه يحمل نفس منطق وقائع قضية الحال:
"صحيح أنه من الممكن تقبل وجهة نظر المحكمة التأديبية الفيديرالية، بأن الموظف لم يرغب في تغيير النظام الحكومي للجمهورية الفيديرالية الألمانية باللجوء لاستعمال العنف، وأنه لا يوجد هنا تصريح "بشكل مجرد". فمن الممكن أيضا القبول بأن الموظف أبدى رغبته في سد الفجوة الموجودة بين المبادئ التي يضعها الدستور والواقع العملي للجمهورية الألمانية وأنه يسعى بحق لبناء مجتمع أكثر عدلا خصوصا في المجال الاقتصادي. ومع ذلك، وخلافا لرأي المحكمة التأديبية الفيديرالية، فهذا لا يسمح له بأن يظهر في نشاط سياسي للحزب الشيوعي ويصرح بسعيه لتحقيق نظام سياسي أكثر مثالية. وهذا ما يؤدي للشك بأن فكرة الدستور التي أعلن عنها من طرف الموظف تعكس بحق المبادئ المنصوص عليها في القانون الاساسي. وليس هذا مقام الاجابة عن ذلك. وفي قراره القاضي بحظر الحزب الشيوعي القديم، صرح المجلس الدستوري الفيديرالي بعدم توافقية توجهات هذا الحزب مع النظام الاساسي الليبيرالي والديمقراطي، ولا يقتصر ذلك على "تقنيات ومناهج الصراع" للحزب الشيوعي فقط ولكن أيضا على مختلف المراحل المؤدية لتحقيق هدفه النهائي وهو "الحكم الاشتراكي" من خلال ثورة البروليتارية سواء عبر الوسائل السلمية أو العنيفة وانتصار الطبقات الكادحة (...). وأكد أن الدعاية المكثفة والتحريض على إقامة نظام سياسي - وإن لم يكن ليتحقق في وقت قريب - يتعارض صراحة مع النظام الليبيرالي الديمقراطي (...). وهكذا صرح المجلس الدستوري الفيديرالي دون تردد بتعارض المراحل الانتقالية، غير محددة الاجل، والتي كان الحزب يرمي لتجسيدها من خلال الدعاية المكثفة والاضطرابات المستمرة، مع النظام الليبيرالي الديمقراطي (BVerwGE 47، ص. ص 365 و 374). ومن هنا، وخلافا لما ذهب إليه المجلس التأديبي الفيديرالي، فتصريح الموظف بأنه لا ينوي تغيير النظام الفيديرالي الالماني باستخدام العنف، وهو التصريح الذي يتوافق مع تصريحات كثيرة لحزبه، ليس له أي قيمة قانونية (BVerwGE 76، ص.157)".
ومن جهة أخرى اعتبر المجلس، التزام المدعية بالسعي لتغيير توجهات الحزب الشيوعي لا يبرئها. فالواقع، أن الموظفين يقع على عاتقهم التزام بالحياد السياسي يمنعهم أصلا من الانتساب لأحزاب سياسية تهاجم وتطعن في الدولة وفي النظام السياسي القائم. وموقف الموظف الذي، وإن كان يسعى داخليا لتخلي حزبه عن أهدافه المعارضة للدستور، فانه موقفه الخارجي في نشاطاته السياسية، كان يدعم مطلقا ودون قيود، البرنامج السياسي للحزب، مما يجعله متعارضا مع التزاماته. فضلا على أن هذا الحزب ومنذ ومن طويل لم يتخلى عن أهدافه غير - الدستورية، وبذلك فواجب الحياد السياسي يحظر على الموظف النشاط في دواليبه. ويبقى هذا المبدأ صالحا للتطبيق حتى ولو كانت نية الموظف تقريب حزبه من القيم الديمقراطية. علاوة على ذلك، فالمدعية قد صرحت خلال سير الإجراءات التأديبية، وبصفة مطلقة، تأييدها لأهداف الحزب على النحو الوارد في برنامج مانهايم.
هذا، وكما ذهبت إلى ذلك المحكمة الإدارية، عاين المجلس أن السيدة فوغت قد انتهكت التزاماتها المهنية: بمعرفتها لسابق الاجتهاد القضائي الذي يحكم المسالة، ولرأي رؤسائها الإداريين، وبرغم ذلك لم تكترث وواصلت نشاطها في الحزب. وبذلك، ففصلها من وظيفتها مبرر قانونا، لأن الموظف الذي يصر على الإخلال بالتزاماته يعد غير قابل للإصلاح (unbelehrbar)، وبالتالي لم يعد قادرا على واجب خدمة الدولة، الذي يتأسس على ولاء أعوانها للدستور. وأضاف المجلس، أنه وبالنسبة لمعلمة في المرحلة الثانوية، فإن الإخلال بالتزام الحياد كان خطيرا، لكونها مكلفة بتدريس الاطفال الذين هم في عهدتها و تلقينهم لمبادئ الدستور وقيمه. كما أن الآباء الذين، وبسبب التعليم الإلزامي، قد أرسلوا أبنائهم للمدارس العمومية، ينتظرون من الدولة توظيف أساتذة يؤيدون دون تحفظ النظام الليبيرالي والديمقراطي. والدولة ملزمة بفصل الأساتذة الذين ينتمون أو ينشطون في منظمات غير دستورية.
وأضافت المحكمة، أن تغييرا جذريا في سلوك الموظف - لو حدث - كان من الممكن أن يؤثر في تقدير مدى جسامة الخطأ المنسوب إليه. ومع ذلك، وعبر مسار كل الإجراءات التأديبية، فالمدعية كانت بعيدة كل البعد عن تخفيض نشاطها الحزبي، بل بالعكس، قامت بتكثيفه. وقد تم عقابها بجزاء تأديبي بسيط لعلها تتخلى عن أنشطتها السياسية تلك، لكن ذلك باء بالفشل. وهذا ما يجعل من بقائها في الوظيفة العمومية مستحيلا، وأصبح طردها من الوظيفة لا مفر منه. ومسألة ممارستها الجدية لمهنة التدريس لا تغير في الأمر شيئا، لأن أساس الثقة المستوجب لمواصلة مهامها كموظفة، أصبح مفقودا.
ب- الإجراءات أمام المجلس الدستوري الفيديرالي
23- بتاريخ 22 كانون الأول/ديسمبر 1989، قامت المدعية بإخطار المجلس الدستوري الفيديرالي بموجب طعن دستوري.
وفصلا في الطعن، بتشكيلة من ثلاثة قضاة، قرر المجلس في 7 آب/أغسطس 1990 عدم قبول الطعن؛ لخلوه من أي أفق نجاح ممكن.
وحسب المجلس الدستوري، فتحليل الجهات القضائية المختصة يستند على قناعتهم بأن المدعية بعضويتها في الحزب ودورها الفاعل فيه، تكون قد أخلت بالتزاماتها الوظيفية؛ وأن هذه النتيجة مؤسسة قانونا، وخالية من كل تعسف. فبعد اقتتاح الإجراءات التأديبية، صرحت السيدة فوغت نفسها بأنه لا يوجد أي نقطة أو فرع أو جزء في برنامج الحزب هي لا توافق عليه، و بالتالي فهي تؤيد برنامج الحزب بشكل مطلق وغير مشروط و توافق على أهدافه المعلن عنها في برنامج مانهايم.
إن عدم دستورية أهداف هذا الحزب تمت معاينته بكل مشروعية من طرف المحاكم التأديبية بشكل منفصل عن أحكام المادة 21 فقرة 1 من القانون الأساسي. ونظرا للعناد الحاد الذي أبدته السيدة فوغت وتمسكها بخرق واجب الحياد السياسي، فالمحاكم التأديبية أصابت صحيح القانون بتقديرها أن أساس الثقة الضروري لاستمرار نشاط الموظف، تفتقر إليه السيدة فوغت، رغم ما صرحت به من توجهها الجديد في الحزب ومن ممارستها لوظيفة التعليم بشكل جيد. وهكذا، ففصل الموظفة المدعية جاء مطابقا لمبدأ التناسب، من وجهة نظر القانون الدستوري. وبالتالي فلا وجود لخرق لأحكام المادة 33 فقرة 2 ، و3 و5 من القانون الأساسي.
ج- التطورات اللاحقة
24- من سنة 1987 إلى 1991 عملت المدعية ككاتبة درامية وأستاذة في الفنون في المسرح الإقليمي لمقاطعة ساكسونيا السفلى شمال فيلهالمشيفن.
ومنذ 1 شباط/فبراير 1991، أعيد إدراجها في وظيفة الأستاذية على مستوى مديرية التعليم لمقاطعة ساكسونيا السفلى. وكانت حكومة تلك المنطقة قد ألغت المرسوم المتعلق بتوظيف المتطرفين في الوظيف العمومي، وراسلت المصالح المختصة بلوائح خاصة للتعامل مع ملفات "قضايا سابقة" (أنظر الفقرة 33 أدناه).
ثانيا: القوانين المحلية ذات الصلة
أ- الدستور (القانون الأساسي)
25- البنود القانونية الآتي ذكرها تتعلق بموضوع النزاع الحالي:
المادة 5
"(1) لكل شخص الحق في حرية التعبير ونشر آرائه بالقول أو الكتابة أو الصورة وبحرية الحصول على المعلومة من مصادر يمكن الوصول إليها بشكل عام. حرية الصحافة و حرية الإعلام السمعي والبصري والسنيمائي، تضمنها الدولة. ولا تخضع لأي رقابة.
(2) تخضع هذه الحقوق للقيود التي تضعها القوانين العامة والأحكام القانونية المتعلقة بحماية القصر والالتزام باحترام شرف واعتبار الأشخاص.
(3) حرية الفن والعلم والبحث والتعليم مضمونة. ولا تعفي هذه الحرية المواطنين من واجبهم بالولاء للدستور".
المادة 21
"(1) يجوز للأحزاب السياسية المشاركة في تكوين الإرادة السياسية للشعب، وتأسيس الأحزاب حــــر. التنظيم الداخلي للأحزاب يجب أن يكون متوافقا مع مبادئ الديمقراطية. ويجب أن يقدموا كشوفات حسابية عامة عن أصولهم ومداخيلهم ونفقاتهم.
(2) تعتبر الأحزاب التي تسعى من خلال أهدافها أو سلوكيات أعضائها إلى تقويض النظام الدستوري الليبيرالي والديمقراطي أو تعرض وجود الجمهورية الالمانية الاتحادية للخطر، غير دستورية. يفصل المجلس الدستوري الفيديرالي بشأن هذه المسألة الدستورية.
(3) يخضع تطبيق هذه المبادئ، لقوانيـن فيديـرالية".
المادة 33
"(...)
(2) لكل الألمان الحق في تقلد الوظائف العامة، حسب قدراتهم، مهاراتهم ومؤهلاتهم المهنية.
(3) التمتع بالحقوق المدنية والسياسية، وتقلد الوظائف العامة والحقوق المكتسبة فيها مستقل عن التوجهات الدينية. ولا يمكن أن يضار شخص بسبب "إيمانه" أو "عدم إيمانه" أو بسبب "أيديولوجيته" (أو مفاهيمه الفلسفية للعالم).
(..)
(4) يجب أن ينظم حق تقلد الوظائف العمومية في إطار المبادئ التقليدية للوظيفة العامة".
المادة 48 فقرة 2
"لا يجوز حرمان أي شخص من تولي عهدة برلمانية أو من أداء الواجبات المترتبة عليها. ولا يجوز إنهاء عقد عمل أو رفض أي شخص من العمل بناء على هذا السبب".
ب- تشريعات الوظيفة العمومية
26- بموجب المادة 7 فقرة 1، السطر 2، من القانون المتعلق بالموظفين الاتحاديين والمادة 14 فقرة 1، سطر1، من القانون الإطار لموظفي المقاطعات فإنه لا يوظف "إلا الأشخاص الذين يضمنون، بإخلاص، الحفاظ على النظام الدستوري الديمقراطي بالمعنى المقصود في القانون الأساسي".
27- ووفقا للمادة 52، فقرة 2، من القانون المتعلق بالموظفين الفيديراليين، والمادة 35 فقرة 1، الجملة الثالثة، من القانون الإطار لموظفي المقاطعات فـ "يتعين على موظف الخدمة العمومية أن يكون سلوكه مؤيدا للنظام الدستوري الديمقراطي الحر بالمعنى الوارد في الدستور و أن يحافظ عليه".
28- وقد أدرجت هذه الأحكام في قوانين المقاطعات المتعلقة بالوظيفة العامة و خاصة المادة 61 فقرة 1 من قانون الوظيف العمومي لمقاطعة ساكسونيا السفلى التي تنص على أنه "يتعين على كل موظف، في كل سلوكياته، أن يحافظ مخلصا على النظام الدستوري الديمقراطي الحر وفقا للمعنى الوارد في القانون الأساسي و أن يسعى للدفاع عنه".
29- ويتضمن القانون التأديبي لمقاطعة ساكسونيا السفلى الأحكام التالية، ذات الصلة بالقضية:
المادة 2 فقرة 1
"يمكن أن يتابع بموجب أحكام هذا القانون:
(1) الموظف الذي يخل بواجباته المهنية والذي يتمتع بصفة الموظف (...)"
المادة 5 فقرة 1
"الإجراءات التأديبية هي: (...) الفصل أو العزل (...)"
المادة 11 فقرة1
"يترتب عن الفضل من الوظيفة فقدان الحق في الراتب والحق في المنح (...)".
ج- المرسوم المتعلق بتوظيف المتطرفين
30- بتاريخ 28 كانون الثاني/يناير 1972، قرر المستشار الفيديرالي والوزراء رؤساء المقاطعات تبني مرسوم يتعلق بتوظيف المتطرفين في الوظيف العمومي. (النشرة الحكومية للجمهورية الفيديرالية لألمانيا رقم 15 لــ 3 شباط/فبراير 1972، ص 142) الذي كرس واجب ولاء الموظفين للنظام الأساسي الليبيرالي الديمقراطي وحدد ما يلي:
"إن عضوية الموظفين العامين في الأحزاب أو المنظمات التي تعارض النظام الدستوري - وكل مساعدة لتلك الأطراف أو المنظمات - يؤدي (...) عموما لمنازعة في الحياد. وفي حالة ثبوت إخلال بالالتزام المهني فيعود للمستخدم اتخاذ التدابير اللازمة لكل حالة".
31- ولغرض تطبيق هذا المرسوم، اتخذت حكومة مقاطعة ساكسونيا السفلى قرارات أبرزها ذلك المؤرخ في 10 تموز/يوليو 1972 المتضمن أحكام تتعلق "بالنشاط السياسي للمترشحين للوظائف العامة أو الموظفين، والموجه ضد النظام الأساسي الليبيرالي الديمقراطي".
32- اعتمدت العديد من التنظيمات المماثلة في كل المقاطعات. ومع ذلك، ومنذ 1979 لم يطبق أي منها أو كانت قد طبقت بشكل سطحي؛ بل وألغيت في بعض المقاطعات.
في عام 1990، وفي إطار اتفاق الائتلاف على تشكيل حكومة جديدة لمقاطعة ساكسونيا السفلى، ألغى الحزب العمالي الديمقراطي والاحزاب "الخضراء" المرسوم المتعلق بعمل المتطرفين في الوظائف العمومية، وهو الإلغاء الذي تجسد بقرار وزاري مؤرخ في 26 حزيران/يونيو 1990.
33- بتاريخ 28 آب/أغسطس 1990، اتخذت حكومة المقاطعة العديد من التدابير قصد معالجة ملفات "القضايا السابقة"، بمعنى تلك المتعلقة بحالات الاشخاص الذين تم إقصائهم من الوظيفة العمومية أو لم يتم قبولهم فيها بسبب نشاطهم السياسي. هذا القرار فتح الإمكانية للمستخدمين المفصولين تبعا لإجراءات تأديبية والذين لازالون يستوفون إجراءات التوظيف والتأهيل، بإعادة إدراجهم في مناصب عملهم، كما هو مبين في الحالة المتعلقة بالنزاع الحالي (انظر الفقرة 24 أعلاه) دون أن يكون لهم الحق في التمتع في التعويض أو في الرواتب المتأخرة.
د- الاجتهاد القضائي في مادة الوظيف العمومي
34- في قرار مبدئي شهير صدر في 22 أيار/مايو 1975، حدد المجلس الدستوري الفيديرالي واجب ولاء الموظفين الألمان للدولة ودستورها كما يلي:
"(...)
إن "الدولة-المسيرة" الحديثة لها مهام متنوعة ومعقدة. و يجب لكي تتم بطريقة مناسبة وفعالة وسريعة أن ترتبط بسير النظام السياسي والاجتماعي مع فتح الامكانية للجماعات والأقليات ولكل فرد أن يمتع بحياة كريمة. ولتوفير هذا الحق ينغي الاعتماد على هيئة مستخدمين عموميين نزهاء، مخلصين وأوفياء لواجباتهم، ومكرسين ذواتهم للدولة و لدستورها. ولم يعد من الممكن مطلقا الاعتماد على موظفين لا يمكن للدولة ولا للمجتمع الاعتماد عليهم، لا سيما في الحالات الحرجة.
(...)
ويجب التذكير هنا، بأن واجب الحياد السياسي يشكل النواة الأساسية لالتزام الولاء للموظف العام. وهذا لا يعني التزاما بمحاكاة أهداف أو سياسات معينة للحكومة، بل يعني ذلك واجب الاستعداد الدائم لمحاكاة فكرة الدولة التي يتعين دائما على الموظف خدمتها، في ظل نظام ليبيرالي ديمقراطي قائم على سيادة القانون و العدالة الاجتماعية.
(...)
ولا يمكن للدولة والمجتمع الاستفادة من موظفين لا يمارسون النقد. ولكن، يجب على الموظفين الولاء للدولة مطلقا - أيا كانت عيوبها - وللنظام الدستوري القائم، وأن يقوموا بحياد تام، وأن يعملوا بهذا الاعتقاد.
(...)
إن واجب الولاء السياسي - تجاه الدولة والدستور - يتطلب ليس فقط موقفا ظاهريا صحيحا، ولكن أكثر من ذلك ترك اللامبالاة و البرودة و البعد الصميمي عن الدولة و الدستور؛ وهو ما يعني أنه يجب على الموظف أن ينـأ بنفسه بشكل لا لبس فيه عن كل التجمعات و التيارات التي تهاجم أو تحارب أو تشوه الدولة أو مؤسساتها أو نظامها الدستوري القائم.
(...)
إن واجب الولاء الذي يخضع له الموظف ينطبق على كل أشكال التوظيف في الخدمة العمومية؛ سواء أكانت مفتوحة أو محددة المدة، على أساس الاختبار، بشكل قابل للرجوع فيه أو بشكل دائم. أيا كانت صيغة هذا التوظيف، فلا مجال للتمييز في الخضوع لهذا الواجب بين طبيعة هذه الوظائف التي يستدعى الموظف لممارستها.
(...)
إن عدم تصريح المجلس الدستوري الفيديرالي بعدم دستورية حزب ما، لا يعني أنه يقر - ويدافع عن قناعاته - فالحزب الذي يسعى لأهداف غير دستورية، يتعين مكافحته على الميدان السياسي. فالحزب الذي يدعو - مثلا - في برنامجه إلى ديكتاتورية البروليتاريا (سيادة الطبقة العاملة) ويسمح باللجوء إلى العنف لغرض الإطاحة بالنظام الدستوري، متى كانت الظروف مواتية لذلك، لا شك أن أهدافه هذه تعتبر غير دستورية (...).
(...)"
35- وبموجب قرارات صدرت في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1981 و10 أيار/مايو 1984، اعتبرت المحكمة الإدارية الفيديرالية بأن الموظف الذي ينشط بفعالية ضمن الحزب الشيوعي، وذلك بشغله مثلا منصبا في الحزب أو ظهوره كمرشح رسمي له في الانتخابات، يخرق واجب الحياد السياسي، كونه يعرف، بالضرورة، الأهداف غير الدستورية لذلك الحزب. وبنفس المنطق، ذهب إلى ذلك قــرار 20 كانون الثاني/يناير 1987 (الفقرة 22 أعلاه).
هـ - تقرير لجنة التحقيق التابعة لمكتب العمل الدولي
36- في تقريرها المؤرخ في 20 شباط/فبراير 1987، قررت أغلبية أعضاء لجنة التحقيق التابعة لمكتب العمل الدولي في خلاصتها: "أن مجمل التدابير المتخذة من طرف جمهورية ألمانيا الفيديرالية لتطبيق واجب الوفاء للنظام الأساسي الديمقراطي والليبيرالي خرجت عن إطار القيود المسموح بها بموجب المادة 1 فقرة 2 من الاتفاقية رقم 111 (المتعلقة بالتمييز في مادة العمل والمهن)". كما قدمت اللجنة العديد من التوصيات.
وفي ردها على هذا التقريـر، ذهبت الحكومة الالمانية إلى أن هذه التدابير المتخذة لضمان ولاء الوظيف العمومي للدستور لا تتعارض مع أحكام الاتفاقية رقم 111، وبأن التوصيات التي قدمتها لجنة التحقيق غير ملزمة لدولة ألمانيا على المستوى الداخلي.
الإجراءات أمام اللجنة
37- السيدة فوغت أخطرت اللجنة بتاريخ 13 شباط/فبراير 1991. ودفعت بأحكام المواد 10 و11 من الاتفاقية، وتمسكت بأحكام المادة 14 مقترنة بالمادة 10 (المادة 14+10)، ورافعت عن انتهاك حقها في التعبير و في حرية تكوين الجمعيات.
38- اللجنة قبلت الشكوى (رقم 17851/91) بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر 1992. وفي تقريرها بتاريخ 30 تشرين الثاني/نوفمبر 1993 (المادة 31) خلصت، عبر 13 صوت مقابل واحد، إلى وجود انتهاك للمواد 10 و من الاتفاقية وأنه ليس من الضروري فحص الشكوى من جهة تطبيق المادة 14 من الاتفاقية. النص الأصلي لرأي اللجنة و الآراء المنفردة مرفقة بهذا القرار[3].
خلاصات العرائض المقدمة للمحكمة
39- دعت الحكومة في مذكرتها، المحكمة للقول:
"بأنه، وفي النزاع الحالي، فإن الجمهورية الفيديرالية الألمانية، لم تنتهك المواد 10، 11 و14 مقترنة بالمادة 10 (المادة 10 والمادة 11 والمادة 10+14) من الاتفاقية".
40- ومن جهتها، المدعية التمست من المحكمة:
"معاينة وجود انتهاك للمواد 10 و11 من الاتفاقية".
من حيث القانون
أولا: حول الانتهاك المزعوم للمادة 10 من الاتفاقية
41- السيدة فوغت أكدت أن تسريحها من الوظيفة العمومية، بسبب نشاطاتها السياسية والحزبية، عرقــل حقها في حرية التعبير، المضمون بموجب المادة 10 من الاتفاقية التي تنص على أنه:
"1- لكل شـخص الحـق في حرية التعبير. ويشـمل هذا الحـق حـرية الرأي، وحـرية تلقي المعلـومات أو الأفكـار وإذاعتهـا من دون تدخل السـلطات العامـة ومن دون التقيـد بالحـدود الجغـرافية. لا تمنـع هذه المـادة الدول من إخضاع نشـاط مؤسـسـات الإذاعة أو السـينما أو التلفزة لطلبـات الترخيـص.
2- يجـوز إخضـاع ممارسـة هذه الحريات التي تتطلـب واجبـات ومسـؤوليات لبعـض الشـكليات أو الشـروط أو القيود أو المخالفـات التي يحـددها القانون، والتي تعّد في مجتمـع ديمقراطـي تدابير ضـرورية لحفـظ سـلامة الوطن وأراضـيه، والأمن العام وحمـاية النظـام، ومنع الجريمـة، وحمـاية الصـحة والأخلاق، وحمـاية حقـوق الآخرين وسـمعتهم، وذلك لمنع إفشـاء المعلومات السـرية، أو ضمان سـلطة الهيئة القضـائية ونزاهتها".
أ- حول وجود تدخل من عدمه
42- الحكومة لا تنازع في تطبيق حكم المادة 10، حتى وإن كانت خلال الجلسة قد طلبت من المحكمة إعادة النظر في هذه المسألة بعناية.
43- تذكر المحكمة بأن الحق في تقلد الوظائف العامة لم يرد النص عليه صراحة في أحكام الاتفاقية. وبالتالي، فرفض تعيين موظف ما لا يمكن أن يكون بحد ذاته محل شكوى في ميدان تطبيق الاتفاقية. ومع ذلك، فهذا لا يعني أن من تم تعيينه كموظف عمومي لا يمكنه تقديم شكوى عن عزله، متى تم ذلك بعرقلة لإحدى حرياته المضمونة بموجب الاتفاقية. فالموظفين ليسوا خارج نطاق تطبيق الاتفاقية. فبموجب المواد 1 و14 فالاتفاقية تؤكد على أن "كل شخص خاضع لــ اختصاص الدول المتعاقدة يجب أن يتمتع "دون تمييز أيا كان أساسه" بالحقوق والحريات المحددة في العنوان الأول. المادة 11 فقرة 2 تهدف للسماح للدول بوضع قيود خاصة على ممارسة حريات التجمع وإنشاء الجمعيات بالنسبة "لأفراد القوات المسلحة أو الشرطة أو إدارة الدولة" تؤكد على أنه كقاعدة عامة فان الضمانات التي تمنحها الاتفاقية تسري على الموظفين العموميون (قرارات كلازنب وكوزيك ضد ألمانيا في 28 آب/أغسطس 1986، السلسلة أ رقم 104، الصفحة 26 فقرة 49 و105، ص.20. فقــرة 35). ولذلك، فنظام الموظف العمومي المثبت في منصبه، كالذي تتمتع به السيدة فوغت بتعيينها كأستاذة في الثانوية، لا يحرمها من شمـــولها بحماية المادة 10".
44- ولقد وافقت المحكمة اللجنة بضرورة تمييز وضع قضية الحال عن قضايا كلازنب وكوزيك. والتي قامت من خلالها المحكمة بتحليل تصرفات السلطات من رفض قبول المعنيين في الوظيف العمومي لعدم توفرهم على المؤهلات الكافية. إذن، فتقلد الوظائف العمومية هو أساس المشكلة. لذلك خلصت إلى غياب وجود تدخل في الحق المكرس والمحمي في الفقرة 1 من المادة 10 (قرارات كلازنب وكوزيك ضد ألمانيا، مشار اليه سابقا، ص.27 فقرة 53 و ص.21 فقرة 39).
السيدة فوغت، من جهتها، سبق تعيينها كموظفة مثبتة منذ شباط/فبراير 1979. وتم توقيفها مؤقتا في آب/أغسطس 1986 وفصلت عن العمل في 1987 (فقرة 16 و20 أعلاه) كعقوبة تأديبية، بزعم إخلالها بواجبها كموظفة عمومية بالإخلاص للنظام الليبيرالي والديمقراطي، بمفهوم القانون الأساسي.
ووفقا للسلطات، فإن المعنية، تنشط في حزب، وترفض النأي بنفسها عن ذلك، وتعبر صراحة عن مواقفه المعادية للنظام الدستوري، ولذلك كان هناك تدخل في ممارسة الحق المحمي بموجب المادة 10 من الاتفاقية.
ب- حول تبرير التدخل
45- مثل هذا التدخل ينتهك المادة 10، إلا إذا كان "منصوصا عليه في القانون"، وموجها نحو تجسيد هدف أو أكثر من الأهداف المشروعة بمفهوم الفقرة 2 من المادة 10 و"ضروري في مجتمع ديمقراطي" لتحقيقها.
1- "التي ينص عليها القانون"
46- الحكومة، مثل اللجنة، اعتبرت أن التدخل كان طبقا لأحكام المادة 61 فقرة 2 من قانون الوظيف العمومي لمقاطعة ساكسونيا السفلى (الفقرة 28 أعلاه)، وهو مفسر من طرف الاجتهاد القضائي للمحاكم الادارية المختصة، وبذلك فهو مبرر قانونا.
47- المدعية تؤكد العكس. وبحسبها، فالتزام الحياد السياسي المقرر بموجب المادة 61 فقرة 2 من قانون الوظيف العمومي لمقاطعة ساكسونيا السفلى لا يعني أبدا أن الموظف تنهى مهامه بسبب نشاطاته السياسية، كما هو الحال في قضيتها. فلا التشريع ولا الاجتهاد القضائي قد بيـًـنا بدقة هذه النقطة. فبالنسبة للاجتهاد القضائي، حاولت المدعية أن تثبت بأن قرار المجلس الدستوري الفيديرالي لـ 22 أيار/مايو 1975 (فقرة 34 أعلاه) لا يحمل وضوحا كافيا ودقيقا بخصوص الأشخاص المعنيين، كون المحكمة الإدارية الفيديرالية والمجلس الفيديرالي للعمل، قد فسرا ذلك، على نحو مختلف تماما. أما بالنسبة للتشريع، فالحقيقة أنه لم يطرأ أي تعديل تشريعي، والسيدة فوغت أعيد إدراجها في منصب عملها في 1991 (الفقرة 24 أعلاه) مع بقائها عضوة في الحزب، وتنازع المدعية في كون صياغة التشريع ليست بالمستوى المطلوب من الدقة. وأن إعادتها لمنصبها يتعلق في حقيقة الأمر بقرار سياسي اتخذه المستشار الفيديرالي والوزراء - رؤساء المقاطعات - في إطار مرسوم 28 كانون الثاني/يناير 1972 حول تشغيل المتطرفين في الوظيف العمومي (فقرة 30 أعلاه)
48- تذكر المحكمة بأن مستوى الدقة المطلوب في التشريعات الداخلية - والذي لا يمكن توافره في كل الاحتمالات - مرتبط بشكل كبير مع النص المعني، والميدان الذي يشمله وطبيعة المخاطبين بأحكامه. ومن جهة أخرى، فيتعين على السلطات العامة، في المقام الأول، تفسير وتطبيق القانون الداخلي (قرار شورهر ضد النمسا تاريخ 25 آب/أغسطس 1993، سلسلة أ رقم 266 - ب، ص .ص 35-36 فقرة 25). وفي هذه الحالة، فالمجلس الدستوري الفيديرالي والمحكمة الإدارية الفيديرالية قد حددتا، بكل وضوح، مفهوم الالتزام بالحياد السياسي، المفروض على الموظفين بموجب الاحكام التشريعية ذات الصلة، على المستوى الفيديرالي وعلى مستوى المقاطعات، بمفهوم المادة 61 فقرة 2 من قانون الوظيف العمومي لساكسونيا السفلى (الفقرة 26-28 أعلاه). وقد صرحت كلا الجهتين بأن كل نشاط فعال لموظف داخل حزب له أهداف غير دستورية كالحزب الشيوعي يتناقض مع هذا الالتزام. وفي زمن الوقائع - أي خلال الإجراءات التأديبية وما بعدها - فالسيدة فوغت كانت على علم بهذا الاجتهاد القضائي وبالمخاطر الناجمة عن استمرارها في النشاط الحزبي والسياسي لحساب الحزب الشيوعي ورفضها النأي بنفسها عن ذلك. فحتى ولو كان هناك، كما تزعم المدعية، تناقض في وجهات النظر بين المحكمة الادارية الفيديرالية والمجلس الفيديرالي للعمل - اختلاف يتعين على المحكمة إثباته - يبقى دون أثر لأن المحاكم التأديبية يتعين أن تتبع الاجتهاد القضائي للمحكمة الادارية. وبخصوص حجة إعادتها لمنصبها، فحجة السيدة فوغت هذه، لا تسمح لها بالاستنتاج الذي تريد أن تنتهي اليه. فالواقع، أن النص القانوني لا يتعارض مع المتطلبات التي يقتضيها مفهوم "التي ينص عليه القانون" لسبب بسيط وهو أن هذه الأخير يفسر بأكثر من تفسير.
وفقا لما سبق، تستنتج المحكمة، مثل الحكومة واللجنة، بأن التدخل يندرج ضمن ما "ينص عليه القانون".
2- "هدف مشروع"
49- الحكومة، كما اللجنة، اعتبرت أن التدخل كان لهدف مشروع. ووفقا له، فتقييد حرية التعبير، الذي نتج عنه واجب الحياد السياسي للموظفين، يهدف لحماية الأمن الوطني، والدفاع عن النظام وحماية حقوق الغير.
50- المدعية لم تبد أي رأي بشأن هذه المسألة.
51- المحكمة تلاحظ أن عددا من الدول المتعاقدة تخضع أعضاء الوظيف العمومي لواجب التحفظ. وفي هذا النزاع، فالالتزام المفروض على الموظفين الألمان بالولاء والدفاع بفعالية وعلنا عن النظام الدستوري الديمقراطي الحر، بمفهوم القانون الاساسي (الفقرات 26-28 أعلاه) يستند على فكرة مفادها أن الوظيف العمومي هو الضامن للدستور وللديمقراطية. هذه الفكرة لها أهمية خاصة في ألمانيا بسبب التجربة التي عاشها هذا البلد في ظل جمهورية فايمار، ولأن الجمهورية الفيديرالية تأسست عقب كابوس النازية وأدى ذلك إلى دستور يقوم على مبدأ "ديمقراطية قادرة على الدفاع عن نفسها". وفي هذا السياق، فليس للمحكمة إلا القول بأن فصل المدعية كان لهدف مشروع، بمنظور المادة 10 فقرة 2.
3- "ضروري في مجتمع ديمقراطي"
أ) مبادئ عامة
52- تعيد المحكمة التذكير بالمبادئ الاساسية المنبثقة عن قراراتها والمتعلقة بالمادة 10.
أ) حرية التعبير تشكل إحدى الأسس الضرورية لمجتمع ديمقراطي، وأحد الشروط الضرورية لتقدمه وتطويره. ومع مراعاة أحكام الفقرة 2 من المادة 10، فيسري ذلك ليس فقط على "المعلومات" و"الأفكار" التي وردت بشكل إيجابي أو التي تعتبر غير مؤذية وعادية، ولكن يشمل أيضا تلك التي تصنف على أنها معارضة، صادمة أو مسيئة: هكذا هي التعددية و التسامح وسعة الافق والتي بدونها لا يوجد "مجتمع ديمقراطي". وما هو مكرس بموجب المادة 10، يمكن أن تخرج عنه استثناءات يتعين أن تفسر دائما تفسيرا ضيقا، والحاجة لوضع قيود يجب أن تكون مقنعة ومؤسسة (قرارات هانديزيد ضد المملكة المتحدة 7 كانون الأول/ديسمبر 1976، سلسلة أ رقم 103، ص.26 فقرة 41، و جيرسيلد ضد الدنمارك 23 سبتمبر 1994، سلسلة أ رقم 298 ص.26 فقرة 37).
ب) إن صفة "الضرورية" المقصودة في المادة 10 فقرة 2 تشير إلى "الحاجة الاجتماعية الملحة". وتتمتع الدول المتعاقدة بهامش تقديري معين لتحديد ما مدى وجود هذه الحاجة، ومقابل ذلك تخضع لرقابة أوروبية مزدوجة على قوانينها وعلى القرارات المطبقة لتلك القوانين، ولو كانت صادرة عن محاكم مستقلة. فالمحكمة الأوروبية مختصة إذن للفصل في آخر درجة فيما إذا كان "التقييد" يتماشى مع حرية التعبير التي تحميها المادة 10.
ج) إن مهمة المحكمة، حال ممارستها للرقابة، ليست هي الحلول محل الجهات القضائية الداخلية المختصة، ولكنها تقوم بفحص القرارات الصادرة عن هذه الأخيرة وفقا لسلطتها التقدير، على ضوء أحكام المادة 10. وهذا لا يعني أن رقابتها محدودة فيما إذا كانت الدولة المدعى عليها قد استعملت سلطتها بحسن نية، بعناية وبشكل معقول: ولذلك يتم تقدير التدخل المنازع فيه على ضوء مجمل القضية لتحديد مدى "تناسبها مع الهدف المشروع"، وما إذا كانت الأسباب التي تسوقها السلطات الوطنية لتبرير ذلك "ذات صلة وكافية" (قرار الصنداي تايمز ضد. المملكة المتحدة (رقم 2) تاريخ 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1991، سلسلة أ رقم 217، ص 29 فقرة 50).
وهكذا، يجب أن تقتنع المحكمة بأن السلطات الوطنية قد طبقت القواعد المتوافقة مع المبادئ المكرسة في المادة 10. وفضلا عن ذلك، يجب أن يستند هذا على تقدير مقبول للوقائع ذات الصلة (قرار جيرسليد، سبقت الإشارة له، ص.26، فقرة 31).
53- تطبق هذه المبادئ أيضا على أفراد الوظيف العمومي: فيما إذا كان مشروعا أن تخضع الدولة هؤلاء، بسبب حالتهم، لواجب التحفظ، ومع ذلك يستفيد الفرد، رغم هذا، من الحماية المقررة بموجب المادة 10 من الاتفاقية. إذن، يعود للمحكمة، مع مراعاة ظروف كل قضية، البحث فيما إذا تم التوصل إلى توازن عادل بين الحق الأساسي للفرد في حرية التعبير والمصلحة المشروعة لدولة ديمقراطية تسهر على أن يكون وظيفها العمومي مستجيبا لمتطلبات المادة 10 فقرة 2. وخلال هذه الممارسة الرقابية، يتعين على المحكمة أن تأخذ في الحسبان كون حرية التعبير للموظفين تجد مجالها ضمن "الواجبات والمسؤوليات" المشار اليها في المادة 10 فقرة 2، تحمل أهمية خاصة تبرر ترك الهامش التقديري للسلطات الوطنية، للفصل فيما إذا كان التدخل المعلن عنه متناسبا مع الهدف المشار إليه أعلاه.
ب) تطبيق المبادئ المشار إليها أعلاه على وقائع قضية الحال
54- حسب الحكومة، فإنه يتعين تقدير حجم الهامش التقديري الذي تتمتع به الدولة في قضية ما مع الأخذ بعين الاعتبار بالإرادة الصريحة الدول المتعاقدة بعدم الاعتراف في الاتفاقية أو برتوكولاتها بحق تقلد الوظائف العمومية. فالمتطلبات التي يتعين أن يستجيب لها المترشح للوظيفة العمومية مرتبطة تماما ومتطابقة مع تلك التي يخضع لها الموظف المثبت أصلا. خاصة أن للجمهورية الفيديرالية الالمانية مسؤولية متميزة في مجال مكافحة كل أنواع التطرف، سواء اليميني أو اليساري. ولغرض هذا الهدف تحديدا، وعلى ضوء تجربة جمهورية فايمار، أنشئ واجب الحياد السياسي للموظفين العموميين. وقد كانت الوظيفة العمومية حجر الزاوية في "ديمقراطية قادرة على بناء نفسها": وبالنتيجة، فلا يمكن لأفراد التوظيف العمومي أن ينشطوا بفعالية ضمن أحزاب لها أهداف غير دستورية، كالحزب الشيوعي. في حين أن السيدة فوغت قد شغلت مناصب جد هامة ضمن هذا الحزب الذي كان هدفه آنذاك قلب النظام الديمقراطي والليبيرالي للجمهورية الفيديرالية الالمانية، وكانت تتلقى التعليمات من الأحزاب الشيوعية في ألمانيا الشرقية والاتحاد السوفييتي. وعلى الرغم من أدائها الجيد لواجباتها الوظيفية، إلا أنها لها كمعلمة، مسؤولية خاصة في نقل القيم الاساسية للديمقراطية. ورغم العديد من التحذيرات الرسمية التي كانت تتلقاها، إلا أنها صعدت من نشاطها الحزبي. ولأجل هذا لم يكن للسلطات الالمانية من خيار آخر غير توقيفها عن مهامها.
55- المدعية تنازع في مدى ضرورة التدخل. المجلس الدستوري الفيديرالي لم يقم بحضر الحزب الشيوعي الذي تنشط فيه المدعية - النشاط الذي على اساسه تم توجيه "الاتهامات" ضدها (الفقرة 19 أعلاه) - ولذلك يعد نشاطا شرعيا لحساب حزب شرعي ولا يمكن اعتباره إخلالا بالتزام الحياد السياسي. فالحقيقة، أن احترام ذلك لا يمكن قياسه ببساطة بالأهداف المجردة للحزب ولكن بالرجوع الى السلوك الشخصي للفرد. من وجهة النظر هذه، فالمدعية كانت دائما فوق الشبهات، وتمارس مهامها بشكل جيد، ولم تسعى يوما لتلقين تلامذتها لأفكار أو إيديولوجيات معينة، ولم يصدر عنها أي تصريح يمكن وصفه بغير الدستوري. على العكس تماما، فنشاطها ضمن الحزب الشيوعي استند على رغبتها في تمتع الجمهورية الألمانية الفيديرالية بالسلم الداخلي و الخارجي ومحاربة الفاشية. وكانت لديها قناعة راسخة بخدمة أحسن للديمقراطية وحقوق الانسان من خلال نشاطها في الحزب الشيوعي؛ وقد طلب منها ترك معتقداتها هذه بسبب أن السلطات الوطنية ترى خلاف ذلك، وهو ما يتعارض مع حرية اعتناق الآراء والتعبير عنها. وعلى أي حال، ففــرض العقوبة القصوى غير متناسب مطلقا. فضلا عن ذلك، فطول مدة الاجراءات التأديبية في هذا النزاع والاختلاف المعتبر في تطبيق النصوص، بين مختف المقاطعات، في مادة الحياد السياسي للموظفين، يدفعنا للاستنتاج بعد وجود أسباب جدية ومقنعة لفصل المدعية.
56- اللجنة تشاطر وجهات النظر الأساسية للمدعية. فالعامل الفاصل في هذه المسالة هو النظر في مدى كون السلوكيات الشخصية للمعنية تعارض النظام الدستوري. كما أن العقوبة التأديبية كانت شديدة للغاية فالفصل من المنصب يجب أن يكون مبررا بالسلوك الشخصي للموظف للمعني.
57- في هذا النزاع، يعود للمحكمة تقدير ما اذا كان فصل السيدة فوغت عن العمل يستجيب لـ"حاجة ملحة"، وما إذا كان "متناسبا مع الهدف المشروع المنشود". ولأجل هذا، يتعين فحص ظروف القضية على ضوء الوضع السائد في جمهورية ألمانيا الفيديرالية وقت الوقائع.
58- انضمت السيدة فوغت الى الحزب الشيوعي سنة 1972. ولا جدل أن هذه الحقيقة كانت معلومة لدى السلطات حتى 1979، بل وحتى قبل نهاية فترة الاختبار التجريبي، قامت بتثبيت المعنية في منصبها كأستاذة ثانوية. وبعد التحقيق حول نشاطاتها السياسية، تم تحريك الاجراءات التأديبية ضدها بتاريخ 1982 (الفقرة 11 أعلاه). وتم توقيف الاجراءات عدة مرات، بموجب تحقيقات تكميلية، لكن في النهاية فصلت السيدة فوغت بتاريخ 15 تشرين الأول/أكتوبر 1987 لإخلالها بواجب الحياد السياسي. وكانت الانتقادات الموجهة لها تتعلق بمختلف نشاطاتها السياسية في الحزب الشيوعي، والوظائف التي شغلتها فيه وترشحها باسمه للانتخابات البرلمانية لإحدى المقاطعات (الفقرة 19 أعلاه).
واجب الحياد السياسي الذي يخضع له الموظفون الألمان تم تعريفه من طرف المجلس الدستوري الفيديرالي في قراره تاريخ 22 أيار/مايو 1975، ويتضمن التزام كل موظف بالنأي بنفسه، بشكل لا لبس فيه، عن الجماعات التي تهاجم وتطعن في الدولة ونظامها الدستوري القائم. وفي زمن الوقائع، اعتبرت المحاكم الألمانية - استنادا على البرنامج الرسمي للحزب - بأن الحزب الشيوعي يهدف لقلب الهياكل الاجتماعية والاطاحة بالنظام الدستوري للجمهورية الفيدرالية الالمانية، وإقامة نظام سياسي مماثل لذلك الموجود في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.
60- المحكمة تشاطر فرضية أن الدولة الديمقراطية لها الحق في أن تفرض على موظفيها بأن يكونوا موالين للمبادئ الدستورية التي تقوم عليها. ومن وجهة النظر هذه، تؤخذ بعين الاعتبار التجربة الألمانية، في ظل جمهورية فايمار والفترة المريرة التي تلت انهيار النظام إلى غاية تبني قانون أساسي سنة 1949. وقد فضلت ألمانيا تجنب تكرار هذه التجارب، وبنت دولتها الجديدة على أساس فكرة "ديمقراطية قادرة على الدفاع عن نفسها". فلا يجب، مطلقا، إغفال السياق السياسي للوضع الألماني بتاريخ تلك الوقائع. فمن الواضح أن هذه الظروف قد أضافت وزنا لهذا المفهوم الأساسي وللالتزام المتعلق بالحياد السياسي المفروض على الموظفين.
ويبقى أن الطابع المطلق لهذا الالتزام، كما فسرته الحكومة الالمانية ملفت للنظر. فيخضع له كل الموظفين، بوجه عام، أيا كانت وظائفهم ومجالاتهم. فهو يعني بأن كل موظف، ومهما كانت آرائه الخاصة حول المسألة، يجب أن ينبذ بشكل لا لبس فيه كل الجماعات والفعاليات التي تعلن السلطات أنها معادية للدستور، ودون أي تمييز بين النشاط الوظيفي والحياة الخاصة؛ فهذا الالتزام يتعين الوفاء به، وفي كل الظروف.
وتجدر الإشارة إلى أنه وفي وقت الوقائع، لا توجد أي دولة عضو في مجلس أوروبا قد فرضت الالتزام بالولاء بهذه الصرامة، وحتى في ألمانيا لم يتم تطبيقه وتفسيره بشكل موحد بين مختلف مقاطعاتها؛ فالعديد منها لم تعتبر نشاطات، كتلك التي في قضية الحال، متعارضة مع هذا الالتزام.
61- ومع ذلك، فليس للمحكمة تقدير النظام على هذا النحو، لذا فإنها ستركز على مسألة فصل السيدة فوغت.
وفي هذا الصدد، تلاحظ المحكمة وجود العديد من الاسباب، تؤدي للقول أن فصل أستاذة ثانوي في إطار عقوبة تأديبية قصوى، لغياب واجب الحياد، يعتبر إجراء شديد الصرامة. أولا، بسبب تأثير هذا الإجراء على سمعة الشخص المعني. وثانيا، لكون فصل أستاذة ثانوية من منصبها يفقدها مصدر رزقها، فكان يتعين على الاقل أن تسمح لها المحاكم التأديبية بالاحتفاظ بجزء من مرتبها. وأخيرا، فمن شبه المستحيل أن يعثر أستاذ ثانوي، في مثل هذه الحالات، على وظيفة تدريس أخرى، كون المناصب من هذا النوع خارج الوظيف العمومي نادرة في المانيا. وبالنتيجة، فالمعني بالأمر سيتم حرمانه مطلقا من ممارسته المهنة الوحيدة التي من أجلها تكون واكتسب المهارات و الخبرات اللازمة.
والوجه الثاني الذي تنبه له المحكمة: أن السيدة فوغت تدرس اللغتين الفرنسية والألمانية، في مدرسة ثانوية، المنصب الذي هو، في حد ذاته، لا يشكل أي خطر.
فيكمن الخطر في إمكانية استغلال المعلم منصبه لتلقين تلاميذه لأفكار أو أي تأثيرات أخرى، خلال الدروس. على عكس الواجبات والمسؤوليات الخاصة للمعلمين. ولكن المدعية لم يوجه لها أي انتقاد في هذا الشأن. على العكس، فقد اعتبر عملها في الثانوية مرضيا بشكل كبير من طرف رؤسائها و التلاميذ وآبائهم وزملائهم (الفقرة 10 أعلاه)؛ وقد أقرت المحاكم التأديبية لها، بتأدية دورها على أحسن وجه (الفقرة 20 و 22 أعلاه). وعلاوة على ذلك، فالسلطات لم تقم بتوقيفها عن وظائفها إلا بعد مضي أكثر من خمس سنوات على انطلاق الاجراءات التأديبية ضدها (الفقرة 11-16 أعلاه)، مما يبين أن السلطات لم تكن تشعر بضرورة ملحة بعزل التلاميذ عن تأثيرها.
المعلم هو رمز السلطة بالنسبة لتلامذته، والواجبات والمسؤوليات الخاصة الواقعة على عاتقه، يتم تقييمها كذلك، في إطار ما، على أساس نشاطاته خارج المدرسة. ولا يوجد دليل يسمح بالقول أن السيدة فوغت نفسها، حتى خارج عملها في المدرسة، أدلت بتصريحات معادية للدستور أو أنها تبنت مواقف غير دستورية. الانتقادات الوحيدة التي وجهت لها تتعلق بنشاطها في الحزب الشيوعي، والوظائف التي شغلتها فيه، وترشحها للانتخابات البرلمانية للمقاطعات. كما أن السيدة فوغت أكدت بأن قناعتها الشخصية بنشاطاتها تلك متوافقة مع مفاهيم الدفاع عن مبادئ النظام الدستوري الألماني. الجهات القضائية التأديبية. اعترفت بأن قناعة السيد فوغت كانت صادقة ومباشرة، ومع ذلك أكدت أن هذا ليس له أي قيمة قانونية (الفقرة 22 أعلاه)، وحتى التحقيقات المطولة التي استمرت لعدة سنوات لم تستطع إثبات تصريحات خاصة للسيدة فوغت تكذب تلك التي أدلت بها بخصوص دفاعها عن قيم النظام الدستوري الألماني.
وآخر ملاحظة تشير إليها المحكمة وتأخذها بعين الاعتبار أن: المجلس الدستوري الفيديرالي لم يعلن حظر الحزب الشيوعي، وبالتالي فنشاط المدعية فيه: شرعي بشكل كامل.
61- نظرا لما سبق، خلصت المحكمة إلى أن الأسباب التي قدمتها الحكومة لتبرير التدخل في حق السيدة فوغت في حرية التعبير، رغم صلتها، إلا أنها غير كافية للأثبات بشكل مقنع بأنها كانت ضرورية في مجتمع ديمقراطي، لفصل المعنية عن عملها. وحتى إذا ما تركنا هامش تقديري معين، فلا مفر من الانتهاء إلى أن فصل السيدة فوغت عن منصبها كأستاذة ثانوي، كعقوبة تأديبية، لا يتناسب مع الهدف المشروع المنشود. ومن هنا، فهناك انتهاك للمادة 10.
ثانيا: حول الانتهاك المزعوم للمادة 11 من الاتفاقية
62- المدعية تزعم كذلك انتهاك حقها في حرية التجمع المكفول بموجب المادة 11 من الاتفاقية و المحررة كما يلي:
"1- لكل شـخص الحـق في حـرية المشـاركة في الاجتمـاعات السـلمية، وفي حـرية تكـوين الجمعيـات. ويشـمل هذا الحق حـرية إنشـاء النقابات مع الآخرين، والانضمام إليها للدفاع عن مصـالحه.
2- لا يجوز إخضاع ممارسـة هذه الحقـوق إلاّ للقيـود التي يحـددها القانون والتي تعّد في مجتمع ديمقراطي تدابير ضـرورية لحفـظ سـلامة الوطن وأراضـيه، والأمن العام وحمـاية النظـام، ومنع الجريمـة، وحمـاية الصـحة والأخلاق، وحمـاية حقـوق الآخرين وحرياتـهم. لا تمنـع هذه المـادة من فرض قيـود قانونيـة على ممارسـة أفراد القـوات المسـلحة أو الشـرطة أو إدارة الدولـة لهذه الحقـوق.
أ- حول وجود تدخل
63- كما هو الحال في المادة 10، فالحكومة لا تنازع تطبيق المادة 11، رغم طلبها في الجلسة من المحكمة فحص المسألة بعناية أكثر.
64- على الرغم من دورها المستقل وخصوصية نطاق تطبيقها، فالمادة 11 يجب أن ينظر إليها في هذه الحالة على ضوء المادة 10 (قرار يونغ، جيمس ووبستر ضد المملكة المتحدة في 13 آب/أغسطس 1981، سلسلة أ رقم 44 ص 23 فقرة 57، وإيزلان ضد فرنسا بتاريخ 06 نيسان/أبريل 1991، سلسلة رقم 202 ص 20 فقرة 37). فحماية الآراء والمعتقدات الشخصية، المنصوص عليها في المادة 10، تُعّد إحدى أهداف حرية التجمع و تكوين الجمعيات المكرسة في المادة 11.
65- وبالنظر للمبادئ المنصوص عليها في المادة 10 (الفقرة 43 و 44 أعلاه)، فالسيدة فوغت، كموظفة مثبتة في منصبها، تتمتع أيضا بالحماية بموجب المادة 11.
ولما كان إقصاء المعنية من الوظيف العمومي، لإصرارها على رفض النأي بنفسها عن الحزب الشيوعي، وبسبب انتسابها إليه، لا يتعارض مع واجب الحياد.
وفقا لهذا، فهناك تدخل في ممارسة حقها المحمي بموجب الفقرة 1 من المادة 11.
ب- تبرير هذا التدخل
66- مثل هذا التدخل ينتهك المادة 11، إلا إذا كان يستجيب لمتطلبات الفقرة 2 من المادة 11 والتي هي مطابقة لتلك المنصوص عليها في المادة 10 فقرة 2. غير أن الجملة الأخيرة من الفقرة 2 من المادة 11 تفتح لاستثناء أخر غير موجود في المادة 10 فقرة 2.
67- وفقا لما سبق، فالمحكمة تشاطر اللجنة بأن مفهوم "إدارة الدولة" يتطلب تفسير ضيقا، يأخذ بعين الاعتبار المنصب الذي يشغله الموظف المعني.
68- وحتى لو سلمنا بأن المعلم يشكل جزءا من "إدارة الدولة" بالمعنى الوارد في المادة 11 فقرة 2 - وهو السؤال الذي ترى المحكمة أنه لا يتعين عليها الفصل فيه - فعزل السيدة فوغت يُعّد، ولنفس الأسباب المشار إليها فيما يخص المادة 10 (الفقرات 50 إلى 60 أعلاه)، لا يتناسب مع الهدف المشروع المتوخى.
وتبعا لذلك، هناك خرق للمادة 11 أيضا.
رابعا: حول الانتهاك المزعوم للمادة 14 من الاتفاقية مقترنة بالمادة 10 (المادة 14+10)
71- حول تطبيق المادة 50 من الاتفاقية
- بموجب المادة 50 من الاتفاقية فإنه:
"إذا وجدت المحكمة بأن قرارا اتخذته أو تدبيرا أمرت به سلطة قضائية أو أية سلطة أخرى في طرف متعاقد، لا يتوافق جزئيا أو كليا مع الالتزامات المنبثقة عن هذه الاتفاقية، وإذا لم يسمح القانون الداخلي لهذا الطرف بإلغاء نتائج هذا القرار أو ذلك الإجراء إلا على نحو غير مرض، بمنح قرار المحكمة، إذا دعت الحاجة لذلك، توضسة عادلة للطرف المتضرر".
72- السيدة فوغت طالبت بتعويضات عن الأضرار المادية والمعنوية وعن التكاليف والنفقات التي طالتها من جراء النزاع.
73- الحكومة ومندوب اللجنة اعتبرا أن معظم المبالغ المطالب بها مبالغ فيها.
74- حسب للمحكمة، فالمسألة ليست جاهزة للفصل فيها. ولذلك يتعين حفظ الحقوق وتأجيلها لتاريخ لاحق، مع مراعاة إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الدولة المدعى عليها والمدعية (المادة 54 فقرة 1 و 4 من النظام الداخلي أ).
لهذه الأسباب، فالمحكمة
1- تصرح، بموجب سبعة عشر صوتا مقابل اثنين، أن المادة 10 من الاتفاقية تطبق على النزاع؛
2- تصرح، بموجب عشرة أصوات مقابل تسعة، بوجود انتهاك للمادة 10؛
3- تصرح، بالإجماع، بأن المادة 11 من الاتفاقية تطبق على النزاع؛
4- صرح، بموجب عشرة أصوات مقابل تسعة، بأن هناك انتهاك للمادة 11؛
5- تصرح، بالإجماع، بأن ليس من الضروري معالجة القضية في إطار المادة 14 من الاتفاقية مقترنة بالمادة 10 (المادة 14+10)؛
6- تصرح، بموجب سبعة عشر صوتا مقابل اثنين، أن مسألة تطبيق المادة 50 من الاتفاقية ليست محل جاهزية للفصل فيها؛
وبالنتيجة،
أ) الاحتفاظ بالمسألة؛
ب) دعوة الحكومة والمدعية لإخطار المحكمة، في الستة أشهر التالية، بملاحظاتهم المكتوبة حول المسألة، وبخاصة في حالة التوصل إلى أي اتفاق بينهما.
ج) حفظ الإجراءات اللاحقة، ولمندوب الرئيس تحديدها، عند الاقتضاء.
حرر بالفرنسية والإنجليزية، ونطق به في جلسة علنية بقصر حقوق الانسان، في ستراسبورغ، بتاريخ 26 أيلول/سبتمبر 1995.
رولف ريزدال هربرب بيتزولد
الرئيس الكاتب
وفقا للمادة 51 فقرة 2 (51-2) من الاتفاقية والمادة 53 فقرة 2 من النظام الداخلي أ، يتضمن هذا القرار، مرفقا بالآراء الفردية التالية:
- رأي مخالف مشترك للسادة القضاة برنارد، جولشيكلي، ماتشر، لوازو، بونيتشي، قوتشاف، جينجويرت، كوريس؛
- رأي مخالف تكميلي للسيد قوتشاف؛
- رأي مخالف للسيد جامبريك؛
ويلي ذلك، بيان للسيد ميفسود بونيتشي، مرفق أيضا.
رأي مخالف مشترك للسادة القضاة برنارد، جولشيكلي، ماتشر، لوازو، بونيتشي، قوتشاف، جينجويرت، و كوريس
(ترجمة)
نحن نعتبر أن الإجراءات التأديبية المتخذة ضد السيدة فوغت من طرف أو بموافقة السلطات والجهات القضائية الألمانية لا تنتهك لا المادة 10 ولا المادة 11 من الاتفاقية. لم يكن عزل السيدة فوغت من منصبها كأستاذة في التعليم العمومي منصوصا عليه في القانون ويستهدف غرضا مشروعا فقط، بل وكان متناسبا كذلك ويمكن أن يعتبر ضروريا في مجتمع ديمقراطي. إنها تقع ضمن ما ينبغي أن يترك من هامش تقدير للسلطات الوطنية.
1. ظروف عزل المدعية تدعو، حسب رأينا، لتسليط الضوء على جوانب أخرى غير تلك الواردة في قرار الغرفة الكبرى بالمحكمة. السيدة فوغت كانت عضوا في الحزب الشيوعي منذ العام 1972، ومع ذلك تم تثبيتها في منصبها بشكل رسمي منذ العام 1979. ويمكننا تفسير ذلك بسهولة، بحيث أن الممارسة الألمانية تعتبر، أن الانتماء إلى حزب متطرف، لا تعد بحد ذاتها، من حيث المبدأ، عقبة في التعيين أو البقاء في منصب من الوظيف العمومي. فقط، وبعد تثبيتها في منصبها، كثفــت السيدة فوغت من نشاطاتها لحساب الحزب الشيوعي (الفقرات 11-23 من القرار). ومن الواضح، أن نشاطات من هذا النوع، لابد أن تصبح معروفة داخل المؤسسة التعليمية من طرف التلاميذ، حتى ولو كان الأستاذ المعني لم يقم بنشر قناعاته السياسية في قاعات الدراسة.
حسب رأينا، لم يبقى مجال للشك، بأن برنامج الحزب الشيوعي يتناقض مع النظام الدستوري للجمهورية الفيديرالية الألمانية على النحو المكرس في الدستور الألماني. فعندما يصرح شخص ما مثل السيدة فوغت بتمسكها بكل عناصر برنامج الحزب الشيوعي وتعلن في الوقت ذاته احترامها للنظام الدستوري، فمثل هذه التصريحات لا يمكن إلا أن تكون متناقضة.
2. منذ بداية الإجراءات التأديبية ضد السيدة فوغت وحتى عزلها نهائيا، كان الحزب الشيوعي مساندا للنظام الاشتراكي والحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية (كانت تسمى آنذاك بالجمهورية الألمانية الديمقراطية)، والحزب الشيوعي نفسه يعتبر دائما أن النظام الدستوري والسياسي في ألمانيا الشرقية يختلف جوهريا عن ذلك السائد في الجمهورية الفيديرالية بل ويتفوق عليه. ولا يمكن أن ننكر أنه في وقت تلك الوقائع، وبسبب المواجهة بين الشرق والغرب والعداء بين النظام الشيوعي من جهة، والنظام الديمقراطي في ألمانيا الغربية من جهة أخرى، كان لا بد من تعزيز النظام الديمقراطي وعدم تركه ينهار.
في مثل هذا الوضع، ونظرا لخصوصية تاريخ ألمانيا، ولا سيما سقوط الدستور الديمقراطي لفايمار، فدولة القانون يمكنها عزل موظفيها، بما في ذلك معلمي المدارس، الذين ينشطون بفعالية في أحزاب معادية للديمقراطية. ويسري هذا على جميع الأحزاب المتطرفة، سواء أكانت يمينية أو يسارية الطيف السياسي.
3. وبالتالي، يمكن اعتبار أن عزل السلطات الألمانية للسيدة فوغت كان ضروريا في مجتمع ديمقراطي، طبقا للمواد 10 و11 من الاتفاقية. فالخدمة العمومية ذات أهمية كبرى في جميع الدول من أجل حسن سير النظام الديمقراطي، ونتيجة لذلك تتمتع الدول بهامش تقديري معتبر في مادة توظيف أو إقالة الموظفين. يجب أن يكون من حق الدول أن تطلب من موظفيها إما التخلي عن النشاط ضمن الأحزاب المتطرفة والدعم الفعال لها أو أن يغادروا الوظيفة العمومية.
رأي مخالف تكميلي للقاض غوتشاف
(ترجمة)
لقد صوتت بعدم وجود أي خرق لأني مقتنع بأن المادة 10 من الاتفاقية غير قابلة للتطبيق.
القرار (الفقرة 43) يؤكد أن الحق في الالتحاق بالتوظيف العمومي ليس حقا محميا بموجب الاتفاقية. ومع ذلك، وحسب الاجتهاد القضائي للمحكمة، فاذا كان رفض الالتحاق بالتوظيف العمومي يشكل في ذات الوقت خرقا لحكم آخر من أحكام الاتفاقية، فهذا الحكم يطبق. بحيث أنه، وكما في هذا النزاع، فرفض قبول شخص في الوظيف العمومي أو عزله يشكل في الوقت نفسه خرقا للمادة 10، وبالتالي فهذه المادة (10) ستطبق.
لا أستطيع أن اتفق مع هذا المنطق. فالسيدة فوغت لم تعزل من وظيفتها كمعلمة لأنها عبرت عن رأيها أو أفكارها. فحسب القرار القضائي، فقد تم عزلها لكونها عضوا في الحزب الشيوعي وعضوا في اللجنة التنفيذية الإقليمية، ورئيسة للفرع المحلي ومرشحة لهذا الحزب في الانتخابات البرلمانية. لا توجد أي إشارة مطلقا لأي تصريح أو منشور أو أي شكل آخر من أشكال التعبير عن الرأي.
في القضيتين المشار إليهما في هذا القرار - كلازنب وكوزيك - فالعزل كان نتيجة التعبير عن الرأي في رسالة وجهتها الشاكية لصحيفة في القضية الأولى و كتابين منشورين من الشاكية في الثانية.
ومع ذلك اعتبرت المحكمة في كلا القضيتين عدم وجود أي انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية.
رأي مخالف للقاضي جامبريك
(ترجمة)
1. مع الأغلبية، أجد أن المادتين 10 و 11 من الاتفاقية تطبقان على هذا النزاع، وقد كان هناك تدخل. ولكني مع ذلك، أخالف رأي الأغلبية التي اعتبرت أن التدخل كان ضروريا في مجتمع ديمقراطي وأنه كان متناسبا مع الهدف المشروع المنشود. وهكذا خلصت إلى أن التقييد كان متوافقا مع الحريات الممنوحة. كما أنني اتفق تماما مع الرأي المخالف المشترك لزملائي، وأرغب في إضافة ما يلي من نقاط إلى ما قدموه من حجج.
2. من أجل تحقيق توازن عادل بين حقوق السيدة فوغت و التزام الجمهورية الفيديرالية الألمانية، في وقت تلك الوقائع، فإن كانت المدارس العامة، فضلا عن مهامها العادية، تسهر أيضا على صون المصالح المشروعة كالأمن القومي وسلامة أراضي الجمهورية أو الأمن العام وحماية حقوق الغير، فسأفحص ظروف القضية بداية على ضوء الوضع القائم في الجمهورية الفيديرالية الألمانية، ثم على ضوء الخيارات التي كانت متاحة أمام السيدة فوغت، وكل ذلك في وقت حدوث تلك الوقائع.
3. الأغلبية أخذت بعين الاعتبار "الفترة المريرة التي تلت انهيار" جمهورية فايمار في ألمانيا، فضلا عن "الوضع الذي حدثت في سياقه السياسي آنذاك". كما لاحظت المحكمة أن "كابوس النازية" أدى إلى "إرادة لبناء ديمقراطية قادرة على الدفاع عن نفسها". وأضيف أيضا، بان هذا المبدأ الدستوري، كان يمثل آنذاك، ما يعتبر في هذه القضية هدفا مشروعا يبرر الالتزام المفروض على الموظفين بالوفاء لقيم الديمقراطية وسيادة القانون.
إن وضع الجمهورية الفيديرالية الألمانية في أوروبا الغربية بين 1945 و 199 كان وحيدا وفريدا من نوعه مقارنة مع دول أخرى عضوة في مجلس أوروبا. لقد كانت الدولة مشتتة وكان الشعب منقسما وفي الخط الأمامي في مواجهة دول المعسكر الشيوعي السابق. ولذلك، من الواضح أنه كان أكثر ضعفا وأكثر عرضة من حيث أمنه القومي، وسلامة أراضيه والسلامة العامة؛ وعلى وجه الخصوص، كانت الدولة عرضة لخطر تسرب بعض أعوان ودعاة السياسيات المعادية للنظام الدستوري. ليس لدي أي سبب، في هذا الصدد، للتشكيك في الحقائق الواردة في مذكرة الحكومة أو تلك المقدمة في الجلسة من طرف ممثلها.
كما أنني لا أرى سببا يدعو للشك في الحقائق المقدمة والتقديرات التي أدلى بها ممثل الحكومة حول طبيعة ودور الحزب الشيوعي الألماني، الذي تعتبر السيدة فوغت عضوا ناشطا فيه وأحد مسؤوليه. ومن وجهة نظري، فمن الصحيح أن نفترض أنه بتاريخ الوقائع، كان هذا الحزب يهدف لقلب النظام الدستوري الديمقراطي للجمهورية الفيديرالية الألمانية من أجل إرساء النظام الشيوعي على نموذج الجمهورية الديمقراطية الألمانية السابقة. وعلاوة على ذلك، فقد وضع الحزب الشيوعي الألماني وسائل لتحقيق أهدافه السياسية؛ وكانت ممولة من قبل نظيره في ألمانيا الشرقية (SED)، وأما أعضاءه فقد تم تكوينهم من طرف الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية (SED) كذلك، وحوالي مائتين عضو تلقوا تعليمات من طرف هذا الأخير بشأن التخريب والإرهاب؛ وتم حل هذه المجموعة في 1989 فقط. في الجلسة، قال السيد ب. بيكر، متحدثا باسم المدعية، بأنه: "لم يكن قمع الدولة هو السبب في فشل الحزب الشيوعي ولكن انهيار الأنظمة الشيوعية".
4. السيدة فوغت هي عضو في الحزب الشيوعي الألماني منذ 1972. وقد تم تثبيتها في منصبها الوظيفي بتاريخ 1 شباط/فبراير 1979. بعد ذلك فقط، وفي خريف 1980، لعبت دورا نشطا في الحزب الشيوعي وبدأت بالانخراط في مختلف الأنشطة السياسية المسجلة في ملف القضية. وبتاريخ 13 حزيران/يونيو 1982، بوشرت ضدها الإجراءات التأديبية بسبب إخلالها بواجبها بالولاء نحو الدستور. بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر 1989، رفض المجلس التأديبي بساكسونية السفلى الطعن ضد العقوبة التأديبية بالعزل التي فصلت فيها الغرفة التأديبية للمحكمة الإدارية بأولدنبورغ. وبعدها تم اتخاذ العديد من الإجراءات الأخرى، وأخيرا، رفضت المحكمة الدستورية الفيديرالية الطعن بتاريخ 7 آب/أغسطس 1990.
أذكّر بالنقاط التالية من أجل وضع الحقائق في سياقها الصحيح:
- السيدة فوغت عينت كموظفة مثبتة، بموجب الممارسة الألمانية الراسخة التي تفيد بأن مجرد الانضمام للحزب الشيوعي لا تشكل إخلالا بواجب الولاء؛
- أن رفع الدعوى التأديبية ضدها قد تم بعد أن مارست الأنشطة السياسية الأكثر أهمية؛
- من الخطأ أن نفترض بأن طول الإجراءات، والتي تم خلالها السماح للسيدة فوغت بمواصلة ممارسة التعليم، تشير إلى أنه لم تكن هناك "حاجة اجتماعية ملحة" لوضع حد للأنشطة غير الدستورية للمعنية؛
- على العكس من ذلك، فالمحاكم الألمانية، كانت تتوقع بأن تتخلى عن نشاطاتها في الحزب الشيوعي؛ انظر، من بين غيرها، رأي المحكمة التأديبية بساكسونية السفلى بأن "التغيير الجذري لسلوك هذه الموظفة من شأنه أن يؤثر على تقدير خطورة الخطأ المهني" (الفقرة 22 في متن القرار)؛
- وبعد رفع الدعوى ضدها، السيدة فوغت كان لها متسع من الوقت للخيار بين خيارين على الأقل لتلبية المتطلبات الرسمية: أن تستمر في ممارسة نشاطاتها في الحزب الشيوعي و تبحث عن وظيفة أخرى خارج الوظيف العمومي الألماني، أو أن تحتفظ بمنصبها وتبقى عضوة في الحزب الشيوعي مع خفض نشاطاتها على مستوى هذا الحزب قبل سنة 1979.
5. السؤال المفتاحي التالي هو ما إذا كانت إقالة السيدة فوغت ("التدخل") ضرورية حقا وتمثل "حاجة اجتماعية ملحة"، نظرا للعلاقة بين طريقة قيام المعنية بوظائفها المهنية وبين نشاطاتها السياسية. وفي هذا الصدد، يمكننا طرح فرضيتين متعارضتين والدفاع عنهما:
الأولى، إن عمل السيدة فوغت كان غير سياسي بل و أكاديميا بحتا في جوهره؛ ويمكنها تأديته بطريقة لا تعبر مطلقا عن القيم. إن الفصل بين الحياة المهنية والخاصة (بما فيها السياسية) يرفع الخطر الذي يلعبه الدور السياسي للسيدة فوغت على دورها التعليمي والذي أدى للحاجة اجتماعية الملحة لعزلها.
قدت السلطات الألمانية تقييما بديلا، ومستخدمة لصيغة مختلفة، أكدت أن الرابط بين كلا الدورين كان وثيقا بما يكفي لتبرير التدخل. وفي هذه المادة، يمكننا أن نعتبر أن المعلمة تعتبر "قدوة" لتلامذتها، وبطرق مختلفة "خفية" و"مقنعة" "تزحف" القيم السياسية والأخلاقية في اللغة والمنطق الأكاديمي أثناء التدريس، وإمكانية التواصل خارج الدرس بين المعلم وتلامذته، والولاء المهني للوظيفة العمومية يجب أن يعكس التمسك بأخلاقيات وروح العمل الجماعي المهني، إلخ. وفي تدخلها أمام المحكمة، السيدة فوغت نفسها صرحت بأنها كانت دائما تعمل على توصيل قناعاتها الأساسية "كأستاذة و كإنسانة، داخل المدرسة و خارجها".
حسب رأيي، ورغم أننا أمام حالة واقعية، فضبابية الصورة تجعل من الصعب إعطاء جواب بنعم أو بــ لا. لذلك أخلص لاستنتاج حول هذا الجانب من القضية مفاده إن السلطات والقضاة الألمان كانوا في وضع أفضل لتقدير مدى كون التدخل ضروريا للدفاع عن الديمقراطية، كونها احدى الأسباب الرئيسية التي يمكن أن تبرر القيود لمصلحة الأمن الوطني، وبالتالي يجب أن تعطى، في إطار الهامش التقديري، سلطة ملائمة أوسع من تلك التي أقرتها الأغلبية.
6. بالنسبة لأغلبية الغرفة، فالتزام الحياد السياسي المفروض على الموظفين الألمان له "طابع مطلق". (أشار السيد تريشسل متحدثا نيابة عن اللجنة حول هذه النقطة، إلى "النظام الألماني المشهور"). حسب وجهة نظري، هناك تشويه بعيد عن الواقع الذي كشفت عنه الحقائق الواردة في ملف قضية الحال.
السيد بيكر أعلم المحكمة بأنه لا يوجد أكثر 1 إلى 1.5 % من الموظفين المعروفين رسميا بأنهم من اليساريين المتطرفين قد تم عزلهم فعلا. فلو كان النظام ذو طابع "مطلق" حقا لكانت النسبة مقاربة لــــ 100 %.
في المقام الثاني، فعتبة الحد الأدنى للإخلال بالتزام الحياد تم تحديدها بشكل عال مع بعض المرونة ويجب تقدير ذلك حالة بحالة. ومرة أخرى، لو كان النظام "مطلقا"، فمجرد الانتساب للحزب الشيوعي يشكل، دون شك، إخلالا بهذا الالتزام.
ثالثا، وكما يظهر من قضية فوغت نفسها، فالعقوبة النهائية لا يمكن أن توقع إلا بعد نشاط فعال ومستمر يكيف على أنه غير مخلص. ويمكن أيضا استنتاج ذلك من الإجراءات التأديبية والقضائية ضد السيدة فوغت بأن "النظام" يعمل بكثير من ضبط النفس. وقد كانت المتهمة محل تحذيرات بهدف إقناعها بالتخلي عن أنشطتها السياسية في الحزب الشيوعي (الفقرة 22). من وجهة نظري، كانت عقوبة العزل هي الحل الأخير بعد أن تبين بأن كل إجراء آخر كان سيفشل حتما.
رابعا، يظهر أن هذا "النظام" كان مرنا متى وضعناه في سياقه الزمني. وتم تعديله ليتكيف مع الظروف السياسية الجديدة، والتي من أكثرها إثارة سقوط جدار برلين: في مقاطعة ساكسونيا السفلى ألغي المرسوم المتعلق بتوظيف المتطرفين في التوظيف العمومي بموجب قرار وزاري مؤرخ في 26 حزيران/يونيو 1990 وفي 1 شباط/فبراير 1991، أعيد إدراج المدعية في منصبها كأستاذة لدى مصلحة التعليم لساكسونيا السفلى.
خامسا وأخيرا، فالاختلافات من إقليم لآخر في التطبيق لا تعني حسب وجهة نظري الطابع "المطلق" أو "الشامل" لــ "النظام".
سوء الفهم من طرف الأغلبية لطبيعة النظام وكيفيات تطبيقه لعب دورا مؤثرا، في رأيي، على درجة هامش التقدير الذي تتمتع به السلطات الألمانية، بما في ذلك المحاكم، في هذه المادة.
في رأيي، سقطت الأغلبية في المغالطة التالية: السلطات الألمانية قد تصرفت في إطار نظام محدد بدقة وصارم، وتطبيق هذا النظام تحت شكل تدخل في حقوق الإنسان المحمية من طرف الاتفاقية يمكن اعتباره وكأنه محدد مسبقا، غير معقول ويفتقر للتدبير الضروري. لذلك، مراقبة المحكمة الأوروبية تظهر إذا أكثر من مطلوبة.
وقائع القضية تؤدي بنا إلى استنتاج معاكس: "النظام"، منبعه المبادئ الدستورية الكبرى وقد عرفته المحكمة الدستورية الألمانية، ويستند على فقه قانوني واسع وله جذوره في التاريخ السياسي الألماني. وهو يستجيب أيضا لمتطلبات اليوم ويطبق بطريقة عقلانية ومرنة. وقضية السيدة فوغت لم تخرج عن هذا النهج.
7. في قضية كوزيك، إحدى القضايا المتعلقة بالمادة 10، والتي تقترب وقائعها من وقائع قضية الحال، اشتكى المدعي من تسريحه من منصب أستاذ محاضر - خلال فترة التجريب - بسبب نشاطاته السياسية في حزب NPD وبسبب مضمون كتابين كان قد نشرهما؛ وزعم بأنه ضحية انتهاك للمادة 10 من الاتفاقية. وفصلا في القضية، بحثت المحكمة عن مدى كون العزل المنازع فيه يعتبر "تدخلا" في ممارسة حرية التعبير للمعني و المحمية بموجب المادة 10 - في صياغاتها، وشروطها، وقيودها أو جزاءاتها - أو عن مدى اندراج هذا الإجراء في نطاق حق تقلد الوظائف العمومية، غير المحمي، بحد ذاته، من طرف الاتفاقية.
أشارت المحكمة بأن إحدى المؤهلات الشخصية المطلوبة من أي شخص يرغب في العمل لدى التوظيف العمومي في الجمهورية الألمانية الفيديرالية هي أن يثبت استعداده للدفاع باستمرار عن النظام الديمقراطي الحر بالمفهوم الوارد في القانون الأساسي. وأشارت المحكمة علاوة على ذلك، بأن هذا الشرط "يتعلق بالتوظيف في التوظيف العمومي، وهي المادة غير المنظمة أصلا في الاتفاقية، ولا يمكن أن تعتبر مخالفة بحد ذاتها لهذه الأخيرة" (قرار كوزيك ضد ألمانيا 28 آب/أغسطس 1986، سلسلة أ، رقم 105، ص.21، فقرة 28).
وعاينت المحكمة بأن الوزير قد عزل المعني لكونه "مسؤولا مهما في حزب NPD" وهذا الأخير له أهداف تعتبر "مناقضة للدستور" وبأن المحاكم الداخلية قد اعتمدت نفس النهج من حيث الموضوع؛ وأضافت أنه: "لا يعود للمحكمة الأوروبية مراقبة صحة النتائج التي توصلت إليها".
وصرحت المحكمة بأن "تقلد الوظائف العمومية "يوجــد" في لب هذه القضية المطروحة على المحكمة" ولهذه الأسباب، لا وجود لانتهاك للمادة 10 من الاتفاقية.
أنا صوتت لصالح تطبيق المادة 10 على هذا النزاع، مدركا أن هذا القرار يخرج عن سابق الاجتهاد القضائي المستقر للمحكمة، ولا سيما في قرار كوزيك. لذلك أرغب، عبر رأي الأغلبية، أن أقول بأنني لا اتفق مع الأسباب التي أوردتها هذه الأغلبية لتمييز قضيتي كلازنب[4] و كوزيك (الفقرة 44 من هذا القرار): فقد ذهبوا بأنه المحكمة في هذه القضايا، قد نظرت لقرارات السلطات بأنها "رفض لقبول المعنيين في الوظيف العمومي"، في حين أن السيدة فوغت قد عزلت بعد أن تم ترسيمها في منصبها. والأكثر من ذلك، أنه في القضايا السابقة، كان التأهيل المطلوب لشغل الوظيفة هو الالتزام بالدفاع عن "النظام الديمقراطي الليبيرالي بمفهومه الوارد في الدستور"، في حين أن عزل المدعية في هذه القضية يمثل عقوبة تأديبية لإخلالها بواجب مفروض على كل موظف مرسم في منصب من هذا النوع.
هذا التمييز ليس مقنعا. ولغرض تطبيق المادة 10 يتعين على المحكمة الإجابة على سؤالين:
أولهما، المدعي / المدعية هل مارس (ت) أم لا إحدى الحريات المحمية بموجب المادة 10 فقرة 1 من الاتفاقية؟ في كل واحدة من القضايا الثلاث (كلازنب، كوزيك، فوغت) كان الجواب بالإيجاب.
ثانيهما، هل ممارسة تلك الحريات يخضع لشروط، قيود، أو جزاءات؟ حسب رأيي، في كل واحدة من هذه القضايا، فالإجراءات المتخذة من طرف السلطات تندرج ضمن نفس الفئة، بمعنى شرط أو قيد أو جزاء تخضع له ممارسة الحريات الخاصة. السيد كوزيك عزل من منصبه كموظف تحت الاختبار، في حين أن السيدة فوغت عزلت من منصبها الذي كانت تشغله بصفتها مرسمة، ولنفس الأسباب، لأنه لا يمكن أن تتأثر المحكمة بان وجهات النظر في الحالة الأولى كانت يمينية متطرفة وفي الحالة الثانية هي يسارية متطرفة.
وسيكون من الأنسب أكثر، حسب رأيي، أن تعترف المحكمة صراحة بالتغير في السياسة القضائية التي برزت بين قضية كوزيك و قضية فوغت، بدلا من الجدال، غير المثمر حسب رأيي، بالاحتفاظ بنفس المبدأ مع نتائج متغيرة حسب تغير الحالات الواقعية.
ينبغي أن تحتفظ المحكمة في هذا القرار الأخير بنفس الحجج الموضوعية المتعلقة بالقرار الأول، وعلى الأقل في شكل معدل يـجعلها متفقة مع منطق هذه القضية. وإذا كان تقلد الوظائف العامة لا يمكن أن يكون في "لب المشكلة"، فينبغي أن يمنح على أي حال وزنا إضافيا في الموازنة. وإذا كان الموقف الراديكالي القائل بأنه "لا يعود للمحكمة الأوروبية مراقبة صحة النتائج التي توصلت إليها المحاكم الداخلية" لا يمكن بقائه قائما، فيجب الاعتراف ولو بهامش تقديري واسع إضافي للمحاكم الداخلية في مسائل التوظيف في الوظيف العمومي، بما في ذلك تقلد الوظائف والعزل منها.
8. ختاما، أعطي وزنا مخالفا لذلك الذي منحته الأغلبية للعوامل الرئيسية التالية لتطبيق معايير "الضرورة" و"التناسب" على النزاع:
- الوضع الخاص لألمانيا في أوروبا الغربية من 1945 إلى 1990، بشعب منقسم، واجه المعسكر الشيوعي السابق، الأمر الذي جعله ضعيفا و عرضة للمساس بأمنه القومي (بما في ذلك الدفاع عن القيم الديمقراطية) وسلامته الترابية و أمنه العام؛
- دور الحزب الشيوعي الألماني كوسيلة للاختراق ونشر الدعاية للشيوعية في ألمانيا؛
- المشاركة السياسية الفعالة للمدعية في هذا الحزب منذ خريف 1980؛
- ضبط النفس ومرونة للسلطات الألمانية تعتبر إثباتا في تطبيق واجب الولاء السياسي؛
- العلاقات المعقدة بين الحياة الخاصة السياسية والحياة المهنية في الوظيف العمومية؛
- أهمية الاعتراف بالهامش التقديري الواسع للمحاكم الداخلية حال معالجتها للقضايا المطروحة أمامها والتي تتعلق بالتوظيف في الوظيف العمومي.
لذا أصرح في النهاية، بأن الإجراء التأديبي المتخذ ضد السيدة فوغت كان متناسبا ويمكن أن نعتبره ضروريا في مجتمع ديمقراطي.
بيان للسيد القاضي ميفسود بونيتشي
(ترجمة)
أنا صوتت ضد قابلية المادة 10 من الاتفاقية للتطبيق في هذا النزاع، لكن الأغلبية تبنت موقفا معاكسا. حسب رأيي، فالمادة 11 وحدها هي المطبقة. وقد انضممت إلى الرأي المخالف المشترك لأنه يغطي أيضا حكم المادة 11 من الاتفاقية.
[1] القضية تحمل الرقم 7/1994/454/535. الرقمان الأوليان يشيران إلى حقل السنة التي سجلت فيها القضية، والرقمين الأخيرين إلى ترتيبها في لائحة اخطارات المحكمة منذ البداية وعلى أساس الشكاوى الأصلية المقدمة للجنة.
[2] النظام الداخلي يطبق على كل القضايا المحالة على المحكمة قبل دخول البروتكول رقم 9 (ب 9) حيز النفاذ. ومن وقتها، أصبح يطبق على الدول غير المصادقة على البروتكول التاسع. دخل حيز النفاذ في 1 كانون الثاني/يناير 1983، ذكر ذلك عدة مرات كما سيأتي.
[3] ملاحظة كاتب المحكمة: لأسباب تنسيقية وعملية فلن يتم إدراجها في غير النسخة المطبوعة (الجزء 323 من سلسلة منشورات المحكمة)، غير أنه يمكن الحصول عليها من لدن كتابة المحكمة.
[4] قرار كلازنب ضد ألمانيا، 28 آب/أغسطس 1986، سلسلة أ، رقم 104.
Full & Egal Universal Law Academy